أزمة الإمبراطورية الأميركية

post-img

ليلى نقولا (صحيفة المدن)

تشير الأدبيات الكلاسيكية والمعاصرة في العلاقات الدولية إلى أن تراجع القوى المهيمنة في العالم لا يحدث عادةً بصورة مفاجئة أو نتيجة حدث واحد، بل يحصل بشكل تراكمي، عبر مجموعة من المؤشرات البنيوية التي تعكس اختلالاً في نموذج الهيمنة نفسه. 

انطلاقاً مما سبق، نجد أن هناك بعض المؤشرات التي تشير الى أن الهيمنة الأميركية المطلقة باتت عبئاً على الأميركيين أنفسهم، ودخلت في مرحلة إعادة نظر، وهي كما يلي:

القوة أكثر كلفة وأقل فاعلية 

يصف بول كينيدي "فرط التمدد الاستراتيجي"، كأحد أبرز أسباب تراجع الامبراطوريات تاريخياً. وهذا يعود الى أن القوة المهيمنة باتت التزاماتها العسكرية والسياسية أكبر من قدرتها الاقتصادية، وبات اظهار القوة أكثر كلفة وأقل فاعلية. وفي الحالة الأميركية، يظهر هذا المؤشر في استمرار الانتشار العسكري الواسع، مقابل ضغط متزايد على الاقتصاد، وهو ما دفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى الطلب من الحلفاء بالالتزام بأمنهم ودفع ما عليهم من مساهمات في حلف الناتو.

في هذه المرحلة، حيث تصبح الحروب أكثر كلفة وأقل قدرة على تحقيق نتائج حاسمة. لا يعني ذلك بالضرورة الهزيمة العسكرية المباشرة، بل يشير إلى نمط من الاستنزاف الذي يحدّ من القدرة على ترجمة التفوق العسكري إلى مكاسب استراتيجية مستدامة. وحين تدخل الإمبراطورية حرباً لا تخرج منها بنصر حاسم، فإن صورتها العالمية تتراجع وقدرتها على فرض إرادتها بدون كلفة أيضاً تتراجع. وهو ما سيكون أحد أبرز تأثيرات حرب إيران (2026) على المديين المتوسط والطويل.

كلفة الهيمنة والعائد منها

يرتبط فرط التمدد الاستراتيجي، بما طرحه جيلبين حول "كلفة الهيمنة"، حيث تصبح المحافظة على النظام الدولي القائم أكثر عبئاً من العوائد التي يحققها، وحينها يبدأ شعب الإمبراطورية بالتخلي عن فكرة الايمان بضرورة الاستمرار في الهيمنة العالمية وتحمل أثمانها. وهذا ما يُعرف بـِ "القابلية الداخلية" لتحمّل كلفة الهيمنة، أو ما يُسمى أحياناً "الإرهاق الإمبراطوري". فالإمبراطوريات لا تستمر فقط بفضل قدراتها العسكرية والاقتصادية الهائلة، بل أيضاً بوجود قبول داخلي بدورها الخارجي. 

في الولايات المتحدة، يبرز هذا النقاش على المستويين الفكري والشعبي. من ناحية الأكاديميين والمفكرين الاستراتيجيين، برزت دعوات للتخلي عن الانخراط واستخدام "الموازنة من الخارج". أما على المستوى الشعبي، نجد أن الشعارات التي انتخب الأميركيون ترامب والحزب الجمهوري على أساسها هي نفسها؛ أي عدم الانخراط في الحروب، للتركيز على القضايا الداخلية المرتبطة بالمستوى المعيشي وتحسين الاقتصاد.

تحوّل في نمط القيادة

تؤدي الازمات الإمبراطورية عادة الى فترات انقسام داخلي خاصة بين النخبة، وتترافق مع صعود أنماط قيادة غير تقليدية، تتسم بدرجة أعلى من الشخصنة في اتخاذ القرار، وبميل إلى تجاوز الأطر المؤسسية التقليدية. ولا يُفهم هذا التحول بوصفه سبباً مباشراً للأزمة، بل باعتباره تعبيراً عنها. والرئيس دونالد ترامب قد يكون أحد تجلياتها.

يضاف الى تلك المؤشرات البنيوية الداخلية الأميركية تحولات كبيرة في النظام الدولي. عكست زيارة الرئيس دونالد ترامب الى الصين مؤخراً، أن الولايات المتحدة باتت تتعامل مع الصين بوصفها قوة كبرى موازية. كما أن قدرة إيران على تحدي الهيمنة الأميركية وصمودها في الحرب الاخيرة، رغم الخسائر الكبيرة، ساهمت في تعميق الانقسامات الداخلية الأميركية، وزادت من كلفة استخدام القوة خارجياً وحدّت من فعاليتها.

انطلاقاً مما سبق، تعيش الولايات المتحدة حالياً مرحلة إعادة تعريف لدورها العالمي، حيث لم تعد مسألة الهيمنة تُطرح بوصفها خياراً بديهياً، بل أصبحت موضع نقاش داخل النظام السياسي نفسه. مع العلم إن ما تواجهه الولايات المتحدة اليوم لا يتمثل في فقدان عناصر القوة، بل إن التقييم الإجمالي لعناصر القوة العالمية لا يزال يضعها في موقع القوة الأولى بفارق واضح عن منافسيها. ولا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بعناصر تفوق بنيوية كبيرة، سواء في الاقتصاد العالمي أو التكنولوجيا أو التحالفات العسكرية. لكن تكمن المشكلة في تآكل قدرتها على استخدام تلك القدرات ضمن نموذج الهيمنة التقليدي. 

ختاماً، إن أزمة الإمبراطورية الأميركية، كما تعكسها هذه المؤشرات، لا تعني بالضرورة نهاية القوة الأميركية، بل تشير إلى تحول في طبيعة هذه القوة وحدود استخدامها. وهي مرحلة غالباً ما تعيد فيها القوى المهيمنة تعريف دورها في النظام الدولي، عبر مزيج من التكيّف مع القيود الجديدة، وإعادة ترتيب أولوياتها بين الداخل والخارج، وهو ما ستشهده الولايات المتحدة في فترة ما بعد حرب إيران، وبعد نتائج الانتخابات النصفية الأميركية القادمة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد