أسوأ من كامب ديفيد.. سوسيولوجيا «اتفاق الإطار»

post-img

سيف دعنا/جريدة الأخبار

هل كان أنور السادات مهرّجًا (Buffoon) أو حتى مجرد مهرّج؟ قد تبدو اللفظة للوهلة الأولى مجرد شتيمة سياسية، لكنها قد توفّر، إذا أُعيد بناؤها نظريًا، مفهومًا ذا قيمة تفسيرية يتجاوز كثيرًا سطحية الهجاء السياسي. فليس السؤال إذا ما كان السادات يستحق هذا التوصيف، وبالتأكيد ليس هذا التوصيف مهمًا كحالة نفسية. السؤال الأهم هو، هل يمكن أن يكون المهرّج موقعًا بنيويًا تخلقه ظروف تاريخية معينة، أو تنتجه شروط اجتماعية وسياسية محددة، بحيث تستطيع شخصيات مختلفة أن تشغله عندما تتكرر تلك الظروف؟ أي، ليس المقصود تفسير التاريخ من خلال شخصية السادات المهرّج، بل أساسًا فهم الكيفية التي يمكن بها للبنية التاريخية أن تجعل من نمط معين من الشخصيات حاملًا لوظيفة تتجاوز مواصفاته الشخصية. لذلك، يصبح تحديد المعنى الدقيق لكلمة «Buffoon» شرطًا نظريًا بداية، لا مجرد استطراد لغوي. لنبدأ بترجمة للتعريف الإنكليزي للكلمة، كون من وصفه بها أساسًا كان صديقه هنري كيسنجر. ما هو المهرّج؟

ترجمة تعريف كلمة «Buffoon» كما جاءت في قاموس ويبستر: «اسم يُطلق على الشخص الأحمق أو الغبي الذي يقوم بأفعال سخيفة أو هزلية وعبثية تثير الضحك، وقد يشير اللفظ أيضًا إلى المهرّج أو البهلوان، أو أي شخص تكون تصرفاته وحركاته غير اللائقة وغير الرصينة مصدر تسلية للآخرين». والمفهوم، كما يشير التعريف، لا يقتصر على توصيف السلوك، بل ينطوي كذلك على دلالات فيها الكثير من الازدراء، وتشير إلى الخفة والسفه وانعدام الرزانة. أمّا من حيث التأصيل، فاشتقاق الكلمة ترجع إلى الفرنسية الوسطى «Buffone» والإيطالية «Bouffon» وكلتاهما تحمل معنى بهلوان أو مهرّج، وهي في الأصل مشتقة من الفعل اللاتيني «Buffare» الذي يشير إلى «نفخ الخدين بقصد اصطناع هيئة مضحكة أو وجه هزلي. والكلمة وثيقة الصلة بجملة مشابهة من الألفاظ مثل مهرّج، أحمق، أو غريب الأطوار»، ما يعكس انتقالها من الدلالة على الحركات الجسدية الهزلية إلى توصيف نمط من الشخصية تتسم بالابتذال والسفه.

الفرق بين «Clown» و«Buffoon»، وكلتاهما تُترجم إلى العربية كـ«مهرّج» على سبيل التقريب، أن الأولى تُستخدم عادة لتوصيف شخص/فنان محترف يمارس الفن كفعل مسرحي واستعراضي يستخدم الكوميديا الجسدية والمكياج والأزياء، وبالتالي فهي ليست شتيمة. فيما الثانية ليست مهنة، بل تُستخدم لوصف شخص غير منضبط، وسفيه، وأحيانًا يتصرف بشكل غير واعٍ، يثير ضحك الآخرين بتصرفات سخيفة أو حمقاء. وبينما يسعى كلاهما إلى إثارة الضحك، فإن المهرّج «Clown» يؤدي دورًا تمثيليًا، بينما يُنظر إلى المهرّج «Buffoon» غالبًا على أنه أحمق حقيقي أو تافه.

لهذا بالضبط، غالبًا ما جاء توصيف أنور السادات السائد بالمهرّج، كترجمة لاستخدام كلمة «Buffoon» وليس «Clown»، وهو ما يفترض التمييز الدلالي عند تفسير مدلول اللفظ أو ترجمته إلى العربية. فالمقصود هو استخدامها على سبيل الإهانة لوصفه بالسفه والتفاهة. لكن هذا التمييز الدلالي بين المهرّج الوظيفي (Clown) والمهرّج الأحمق أو التافه (Buffoon) لا يقف عند حدود اللسانيات أو الهجاء السياسي، بل يفتح الباب سوسيولوجيًا لتفكيك معضلة أعمق تخص جدلية البنية والفاعل/ية، أو ببساطة سؤال الإرادة الإنسانية في مقابل البنى التاريخية، وكيف يمكن للبنى التاريخية أن تستخدم التفاهة الفردية كممر لتمرير تحوّلات هيكلية كبرى.

