"محو فلسطين" لأحمد البظ... ما تبقّى من البلاد وبيوتها في صور

post-img

سامر خويرة/العربي الجديد

في مواجهة محاولات طمس الهوية الفلسطينية ومحو الذاكرة الجمعية، تبقى الصورة وثيقة حيّة وشاهدة على المكان والإنسان. ومن بين من سخّروا عدستهم وقلمهم لحراسة هذه الهوية، يبرز المصوّر والصحافي الفلسطيني أحمد البظ عبر مشروعه البصري الأول "محو فلسطين" (The Erasure of Palestine)، الذي يوثّق بالصورة ما تبقّى من القرى والبلدات الفلسطينية المهجّرة والمدمّرة منذ نكبة عام 1948 وحتى اليوم.

في مقهى أدبي، كان بيتًا قديمًا تعرض لقصف طائرات الاحتلال قبل نحو 25 عامًا في البلدة القديمة لمدينة نابلس شمال الضفة الغربية المحتلة، جلس البظ (35 عامًا) على كرسي خشبي، وإلى الطاولة وضع جهاز لابتوب موصول بشاشة عرض على الحائط خلفه، إذ استعرض على مدار خمسين دقيقة قصة كتابه الأول "محو فلسطين".

الكتاب، الصادر باللغة الإنكليزية، جاء ثمرة رحلة تعلّم ذاتي استمرت ثلاث سنوات، تنقّل خلالها البظ بين عشرات المواقع الفلسطينية المهجّرة داخل الخط الأخضر والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 والضفة الغربية، موثقًا بالصورة والبحث والخرائط آثار المحو التي طاولت الأرض والذاكرة الفلسطينية.

يضم العمل أرشيفًا بصريًا يوثق نحو 200 قرية وبلدة فلسطينية من أصل أكثر من 530 موقعًا تعرّضت للتطهير العرقي والتدمير منذ النكبة. يعيد الكتاب طرح النكبة الفلسطينية بوصفها إطارًا نظريًا أساسيًا لفهم الواقع الفلسطيني الراهن، خاصة ما يتعلق بقطاع غزة، الذي يشكّل اللاجئون نحو 80% من سكانه، ممن هُجّروا من أكثر من 190 مدينة وقرية فلسطينية عام 1948.

يؤكد البظ أن رسالته الأساسية من الكتاب تتمثل في رفض التعامل مع النكبة باعتبارها "حدثًا تاريخيًا انتهى"، مشددًا على أن النكبة ما تزال مستمرة بأشكال مختلفة، سواء عبر اللجوء أو التهجير أو الاستيطان.

في حديثه عن بداية المشروع، يوضح البظ أن الفكرة انطلقت من تجربة شخصية، بعد حصوله على تصريح مكّنه من الوصول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 أواخر عام 2020، ليبدأ بجولات تصويرية هدفت في البداية إلى تعليم نفسه فن التصوير والتوثيق، قبل أن تتحول إلى مشروع بصري متكامل يوثق القرى الممحوّة من الجغرافيا الفلسطينية.

يشير البظ إلى أن كثيرًا من هذه المواقع لم يبقَ منها سوى حجارة متناثرة أو بقايا مبانٍ غطّتها الأعشاب، فيما تحولت قرى أخرى إلى مستوطنات أو منتجعات سياحية يسكنها مستوطنون، كما هو الحال في عين حوض وإجزم وعين كارم.

يقول البظ: "حتى اليوم، تقف آلاف المباني الفلسطينية داخل المستوطنات، أو في محيطها، بل ويستعمل المستوطنون بعضًا منها، فما الذي أتى بمسجد مغلق وسط مستوطنة يهودية لا يعيش فيها مسلمون؟ وماذا تفعل كنيسة مهجورة وسط مستوطنة يهودية لا يعيش فيها مسيحيون؟".

يؤكد البظ أنه شاهد مساجد تُستعمل حظائر للحيوانات، ومقابر محاطة بأسلاك كهربائية، ومنازل فلسطينية تحولت إلى نزل للفنانين، وهي بعض من شواهد نزع الملكية التي يمكن للجائل ملاحظتها اليوم.

يشير البظ إلى أنّ مدنًا فلسطينية كبرى شهدت عمليات تهجير شبه كاملة، موضحًا أن مدينة حيفا كان يقطنها نحو 73 ألف فلسطيني قبل النكبة، وهُجّر نحو 70 ألفًا منهم، فيما شهدت مدينة يافا تهجير أكثر من 117 ألف فلسطيني من أصل 120 ألفًا كانوا يعيشون فيها، وفق ما أورده المؤرخ الراحل عبد القادر ياسين.

أكثر ما ترك أثرًا نفسيًا لدى المصور الفلسطيني كان مدينة يافا، التي وصفها بأنها "المدينة الفلسطينية الكبرى التي اقتلع الاحتلال أهلها ودمر ملامحها"، مشيرًا إلى أن نحو 98% من سكان يافا الفلسطينيين هجّروا خلال النكبة.

يصف البظ صورة حي المنشية في يافا بأنها من أكثر الصور تأثيرًا بالنسبة له، مشيرًا إلى أنه وقف أمام مسجد حسن بيك في مدينة تل أبيب الحالية، متأملًا حجم الدمار الذي تعرضت له المدينة الفلسطينية التي كانت من أبرز المراكز الحضرية الفلسطينية قبل النكبة.

يبيّن البظ أن بعض القرى الفلسطينية تعرضت لمحو كامل، "حتى لم يعد فيها أي وجود عربي"، مشيرًا إلى أن الأمر نفسه تكرر لاحقًا في الجولان السوري المحتل، الذي زاره ليومين فقط، إذ دُمّرت أكثر من مئة قرية وبلدة عقب احتلاله عام 1967، ولم يتبقَ سوى خمس قرى سورية مأهولة.

يوضح البظ أنّ أحد فصول الكتاب يتناول أيضًا التهجير القسري في الضفة الغربية بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشيرًا إلى أن نحو 59 تجمعًا فلسطينيًا تعرضت للإفراغ الكامل من سكانها بفعل اعتداءات المستوطنين، خاصة في مناطق الأغوار ومسافر يطا.

يفتقر الكتاب، بحسب البظ، إلى وجود البشر في معظم الصور "لأن البشر لم يعودوا موجودين أصلًا في هذه الأماكن"، موضحًا أن الصور تركز على ما تبقى من البيوت والآثار الفلسطينية، مقابل التوسع الاستيطاني المحيط بها.

عن اختيار اسم الكتاب، يوضح البظ أن مفهوم "المحو" جاء انعكاسًا لما شاهده على الأرض، فتحوّلت القرى الفلسطينية إلى أماكن مخفية تحتاج إلى جهد للوصول إليها، مشيرًا إلى أن المشروع بدأ معرضًا بصريًا ومقالات صحافية، قبل أن يتبناه ناشر في اسكتلندا ويصدر في كتاب مطلع العام الحالي.

بحسب البظ، فإن "الصورة تبقى شاهدة حين يُراد للإنسان والمكان أن يُمحيا"، معتبرًا أن ما يجري اليوم في الضفة الغربية من تهجير للتجمعات الفلسطينية واستمرار الاستيطان، هو امتداد لسياسات المحو التي بدأت عام 1948.

يقول البظ: "لا ينبغي النظر إلى الصور الفوتوغرافية، أو ملف النكبة، على أنها قصص من الماضي، بل هي حاضر مستمر، طالما أن اللاجئين الفلسطينيين مجبرون على بقائهم لاجئين، وطالما استمر الاستعمار الإسرائيلي في منعهم من العودة، في حين يسمح لأي شخص يهودي من جميع أنحاء العالم بالاستيطان في البلاد، ونيل المواطنة والحقوق الكاملة".

يوجّه البظ رسالة إلى الجيل الفلسطيني الشاب بضرورة التمسك بالرواية التاريخية وعدم اختزال القضية الفلسطينية في حدود الضفة الغربية وقطاع غزة، مؤكدًا أن فلسطين التاريخية بكل مدنها وقراها المهجّرة تبقى جوهر الهوية الفلسطينية وحق العودة.

من المقرّر أن يشهد الكتاب، الذي صدرت النسخة الأولى منه باللغة الإنكليزية في اسكتلندا، ويجري حاليًا توفير نسخ محدودة منه في الضفة الغربية عبر الطلب المسبق، جولة إطلاق في عدد من المدن الفلسطينية، إلى جانب فعاليات مرتقبة في حيفا ويافا، وسط تطلعات لترجمة العمل إلى اللغة العربية ليكون متاحًا أمام شريحة أكبر من القرّاء الفلسطينيين والعرب.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد