زينب عوض (صحيفة الأخبار)
أمس لم يحتج سكان الضاحية الجنوبية لبيروت لتجدّد الغارات والقصف الإسرائيلي كي يعيشوا مشهد الحرب من جديد. كان التهديد وحده كافياً لإعادة فتح الذاكرة القريبة: عائلات تجمع أوراقها وأدوية كبارها وثياب أطفالها على عجل، طلاب عالقون بين الامتحانات والخوف، مرضى يخرجون من المستشفيات إلى زحمة النزوح، وشوارع تختنق بسيارات لا تعرف وجهتها النهائية. هكذا تحوّل يوم أمس، بعد تداول وسائل إعلام العدو بمعلومات عن تهديد الضاحية الجنوبية بالإخلاء تمهيداً لاستهدافها، إلى يوم طويل من القلق والانتظار، في منطقة لم تكد تلتقط أنفاسها منذ بداية الحرب.
في ساعات قليلة، عادت الضاحية إلى مشهد بات مألوفاً على نحو مؤلم. عند المداخل والمخارج، تكدست السيارات، وارتفعت وتيرة الاتصالات بين الأهالي، فيما بدأت محال تجارية تقفل أبوابها تباعاً، خصوصاً في الأحياء التي شعر سكانها بأنها قد تكون ضمن دائرة الخطر. كثيرون لم ينتظروا صدور إنذار رسمي أو اتضاح حقيقة ما يجري؛ غادروا بيوتهم سريعاً، مدفوعين بتجربة سابقة علّمتهم أن دقائق قليلة قد تصنع الفارق بين النجاة والوقوع في قلب الاستهداف.
جاء ذلك على الرغم من ما يعرف بـ«الهدنة الممدّدة» منذ 17 نيسان الماضي حتى مطلع تموز المقبل، وعشية جولة مفاوضات جديدة مرتقبة بين بيروت وتل أبيب في واشنطن برعاية أميركية. لكن بالنسبة إلى السكان، لم يكن المشهد سياسياً أو تفاوضياً بقدر ما كان سؤالاً مباشراً عن السلامة: هل نبقى في منازلنا أم نغادر الآن؟
في حيّ السلم، تلقت زينب إسماعيل خبر التهديد وهي في منزلها. لم تتردد طويلاً قبل أن تجمع أبناءها الثلاثة وتتوجه نحو خلدة، إلى مجمع «دوحة المبرات التربوي»، حيث كانت قد نزحت سابقاً خلال الحرب. تقول: «أخذت أولادي فوراً، لكننا علقنا في زحمة السير نحو ثلاث ساعات قبل أن نتمكن من الوصول». وبينما كان اثنان من أبنائها في المدرسة، وجدت نفسها تعيش مجدداً تفاصيل نزوح ظنّت أنها باتت خلفها.
لم يكن حيّ السلم استثناءً. فقد شهدت الطرقات الرئيسية في الضاحية ازدحاماً خانقاً امتد لساعات، بعدما اندفع آلاف السكان في وقت متقارب نحو مناطق اعتبروها أكثر أمناً. بعضهم قصد منازل أقارب، وآخرون عادوا إلى أماكن نزحوا إليها سابقاً، كأن الذاكرة رتّبت مسبقاً خريطة الهرب.
من منطقة الليلكي، غادرت ريم صبرا منزلها متجهة إلى منزل جدها. تروي أن الطرق المؤدية إلى بيروت كانت شبه مشلولة بفعل حركة النزوح الكثيفة: «جرّبنا أكثر من طريق حتى نتمكن من الوصول، لأن معظم الناس كانوا يغادرون الضاحية في الوقت نفسه». ريم، التي نزحت برفقة فردين من عائلتها، وجدت نفسها مرة أخرى أمام خيارين لا ثالث لهما: النزوح أو البقاء تحت احتمال الخطر.
ولم يكن الطلاب بمنأى عن الارتباك. زينب غانم كانت في الجامعة عندما وصل التحذير. في ذلك الوقت، غادر أهلها منزلهم في حيّ السلم باتجاه الحازمية، فيما بقيت هي داخل الحرم الجامعي بعد أن أصرّت الإدارة على استكمال الامتحان. تقول: «انتهى الامتحان، لكن والدي لم يتمكن من الوصول إليّ بسبب الزحمة. بقيت في الجامعة حتى الخامسة مساءً قبل أن ينجح في الحضور واصطحابي». أما والدها ووالدتها وشقيقتها، فأمضوا نحو ساعتين عالقين في الطرقات قبل الوصول إلى مكان آمن.
التهديد لم يربك المنازل والمدارس والجامعات فقط، بل وصل أثره إلى المستشفيات. سيرين خريزات كانت تتابع أخبار التهديد منذ ساعات الصباح الأولى، فيما كان والدها يخضع لجلسة غسيل كلى في مستشفى بهمن. تقول: «بدأنا نجمع أغراضنا بسرعة، والمحلات في حارة حريك كانت تقفل أبوابها تباعاً، حتى الحركة في الشوارع تراجعت بشكل ملحوظ». وبعد انتهاء جلسة والدها، انطلقت العائلة نحو منزل أحد الأقارب في بعبدا، لكنها علقت لساعات في زحمة خانقة عند دوار الجندولين ومنطقة بير حسن. تضيف: «كل الحي تقريباً اضطر إلى إخلاء منازله، وكأن المشهد يعيد نفسه من جديد».
في المقابل، تمكنت عائلات أخرى من المغادرة بوتيرة أسرع. علي فرحات غادر برج البراجنة مع سبعة أفراد من عائلته، بينهم طفل صغير، متجهاً إلى البساتين. وبرغم التوتر الذي رافق الساعات الأولى، كانت طريق المطار أقل ازدحاماً مقارنة بغيرها، ما سمح للعائلة بالوصول بسرعة نسبية.
أما محمد حمادة، فغادر منطقة الأجنحة الخمسة برفقة والدته وشقيقيه نحو خلدة، بعدما تلقى اتصالات من أقاربه تحذّره من احتمال استهداف الضاحية. يقول: «خرجنا لنرى كيف ستتطور الأمور، وبقينا نحو ساعتين على الطريق قبل أن نصل إلى منزل أصدقاء للعائلة».
بين رواية وأخرى، يتكرر المشهد نفسه: عائلات لا تريد النزوح لكنها لا تملك ترف البقاء، وأحياء تعيش على وقع تهديد قد يتحول في أي لحظة إلى قصف، وناس يختبرون معنى أن يصبح البيت مكاناً غير مضمون. لم يكن ما جرى أمس نزوحاً كاملاً بقدر ما كان إخلاءً تحت الضغط، لكنه كشف هشاشة الحياة اليومية في الضاحية، حيث يكفي خبر عاجل أو تهديد متداول كي تتعطل المدارس، وتغلق المحال، وتخلو الشوارع، وتعود آلاف العائلات إلى السؤال نفسه: إلى أين نذهب هذه المرة؟