أهمية استعراض هذا التمييز سوسيولوجيًا أساسًا في كونه يتعلق بأحد الأسئلة الأساسية في علم الاجتماع حول جدلية البنية والفاعل/ية، وتحديدًا حول سؤال دور الفرد في التاريخ. وهذا التمييز منتشر أيضًا في الفلسفة السياسية (من ماركس في «الثامن عشر من برومير لويس بونابرت» إلى لوي ألتوسير في «قراءة رأس المال» وأيضًا «الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية» حيث استخدم مفهوم «الاستجواب» الشهير). ولاختصار الفكرة سأورد نقاشًا معروفًا في «قراءة رأس المال»، حيث صاغ ألتوسير القطيعة النهائية مع «الإنسانوية الماركسية»، كما هي في أعمال ماركس الشاب، واستبدلها برؤية الفرد، ليس كصانع للتاريخ، بل كـ«تأثير» ناتج من البنى الاقتصادية والاجتماعية.

هكذا، يذكر ألتوسير في سياق تصنيفه وتمييزه بين أعمال ماركس الشاب وماركس المتأخر أن الإنسان، كـ«فئة تفسيرية»، اختفى (كليًا) في «رأس المال»، وحتى تمت إزاحة مفهوم «الإنسان» من مركز الصدارة المعرفية، وحلّت بدلًا منها بُنى ونُظم مثل علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج. وفي تفضيله أعمال ماركس المتأخر (كـ«رأس المال») في النص نفسه يصيغ ألتوسير هذه الفكرة بتأكيده أن «التاريخ صيرورة بدون ذات»، لا يحركه الأفراد بنواياهم، بل تحركه صراعات وتناقضات البُنى (الاقتصادية والاجتماعية) وتحولاتها. لهذا، لا يتصرف الأفراد داخل النظام الرأسمالي بذواتهم الحرة، أو كذوات حرة، بل بصفتهم وظائف وأدوارًا تتحرك داخل هيكل أو بنية معطاة مسبقًا.

أمّا الذوات الحقيقية فليست الأفراد كبشر، بل كـ«حوامل» للوظائف والأدوار. يكفي استذكار مفهوم «قناع الشخصية» الذي أورده ماركس في الفصل الثاني، «عملية التبادل»، من المجلد الأول من «رأس المال»، وأعاد استخدامه في المجلد الثاني والثالث لتأكيد الفكرة: «سنجد، بوجه عام» يقول ماركس إن «أقنعة الشخصيات الاقتصادية للأفراد ليست سوى تجسيد للعلاقات الاقتصادية، فهم يواجهون بعضَهم بصفتهم حَمَلة لهذه العلاقات».

أيّ مهرج كان السادات؟

أنور السادات، كمهرّج، هو حالة نموذجية لتفسير الجدلية القائمة في التباين الكبير بين تفاهة وسفه الفرد من جهة وضخامة الأثر الكارثي والعميق والبعيد المدى لسياساته من جهة أخرى، ما يستدعي معرفيًا، من أجل التفسير، توظيف مفهوم «الحامل» عند ألتوسير. فبرغم الإجماع على توصيفه الشائع جدًا بمواصفات هزلية من قبيل مهرّج، إلا أن السادات، كرئيس، شكّل في الجوهر، الحامل، والممر البنيوي الذي عبرت من خلاله بنية التحول الرأسمالي الطرفي التابع لإحداث قطيعة جذرية مع مرحلة كاملة في تاريخ مصر والوطن العربي. وطبعًا ليس القصد والهدف هنا الشتيمة أو الهجاء السياسي السطحي، لمن يريد سوء الفهم عمدًا، مع حفظ حق الناس في فعل ذلك إن أرادوا. فالهدف هنا هو تحويل هذه الشتيمة السائدة إلى مقولة تفسيرية، وتوظيفها من أجل تفكيك سوسيولوجي يهدف إلى تتبّع سياق تاريخي تتكرر فيه هذه النماذج بدءًا من انقلاب لويس بونابرت في فرنسا في ديسمبر 1851، (حيث «وفّر الصراع الطبقي ظروفًا سمحت لشخصية تافهة ومتواضعة المواهب بلعب دور البطل» كما وصف ماركس حرفيًا في «الثامن عشر من برومير لويس بونابرت» في تفسيره لظاهرة صعود شخصية بائسة أخرى إلى سدة الحكم) وصولًا إلى السادات وصيرورة كامب ديفيد.

لم يكن سرًّا، طبعًا، أن الانطباع السائد في مراكز القرار والكواليس السياسية والاستخباراتية، في الولايات المتحدة وحتى لدى الكيان الصهيوني، أن أنور السادات هو شخصية هزلية، استعراضية، ومُبتذلة. ورغم أن كيسنجر، وزير الخارجية الأميركي حينها، صاغ عباراته بلغة دبلوماسية في مذكّراته الرسمية «أيام البيت الأبيض» و«سنوات من الاضطرابات»، لتجنب استخدام توصيف «مهرّج» مباشرة وبصراحة، إلا أنه ذكر أنهم لم ينظروا إليه «كرجل دولة قادر على الفعل/التغيير»، بل كانوا يعتبرون تصريحاته مجرد «استعراض فارغ». أمّا في الكواليس، كما وثّق الصحافيون المقربون منه، وكما جاء أيضًا في الوثائق السياسية الخارجية الأميركية، فلقد كان استخدامه لـ«المهرّج» لتوصيف السادات سائدًا. ففي مذكّرات كيسنجر التي كتبها والتر آيزيكسون، اعتمادًا على وثائق مجلس الأمن القومي، وخصوصًا في الفصول التي تتناول الشرق الأوسط، يذكر آيزيكسون أن كيسنجر كان يرى السادات كشخصية مُبتذلة وخفيفة الوزن، يجيد الاستعراض، لدرجة أنه كان يرمي تقارير الخارجية التي تحذّر من الحرب في سلة المهملات.

في «خريف الغضب» خصوصًا، ولكن في غيره أيضًا، يوثّق محمد حسنين هيكل، أيضًا، هذا الانطباع بالتفصيل. فلا يكتفي بنقل انطباعات كيسنجر وتصريحاته في اللقاءات المُغلقة، ولا حتى مراسلات الاستخبارات قبل الحرب (أنه مهرّج وظاهرة صوتية، خصوصًا صدمتهم لطرده للخبراء السوفيات عام 1972 دون أي ثمن مقابل). بل، إن هيكل قدّم أيضًا تحليلًا نفسيًا لشخصية السادات مضيئًا على بعض عقد النقص الشخصية، ومنها عقدة «الممثل المحترف» التي سعى إليها السادات فعلًا قبل الثورة وفشل فيها. لم يكن السادات، كما عرض هيكل شخصيته، رجل دولة برؤية استراتيجية ومشروع، بل كان مهرّجًا حوّل السياسة إلى حركات بهلوانية واستعراضية (مثل لبس الزي العسكري الألماني، أو عباءة الفلاح في عيد ميلاده، الخ).

قد يكون المقصود من توصيف المهرّج «Buffoon» إذًا شتيمة، كما في وصف كيسنجر للسادات، لكن التفسير السوسيولوجي، في مثل هذه الحالات، يتجاوز كثيرًا التعامل مع التناقض الصارخ بين تفاهة الفرد وضخامة الأثر الكارثي كمجرد لغز سيكولوجي، بل باعتباره التجسيد الحي للمنظور البنيوي المقصود في مقدّمة هذا النص. فالأفراد ليسوا هم من يصنعون التاريخ بنزعاتهم ومواصفاتهم الذاتية، بل هم مجرد حوامل لبنى اقتصادية/اجتماعية تشغل مواقع محدّدة فرضتها تحولات صراع الطبقات.

لكن، برغم كل الإجماع على شخصيته كمهرّج أصبح رئيسًا لأكبر دولة عربية بلا رؤية ولا مشروع، كان الإجماع أيضًا أن أنور السادات يمثل الشخصية السياسية الأسوأ، وحتى الأكثر كارثية في التاريخ العربي الحديث، وطبعًا ليس بوصفه فاعلًا فرديًا، بل باعتباره تجسيدًا لحامل بنيوي، قادت سياساته إلى إحداث قطيعة بنيوية في التشكيلة الاجتماعية والاقتصادية المصرية والعربية. فلم تكن معاهدة كامب ديفيد، التي وقّعها السادات، مجرد اتفاقية سياسية، أو حتى حدثًا سياسيًا مفصليًا، بل مسارًا وسيرورة بنيوية أعادا رسم الخرائط الجيوسياسية، وتقويض النظام الإقليمي القائم حينها، وأعادا دمج المنظومة العربية بشكل قسري في المحيط الدولي تلبية لمصالح المركز الإمبريالي، وأيضًا تثبيتًا للكيان الصهيوني كوكيل إقليمي لهذا المركز.

تأسيسًا لكامب ديفيد، وبشكل مترافق مع التحولات التي أطلقتها على المستويين الإقليمي والدولي، قاد السادات، محليًا، أوسع وأكبر عملية إعادة تنظيم بنيوي للاقتصاد الوطني، وأيضًا لمؤسسات وأجهزة الدولة المصرية، ممهّدًا بذلك لحقبة تاريخية جديدة تتميز بخطاب جديد، أيديولوجيا جديدة، وعقلانية سياسية نيوليبرالية أعادت تعريف وظائف الدولة، وأنماط العلاقة بين السلطة والمجتمع، وحتى حدود الفعل السياسي. هكذا تم التأسيس لإعادة هندسة الوعي الجمعي، وإعادة تشكيل الذات السياسية المصرية والعربية عبر توفير بنى فعلية لعملية إعادة تثقيف جمعي عملت على تقويض الوعي الطبقي والقومي، وإحلال منظومة قيم وخيارات سياسية واقتصادية أكثر اتّساقًا مع متطلبات الرأسمالية العالمية، ومع المصالح الاستراتيجية لوكيلها الصهيوني في الإقليم. ببساطة، كانوا ولا يزالون يريدون لنا أن نصبح أمة من المهرّجين. هكذا، ولهذا، كان الانقلاب الشامل على الإنجازات الناصرية التاريخية عبر تفكيك منظومة الاشتراكية العربية واستبدالها بسياسات الانفتاح النيوليبرالية، وبالتالي تصفية الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي راكمتها الطبقات الشعبية وحوامل العمل القومي العربي، ما أحدث قطيعة سياسية ومعرفية حتى مع الحد الأدنى من المشترك القومي العربي، وأعاد رسم حدود ومعنى الانتماء والفاعلية السياسية في الإقليم.

اتفاق الإطار اللبناني: جدلية الداخل والخارج

استحضار النموذج الساداتي وتجربة كامب ديفيد، كمسار بنيوي مفصلي في التاريخ العربي الحديث، هو مقاربة معرفية ضرورية لفهم وتفكيك ما هو أبعد من تحليل النص الحرفي لاتفاقية الإطار التي وقّعتها السلطة اللبنانية، وتتجاوز حتى القراءات التفصيلية لملاحقها السرية التي سُرّبت بنودها وأُشبعت تفكيكًا وتحليلًا. فالقراءة المُقارنة، ليس فقط مع كامب ديفيد، بل مع كل الاتفاقيات الأخرى (أوسلو ووادي عربة أيضًا)، وعدم الاكتفاء بتشريح النصوص، كفيل بالإضاءة على الأسباب الحقيقية لحماسة السلطة للتفاوض والتوقيع على الاتفاق في هذا الوقت بالذات، وعلى المسارات المتوقّعة لمثل هذه الاتفاقيات.

كامب ديفيد، ببساطة شديدة، لم تكن مجرد اتفاقية، حتى لا نقول ليست اتفاقية «سلام» ثنائية، مع كل ما يعنيه ذلك من معانٍ ودلالات وتبعات. فكامب ديفيد ترافقت أيضًا مع، واستولدت، ليس فقط أكبر عملية إعادة تنظيم هيكلي للاقتصاد الوطني المصري وأجهزة ومؤسسات الدولة المصرية في تاريخها المعاصر، وبالتالي أسّست ومهّدت الطريق لتصفية الإنجازات التاريخية للحقبة الناصرية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. بل، وأيضًا، تضمّنت استيلاد خطاب جديد وأيديولوجيا جديدة واستندت إلى عقلانية سياسية ومنظومة مفاهيمية جديدة تمّ تعميمها لاحقًا على مناطق الوطن العربي كافة حيث لم تعد محرمات التفاوض والاتفاق مع العدو الوجودي حتى خطًا أحمر. لكن، ما نراه في لبنان، هو نسخة أكثر رداءة للمسار التحويلي ذاته الذي يتم استنساخه في المشهد اللبناني عبر أدوات اتفاقية الإطار التي تتجاوز النص وتؤسس لانتقال استراتيجي شامل للبنان. لهذا، فالاكتفاء فقط بتفكيك وتحليل النصوص، على حمولتها السلبية والكارثية، وعدم فهمها كمقدمات لتحول استراتيجي شامل محليًا وإقليميًا، هو قراءة قاصرة جدًا.

الخطورة الكبرى لاتفاق الإطار، برغم كل تفاصيل النص الكارثي المنشور، تتمثل في كونه مجرد مقدمة لعملية هندسة بنيوية وهيكلية شاملة تعيد صياغة وتعريف الهوية السياسية والوطنية للدولة ومؤسساتها وأجهزتها، حتى برغم ما تسرّب من تفاصيل بعض بنود الملاحق. فاتفاقية الإطار، مثل كامب ديفيد، تمثل مقدمة لإعادة تنظيم بنيوي شامل وعملية إعادة هيكلة جذرية للمؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية للدولة اللبنانية والمجتمع اللبناني، بحيث تصبح الوظيفة الجديدة، لما يتوجب أن تكون أجهزة ومؤسسات وبنى سيادية، ليس فقط تصفية الإرث الرمزي والمادي والإنجازات التاريخية للمقاومة الإسلامية، ولا حتى إعادة دمج كلي للمجتمع اللبناني في علاقات الإنتاج الرأسمالية من موقع هامشي/طرفي، بل، وأيضًا، إرساء الحجر الأساس لتحويل الكيان اللبناني إلى مجرد محمية خاضعة للهيمنة الصهيونية المباشرة، متجاوزة حتى حدود الوصاية الأميركية التقليدية (كما في حالة كامب ديفيد).

الهدف من إعادة صياغة دور أجهزة الدولة ووظيفتها وفق الاتفاق يرتبط جدليًا بدورها في إدارة التناقضات الداخلية، والعمل كمقاول أمني وظيفي في خدمة رأس المال الإقليمي (الإسرائيلي والخليجي والدولي) عبر توظيف أجهزة الدولة لاجتثاث أسس ومقدرات وحوامل أي حراك اجتماعي وسياسي يتعارض مع ذلك.

معنى الاتفاقية والملاحق الحقيقية وتبعاتها يتجاوز التزام السلطة الإجرائي بتفكيك البنية العسكرية للمقاومة، إلى حدّ كونها أسسًا وشروطًا لعملية هندسة وإعادة تنظيم اجتماعية وسياسية وأمنية واقتصادية كبرى تهدف إلى تصفية، وحتى اجتثاث، الحواضن والحوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية لمشروع المقاومة. هكذا فقط يمكن أن يعاد إنتاج لبنان وظيفيًا، كما تبدو الوظيفة الأساسية لهذه الاتفاقية، كمحمية إسرائيلية بامتياز.

العدوان الصهيوني فرصة النخبة

من الخطأ إذًا، وبناءً على تجارب الاتفاقيات السابقة (ككامب ديفيد المشؤومة) القبول بتبرير اندفاع السلطة الحاكمة في لبنان للتفاوض وتوقيع الاتفاق الأخير كمخرج «عقلاني»، أو حتى نتيجة للتعب والإنهاك من الصراع، وبالتأكيد ليس نتيجة لـ«عدم جدوى» البديل، كما يتم الزعم. وليس ذلك فقط لأن السلطة، والنخبة التي تمثلها، لم تكن يومًا في موقع مقاومة مشاريع الكيان الصهيوني في لبنان والمنطقة أو في موقع من دفع حتى قليلًا مما يترتب على خيار المقاومة من أثمان أصلًا. وليس ذلك، أيضًا، حتى بدافع الحرص على «انسحاب» الكيان الصهيوني من الأراضي اللبنانية المحتلة.

بل، هو، أساسًا، وأولًا، وأخيرًا، خيار طبقي واعٍ، هدفه الأساسي حماية مصالح النخبة وتأمين استمراريتها وإعادة إنتاج سلطتها كوكيل للمركز الإمبريالي. فمع انهيار نموذجها الريعي القائم على المصارف والخدمات والسياحة، تجد هذه النخبة في هذا الاتفاق طريقًا بديلة لإعادة دمج الاقتصاد اللبناني في السوق الإقليمية التابعة للمركز (المحور الأميركي-الصهيوني)، مستخدمة «الواقعية السياسية» كغطاء أيديولوجي مزوّر لتبرير الاستسلام وتفكيك بنية الدولة. فالنخبة المالية والمصرفية، بحكم طبيعتها وتموضعها الطرفي التابع في المنظومة الرأسمالية العالمية، لا تسعى إلى أكثر من حماية مصالحها الضيقة وضمان إعادة إنتاج سلطتها وامتيازاتها حتى ولو على حساب المصالح الوطنية الحقيقية.

لا يمكن، إذًا، مقاربة المسار التفاوضي مع العدو بمعزل عن الصراع الطبقي المحلي. فاستهداف المقاومة لا يرجع فقط إلى دورها العسكري والسياسي في مقاومة الكيان الصهيوني وتبعاته الإقليمية، بل يمتد أيضًا إلى موقعها كبنية اقتصادية واجتماعية وثقافية تشكّلت وتطورت خارج هيمنة رأس المال العالمي، وحتى بصورة مضادة له. لهذا، فإن تصفية المقاومة وحواملها لا تمثل مجرد هدف أمني أو سياسي، بل تمثل شرطًا بنيويًا لأي عملية هندسة اجتماعية واقتصادية وثقافية لإعادة تشكيل المجتمع اللبناني وفق متطلبات إعادة إنتاج الهيمنة، وتهدف إلى تفعيل ما يسميه ديفيد هارفي «التراكم عبر الانتزاع»، وهي آليات قسرية (وغير إنتاجية) لنهب الثروات واستمرار تراكم رأس المال.

لا يجب إذًا، اختزال دوافع التفاوض وتوقيع الاتفاق في العدوان الصهيوني على لبنان فقط. ليس ذلك ما دفع ويدفع السلطة للتفاوض وتوقيع الاتفاق، بقدر ما أن لهذا المسار بعدًا محليًا أيضًا يتعلّق بإعادة تشكيل موازين القوى الاجتماعية. فحين يكون الهدف تصفية المقاومة كبنية كفاحية واجتثاث حواملها الاقتصادية، الاجتماعية، والثقافية، فذلك بالضبط لأن المقاومة، وبعكس النخبة الحاكمة، نمت وتطورت خارج إطار هيمنة رأس المال العالمي، بل وحتى بشكل موازٍ، ما يستوجب عملية هندسة اجتماعية اقتصادية ثقافية لاجتثاثها، كشرط لإعادة دمج المجتمع اللبناني كليًا في منظومة الهيمنة الأميركية-الصهيونية.

لم تخترع السلطة اللبنانية العجلة، إذًا. على العكس، فهذا المسار يحاكي تاريخيًا تجربة كامب ديفيد. فكما كانت عملية إعادة التنظيم الاستراتيجي للاقتصاد الوطني وأجهزة ومؤسسات الدولة المصرية الشرط الضروري لمسار كامب ديفيد لتصفية مصالح ونفوذ القوى الشعبية التي تراكمت في الحقبة الناصرية، وبالتالي إنتاج بيئة وحواضن بديلة لتسهيل عملية الاندماج الكلي للنخبة المصرية في منظومة العلاقات الرأسمالية، فإن المقاومة وبناها وحواضنها في لبنان تُستهدف ليس فقط لمقاومتها الكيان الصهيوني ودفاعها عن لبنان، بل ولأنها أيضًا تشكّل عقبة بنيوية في طريق النخبة اللبنانية نحو الاندماج الكامل في المنظومة الرأسمالية.

ربما يجيب هذا التفسير ليس فقط على سهولة قبول السلطة اللبنانية بالكثير من بنود الاتفاق والملاحق، وربما حتى عدم المفاوضة الجدية عليها وحتى الإصرار على دفع أثمان غير ضرورية، بل وأيضًا الحملات المتلاحقة على المقاومة منذ انطلاقتها. فالعدوان الصهيوني والمفاوضات اللاحقة لم تكن سوى فرصة موضوعية وظّفتها النخبة الحاكمة في لبنان لتبرير العمل على تصفية المقاومة، ما يعني أن بنود الاتفاق وملاحقه الأمنية، بكل حمولتها السيئة، ليست مجرد إملاءات خارجية، بل هي أيضًا حاجة بنيوية لنخبة النظام الطائفي لإزالة العقبة التي تحول دون اندماجه الكامل في المنظومة العالمية، حتى لو كان الثمن سحق المصلحة الوطنية للأغلبية الشعبية. هذا التشخيص يفترض، أيضًا، إعادة تعريف للمقاومة، وظيفتها، ودورها ليس فقط إقليميًا، بل ومحليًا أيضًا.

المقاومة ممارسة ثورية مضادّة

بناءً على ما سبق، وبناءً على التجربة الراهنة، حتى لا نقول بناءً على كل التاريخ الحديث بمجمله، لا يمكن فهم وتفكيك ظاهرة المقاومة ببساط وسذاجة بوصفها مجرد رد فعل عسكري أو حتى خيار أيديولوجي طوعي. بل، هي في الجوهر ممارسة ثورية شاملة مضادة تتدخل وتؤثّر مباشرة في بنية نمط الإنتاج الكولونيالي وتعمل على تعطيل آلياته. فالكيان الصهيوني يعتمد من أجل ديمومته على فرض حالة من الاستقرار البنيوي تمكّنه من الاستمرار في التوسع واحتكار العنف وتصدير الأزمات إلى الإقليم. هكذا تكتسب المقاومة مشروعيتها التاريخية من خلال العمل على تفكيك شروط الهيمنة، بوصفها القوة الوحيدة التي تعمل على إعاقة قدرة نمط الإنتاج الكولونيالي على إعادة إنتاج شروط سيطرته بسهولة. فالمقاومة هي الأداة الوحيدة القادرة على فرض تحديد مضاد يكسر حتمية التمدد الصهيوني.

بهذا المعنى، تشكّل المقاومة الاستجابة التاريخية الضرورية (جدًا جدًا جدًا)، ليس فقط حين تعجز أجهزة الدولة الرسمية، التي يتم العمل على إعادة تشكيلها واستيعابها عبر أيديولوجيا الاستسلام، عن أداء دورها في حماية الحيز الاجتماعي والعام، بل وحين تعمل النخبة على توظيف العدوان لخدمة مصالحها الطبقية. فالمقاومة في حالة لبنان، كما في فلسطين وباقي المنطقة، هي التجسيد الموضوعي لوجودية وصفرية الصراع، ولوعي هذه المجتمعات بشروط البقاء. إنها التجسيد التاريخي، وحتى الحرفي، للانتقال من الطبقة في ذاتها (الوجود الموضوعي) إلى الطبقة لذاتها (الوعي)، على مستوى الصراع القومي والطبقي ضد المستعمِر.

لهذا بالضبط، لا يمكن فصل الحملات والهجوم السياسي والإعلامي، وحتى العسكري، الذي تتعرض له المقاومة، خصوصًا في لبنان عن الصراع الطبقي محليًا، وامتداداته إقليميًا، وعالميًا. فالهجوم على المقاومة، بالجوهر، هو وظيفة أيديولوجية موضوعية تصب مباشرة في مصلحة الحلف الصهيوني-الإمبريالي، بما فيه النخب الحاكمة. وهذه الوظيفة الأيديولوجية كخدمة للعدوان تتضح من خلال إعادة إنتاج الاستلاب والانقسام. فالهجوم على المقاومة لا يسعى لعزل المقاومة عن حاضنتها الاجتماعية، بل أيضًا لتصفية هذه الحاضنة، وتحويل الصراع من مواجهة حتمية بين مستعمِر ومستعمَر إلى نزاع داخلي حول شرعية السلاح ووجود الحواضن.

هذا الجدل، ونقل مركز الثقل إلى السلاح بدل احتلال الأرض، لا يخدمان العدو فقط عبر التعمية على التناقض الرئيسي وتحويله إلى تناقضات ثانوية واهية، بل وقدرة النخبة على إعادة إنتاج سلطتها ومصالحها أيضًا. وعندما يتبنى خطاب الحملات المعادية للمقاومة مقولات مثل الحياد، أو كلفة المقاومة، فإنه يعمل بوضوح كامتداد غير مباشر لأجهزة الدولة الصهيونية القمعية والأيديولوجية ويتماهى معها تمامًا. فالكيان الصهيوني لا يتحرك عسكريًا فحسب، بل يعمل أيضًا لفرض شروط معرفية وثقافية لتطبيع وجوده واحتلاله وجرائمه، فيما الخطاب المعادي للمقاومة يعمل على إعطاء شرعية لهذه الشروط عبر تصوير الفعل المقاوم وكأنه مغامرة أو سبب وأصل الأزمة، وليس الرد الحتمي عليها («حروب الآخرين على أرضنا» هي بالضبط نقط نقاش صهيونية أساسية).

أمّا التذاكي في نقد المقاومة بذريعة تجنب الدمار، فلا يعكس إلا جهلًا بنيويًا وتاريخيًا بطبيعة الكيان الصهيوني، وأيضًا بطبيعة الرأسمالية المتأخرة في صيغتها الكولونيالية. فالتدمير والتبعيّة هما شروط بنيوية ثابتة وجوهرانية يفرضها الكيان الصهيوني والحلف الإمبريالي، سواء قاومه الفلسطينيون واللبنانيون (والعرب عمومًا) أو استسلموا له. بهذا المعنى، ووفق هذا المنطق، تصبح المقاومة، بعكس السلطة والنخبة، الخيار التاريخي الوحيد، والقوة والآلية الوحيدة التي لا تتحرك ضمن السقف الذي يحدده النظام الدولي الإمبريالي، بل تسعى فعليًا إلى هدم هذا السقف. لهذا بالضبط، يجب أن يبدو، لأنه كذلك، كل خطاب يعمل على تقويض هذه الممارسة، تحت أي مسمى (الواقعية، التعب، الخراب)، كخيانة معرفية وسياسية ووطنية. فمطالبة الضحية بتفكيك أداة دفاعها الوحيدة عن الوجود، خصوصًا في أشد لحظات تغوّل العدوان، تجعل من كل مَن يهاجم المقاومة شريكًا عضويًا لآلة الحرب الصهيونية وسعيها لإحكام قبضتها على المنطقة.

خاتمة: من هو الوطني الحقيقي؟

لا تتحدد الفكرة الوطنية، وفكرة الوطن، بالشعارات الأيديولوجية المجردة التي ترفعها السلطة عادة، بل يجب أن تُفهم بوصفها نتاجًا للممارسات المادية المحلية الحقيقية التي تربط المواطن بأرضه ووجوده وشروط إعادة إنتاجها اليومي. ولأن المقاومة في لبنان ليست عنصرًا طارئًا جرى إسقاطه من الخارج، فهي تمثّل التعبير البنيوي الأعمق عن لبنانية الأرض والعمل. في الحقيقة لا يوجد شيء آخر راهنًا، غير المقاومة وبيئتها ومناصريها وثقافتها، يمكن وصفه فعلًا وحقًا وجوهريًا باللبناني والوطني. فالمقاومة وليدة التناقضات المادية التي عاشها ويعيشها باستمرار الفلاحون والعمال والكادحون والفقراء في كل لبنان، ولكن خصوصًا في الجنوب والبقاع والضاحية، وشكّلوا تاريخيًا قطاع المحرومين في التشكيلة الاجتماعية اللبنانية.

تكتسب المقاومة، إذًا، لبنانيتها ووطنيتها الجذرية من كونها تمثّل قوة الدفاع (الوحيدة حقًا) عن المجال الحيوي لشروط الوجود ذاته، للإنتاج/العمل وحتى الحياة، ضد التهديد الصهيوني المستمر لاحتلال الأرض ونهب الثروات المائية والنفطية للبنان وتدمير العمران وقتل الناس. ودماء المقاومين وتضحيات بيئتهم وتشبثهم بالأرض ودفاعهم عنها هي الممارسة المادية الحقيقية الوحيدة التي تمنح الهوية الوطنية اللبنانية مضمونًا حقيقيًا وملموسًا، بدل أن تبقى مجرد فولكلور برجوازي معزول، بل وتحولها إلى فعل تحرر وطني مرتبط عضويًا بوجود المجتمع وشروط بقائه.

لهذا بالضبط، لم تعد السلطة السياسية الراهنة في لبنان مجرد سلطة عاجزة أو ضعيفة أو تعبانة، كما يردّدون. بل تحوّلت فعليًا إلى عقبة بنيوية تعيق قدرة لبنان على ممارسة حقه التاريخي في الدفاع عن وجوده. فالتركيبة الطائفية والريعية للسلطة مشروطة وجوديًا ووظيفيًا بالاندماج الكلي في المنظومة الرأسمالية من موقع طرفي/هامشي تابع، ووفق متطلبات مصلحة النظام الإمبريالي العالمي. وبالتالي فإنّ بقاءها على هذا الشكل يمثّل استمرارًا لآلية الاستلاب الذاتي وتأكيدًا مستمرًا لتبعية الدولة لمحور العدوان الصهيوني. فلا يمكن مواجهة بنية استعمارية كلية وشاملة ومتوحّشة إلى هذا الحد بأجهزة دولة أيديولوجية مهترئة ومستسلمة معرفيًا وسياسيًا، وبنخبة ترى مصلحتها الفعلية في العدوان على بلدها.

المقاومة ليست، إذًا، ولم تكن أبدًا، مجرد أداة عسكرية لردع العدو، بل هي أكثر بكثير. المقاومة، أيضًا، من ضمن أشياء كثيرة، الأفق المعرفي والعملي الذي يتيح للبنان، كل لبنان، التحرر من شروط استلابه التاريخي. لهذا، فالانحياز المطلق إلى المقاومة، بلا أي تلعثم أو لكن، هو السبيل الوحيد لكسر حلقة التبعية والاضطهاد الكولونيالي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد