الهرب من نار الحرب إلى جحيم الإيجارات: النازحون أمام تهجيرٍ ثانٍ

post-img

زينب الموسوي (صحيفة الأخبار)

بعد 3 أشهر على الحرب، لم تعد معاناة النازحين تقتصر على الخوف من القصف أو مرارة فقدان المنازل والأرزاق والأرواح، بل تمدّدت إلى أزمة جديدة فرضتها الإقامة الطويلة خارج البيوت. فمع دخول النزوح شهره الرابع، وجد آلاف النازحين أنفسهم أمام استحقاقٍ لم يكن في الحسبان، يتمثّل في تجديد عقود الإيجار في المناطق التي لجأوا إليها هرباً من الحرب. غير أنّ التجديد لم يأتِ دائماً بالشروط نفسها، فقد استغلّ بعض أصحاب الشقق حاجة العائلات الماسّة للمأوى، فارضين زيادات جديدة على الإيجارات وصلت نسبتها في بعض الحالات إلى 500%، في مشهدٍ رأى فيه كثيرون استغلالاً مباشراً لمعاناة الناس وظروفهم القسرية.

فالنازح الذي لا يملك ترف الخيارات، بات أمام معادلة قاسية، إمّا القبول ببدلات إيجار أعلى تفوق قدرته المادية، ووصلت في بعض الأحيان إلى 4500 دولار شهرياً، وإمّا خسارة السقف الذي يؤويه، لصالح مستأجرين آخرين مستعدّين لدفع أي ثمن مقابل مكانٍ آمن، ولو مؤقتاً.

هذا الواقع يدفع عدداً كبيراً من النازحين إلى اتخاذ قرار العودة، ولو بحذر، إلى بلداتهم ومناطق سكنهم الأصلية في الجنوب والضاحية والبقاع، أو إلى منازل أقاربهم، بحثاً عن بدائل أقل كلفة. ولكن سقوط ما يعرف بـ«الهدنة» دفع بعض العائلات لإعادة التفكير بالعودة المؤقتة، ريثما تجد حلولاً سكنية أكثر استقراراً وبأسعار يمكن احتمالها. فيما قرّر آخرون عدم النزوح مجدداً أصلاً، انطلاقاً من قناعة باتت تتكرّر على ألسنتهم: «الحياة بعزّ أهون من حياة بذلّ».

لكن قرار «العودة القسرية»، فرضته أسباب اقتصادية قاهرة. فهناك من استنزف مدّخراته بالكامل في عقد الإيجار الأول، على أمل ألّا تطول الحرب، وهناك من اضطر إلى بيع ما يمتلك من ذهب أو ممتلكات، كسيارته الخاصة، لتأمين كلفة النزوح. على سبيل المثال جعفر، النازح من البقاع، باع سيارته في الشهر الأول من الحرب، واستخدم ثمنها لـ«نستطيع أن نستأجر بيتاً يؤوينا، والباقي لدفع ما يتوجب علينا لتأمين معيشتنا»، ولكن الحرب طالت، والمبلغ نفد، ولم تعد الإمكانات المادية تسمح بتجديد عقد الإيجار، ما اضطرهم إلى العودة إلى البقاع.

وهناك أيضاً من خسروا وظائفهم أو مصادر دخلهم خلال الحرب، مثل حسن الذي عاد إلى الصفير بعدما فقد مصدر دخله، ولم يعد قادراً على دفع إيجار منزل النزوح. فيما وجد كثيرون أنفسهم مضطرين إلى دفع إيجارين بدل واحد: إيجار منزلهم الأساسي الذي لم يغادروه رسمياً، وإيجار مكان النزوح. هنا تقول روان «لا يمكنني ترك منزلي في الضاحية، ففيه ممتلكاتي وإليه سأعود، وصاحب الملك يعتاش من إيجار هذا المنزل، وعندما لم يعد في إمكاني دفع الإيجارين سوياً، لأن كل ما ادخرته في مدة الهدنة لمثل هذه الأوضاع، نفد في الأشهر الثلاثة الأولى، تركت منزل النزوح وعدت إلى الضاحية».

ومع اتساع رقعة الاستهداف وأوامر الإخلاء في الجنوب، وجد كثيرون أنفسهم أمام نزوحٍ جديد إلى مناطق أبعد وأكثر كلفة. مروى، على سبيل المثال، اضطرت إلى الانتقال نحو بيروت، حيث باتت تدفع بدل إيجار يبلغ 800 دولار شهرياً، أي ضعف ما كانت تدفعه تقريباً مقابل منزلها المُستأجر في الجنوب، والذي لم تتجاوز كلفة إيجاره 400 دولار. بالنسبة إليها، لم يكن النزوح انتقالاً جغرافياً وروحياً فحسب، بل انتقالاً قسرياً إلى نمط حياة أكثر هشاشة وأعلى كلفة.

هذه الضغوط المالية دفعت كثيرين إلى ترك أماكن نزوحهم والعودة إلى بيوتهم، أو إلى المناطق المشمولة بما يسمى «هدنة»، لا لأن العودة آمنة، بل لأن دفع هذه المبالغ الطائلة للإيجارات لم يعد ممكناً.

ولكن، وبعد ثلاثة أشهر من الحرب، فُرضت على النازحين الذين أرادوا تجديد عقود إيجاراتهم معضلة جديدة. علي، أحد النازحين، استأجر في بداية الحرب منزلاً مقابل 400 دولار شهرياً، عدا الخدمات. لكن عند موعد تجديد العقد لثلاثة أشهر إضافية، فوجئ بزيادة قدرها 200 دولار، مع إنذار ضمني بخسارة المنزل إن لم يقبل بالشروط الجديدة. يروي علي أنّ المالك برّر الزيادة بكونه «ليس مستأجراً دائماً، والطلب على الإيجارات كبير».

وعلى الضفة الأخرى من الأزمة، كانت عائلة عايدة قد استأجرت «شاليه» مقابل 1500 دولار شهرياً، قبل أن يصدمها المالك بطلب رفع الإيجار إلى 4500 دولار، مبرّراً ذلك بـ«الموسم الصيفي السياحي». لم تجد العائلة خياراً سوى العودة إلى صور بحثاً عن بديل أقل كلفة، لكن تجدّد القصف هناك دفعها مجدداً إلى النزوح نحو الضاحية، حيث لا تزال تبحث عن سقف يؤويها بسعر معقول. وهذا ما حدث مع عدد كبير من النازحين إلى «مناطق سياحية»، واستأجروا شاليهات أو غرفاً في فنادق، الذين وجدوا أنفسهم، بسبب حلول «الموسم السياحي في الضفة الأخرى من البلد»، أمام ارتفاعات هائلة في أسعار الإيجارات، وبين خيارين، إما الموافقة، أو العودة إلى قراهم وبلداتهم، أو السكن عند أقارب، ريثما وجدوا بدائل. إنعام، التي فرض عليها صاحب الأوتيل زيادة بنسبة 5 أضعاف، من 1200 إلى 6000 دولار شهرياً، وجدت نفسها بلا مأوى، إذ بيتها في الجنوب دُمّر، ولا إمكانات مادية لديها لدفع مثل هذا المبلغ، ما اضطرها إلى اللجوء إلى بيت أحد أقاربها في الشياح ريثما تجد بديلاً.

ولم تقتصر موجة رفع الإيجارات على النازحين اللبنانيين فقط، بل طالت بعض العائلات السورية المقيمة أيضاً. سعاد، وهي سورية تقيم في مسكن متواضع تصفه بـ«الخربة»، تقول إن المالكة رفعت عليها بدل الإيجار من 250 إلى 400 دولار، مهددةً إياها بإخراجها من المنزل إذا لم توافق على الزيادة. وتضيف أنّ المالكة برّرت الأمر بأن «الجنوبيين يدفعون أكثر مقابل أي سقف يحميهم»، في مشهد يكشف كيف تحوّلت الحرب، بالنسبة إلى البعض، إلى فرصة لمضاعفة الأرباح على حساب الفئة الأكثر هشاشة.

100 دولار رسم معاينة المنزل

لم تعد معاناة الباحثين عن سكن تقتصر على الارتفاع الجنوني في بدلات الإيجار أو محدودية الخيارات المتاحة، بل تمدّدت إلى ظاهرة جديدة تتمثل بفرض بعض السماسرة مبالغ مالية مسبقة على الراغبين في استئجار شقق، مقابل السماح لهم بمشاهدتها فقط، من دون أي ضمانة بالاستئجار أو حتى الإعجاب بالعقار.

ففي ظل أزمة السكن المتفاقمة وازدياد الطلب على الشقق، بات بعض السماسرة يفرضون رسوماً تتراوح بين 50 و100 دولار أميركي لمجرّد «المعاينة»، تُدفع سلفاً قبل تحديد موعد الزيارة، كشرط أساسي لرؤية الشقة من الداخل، بغضّ النظر عمّا إذا كان الشخص سيقرر استئجارها لاحقاً أم لا.

محمد أحد الباحثين عن منزل للإيجار، يروي تجربته قائلاً إنه اضطر إلى دفع 50 دولاراً لسمسار قبل أن يتمكن من رؤية شقة سكنية. وبعد المعاينة، تبيّن أن الشقة لا تناسب احتياجاته، لكن المبلغ المدفوع لم يكن قابلاً للاسترداد. يقول: «دفعت فقط حتى أتمكن من الدخول ورؤية المكان، ثم اكتشفت أنها لا تناسبني إطلاقاً».

أما فاطمة، فقد دفعت 100 دولار مقدّماً لمعاينة شقة قيل لها إنها «فرصة ممتازة، بسرعة قبل أن تفوتك الفرصة»، قبل أن تُفاجأ بأن مواصفاتها تختلف عمّا عُرض عليها هاتفياً. ورغم اعتراضها، لم تتمكن من استعادة المبلغ.

وتثير هذه الممارسات استياءً واسعاً بين الباحثين عن سكن، الذين يعتبرونها شكلاً من أشكال الاستغلال في ظل الضائقة الاقتصادية، مطالبين بوضع ضوابط تحدّ من الفوضى المتزايدة في سوق الإيجارات.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد