زينب بزي (صحيفة الأخبار)
في وقت تتكرّر فيه ادّعاءات سياسية وإعلامية بأنّ غالبية اللبنانيين تؤيّد نزع سلاح حزب الله بالقوة أو تميل إلى التطبيع مع العدو الإسرائيلي، جاءت نتائج استطلاع رأي شمل 5000 لبناني لتكشف صورة أكثر تعقيداً وأعمق دلالة مما تروّج له هذه الادّعاءات. فبحسب نتائج الاستطلاع، تبيّن أنّ الأغلبية لا تميل إلى نزع السلاح بالقوة، بل إلى تنظيمه وربطه بالدولة عبر صيغ مختلفة، فيما يبقى رفض التطبيع هو الموقف الأكثر رسوخاً على المستوى الوطني.
أُجري الاستطلاع بإشراف الكاتب والباحث السياسي عباس المعلم عبر مجموعة «Mouallem News»، وشمل 5000 مُستطلَع موزّعين وفق لوائح الشطب الانتخابية، بينهم 1666 مسيحياً و3334 مسلماً، بهدف قياس اتجاهات الرأي العام اللبناني حيال ملفَّيْ سلاح حزب الله والعلاقة مع إسرائيل. وقد أعدّه فريق من 50 شاباً وشابة من طلاب الجامعات والإعلاميين، يمثّلون مختلف الطوائف والتيارات السياسية اللبنانية.
سلاح حزب الله: التنظيم يتقدّم على النزع بالقوة
أظهرت النتائج على المستوى الوطني أن 42% من اللبنانيين يؤيّدون تنظيم السلاح ضمن استراتيجية دفاعية وطنية أو حصره تدريجياً تحت سلطة الدولة، في مقابل 38.93% يؤيّدون إبقاءه على حاله، فيما لا تتجاوز نسبة المؤيّدين لنزعه بالقوة 8.56%، ما يشير إلى أن الاتجاه الوطني العام يميل إلى الدمج والتنظيم تحت سلطة الدولة أكثر من المواجهة.
على مستوى العينة المسيحية البالغة 1666 مشاركاً، تُظهرِ النتائج أن الاتجاه الغالب لا يميل إلى الإبقاء على السلاح بصيغته الحالية ولا إلى نزعه بالقوة، بل إلى تنظيمه وربطه بالدولة عبر صيغ مختلفة. فبعد جمع نتائج الطوائف المسيحية كافة، تبيّن أن 78.6% يؤيّدون معالجة ملف السلاح من خلال الحصر أو التنظيم أو الاستراتيجية الدفاعية أو النزع، مقابل 5.45% فقط يؤيّدون بقاءه كما هو. وتشير النتائج إلى أن الخيارات الأكثر حضوراً تتمثّل في الحصر المُنظِّم للسلاح (23.4%)، والنزع الكامل (20.75%)، والاستراتيجية الدفاعية (14.85%)، فيما أيّد 9.15% الإبقاء عليه مرحلياً بانتظار تعزيز قدرات الجيش. وتخلص الدراسة إلى أن المزاج المسيحي العام يميل إلى دمج السلاح تحت سلطة الدولة أو تنظيمه أكثر مما يميل إلى الإبقاء عليه بصيغته الراهنة.
أمّا على المستوى الإسلامي، فأظهرت النتائج تبايناً بين الطوائف حول مستقبل السلاح. ففي البيئة السنية، تصدّر خيار حصر السلاح ضمن استراتيجية دفاعية وطنية ضد إسرائيل بنسبة 40%، مقابل 33% أيّدوا بقاء السلاح ضمن إطار مقاومة وطنية شاملة. أمّا في البيئة الشيعية، فقد أيّدت غالبية المُستطلَعين الشيعة (80%) بقاء السلاح كما هو، سواء لأغراض المقاومة (71%) أو لأسباب عقائدية (9%)، فيما أيّدت أقلية إدماجه ضمن استراتيجية دفاعية أو الحصر التدريجي بالحوار. ولدى الدروز، برز خيار حصر السلاح ضمن استراتيجية دفاع وطنية كالاتجاه الغالب بنسبة 60%، فيما سجّل العلويون والطوائف الأخرى أعلى نسبة تأييد لبقاء السلاح بصيغته الحالية بلغت 86%.
وبصورة عامة، تُظهِر النتائج أن المزاج الإسلامي يميل إلى خيارين أساسيين: بقاء السلاح ضمن دوره المقاوم أو حصره ضمن استراتيجية دفاعية وطنية، فيما يبقى خيار نزع السلاح بالقوة محدود التأييد داخل مختلف الطوائف الإسلامية.
التطبيع مع إسرائيل: رفض غالب وانقسام حول بدائل العلاقة
أمّا في الشق الثاني من الاستطلاع، والمتعلّق بالتطبيع مع إسرائيل، فقد أظهرت النتائج تبايناً واضحاً في مقاربة العلاقة مع إسرائيل بين الطوائف اللبنانية، وإن بقي الرفض الكامل للتطبيع هو الموقف الأكثر حضوراً على المستوى الوطني. وبحسب النتائج العامة، رفض 54.86% من اللبنانيين التطبيع بشكل كامل، مقابل 45.14% أيّدوا أحد أشكال تنظيم العلاقة، سواء عبر اتفاق الهدنة أو مبادرة بيروت 2002 أو صيغ أخرى مشروطة.
أمّا على المستوى المسيحي، فأظهرت النتائج تبايناً في مقاربة العلاقة مع إسرائيل، وإن كان الاتجاه الغالب يميل إلى أحد أشكال تنظيم العلاقة أكثر من الرفض المطلق. ففي البيئة المارونية، تصدّر خيار تطبيق اتفاق الهدنة دون تطبيع بنسبة 30%، تلاه التطبيع الشامل بنسبة 28%. أمّا لدى الروم الأرثوذكس، فكان رفض التطبيع الخيار الأول بنسبة 40%، مقابل 30% أيّدوا التطبيع المحدود. وفي البيئة الأرمنية، برزت مبادرة بيروت 2002 كخيار مهيمن بنسبة 56%، فيما توزّعت بقية الآراء بين اتفاق الهدنة والتطبيع الكامل ورفض التطبيع. أمّا الكاثوليك والطوائف المسيحية الأخرى، فقد أيّدت الغالبية مبادرة بيروت 2002 بنسبة 43%، مقابل 28% أيّدوا التطبيع الشامل.
وبصورة عامة، تُظهِر النتائج أنّ نحو 86% من المسيحيين يؤيّدون أحد أشكال تنظيم العلاقة مع العدو الإسرائيلي، فيما بقيت نسبة الرافضين للتطبيع عند حدود 13.8%.
أمّا على المستوى الإسلامي، فقد أظهرت النتائج ميلاً واضحاً إلى رفض التطبيع، مع تباينات في مقاربة العلاقة مع العدو بين الطوائف. ففي البيئة السنية، تصدّر رفض التطبيع المُطلق بنسبة 54%، مقابل 25% أيّدوا السلام وفق مبادرة بيروت 2002. أمّا في البيئة الشيعية، فكان رفض التطبيع الخيار الغالب بنسبة 94%. ولدى الدروز، برزت مبادرة بيروت 2002 كخيار أول بنسبة 45% فيما رفض 25% التطبيع. أمّا لدى العلويين والطوائف الأخرى، فقد سجّل رفض التطبيع المُطلق أعلى نسبة بلغت 84%.
وبصورة عامة، تُظهِر النتائج أنّ المزاج الإسلامي يميل بصورة واضحة إلى رفض التطبيع مع إسرائيل، مع وجود تباينات حول أشكال التسوية الممكنة، ولا سيما بين مؤيّدي مبادرة بيروت 2002 ومؤيّدي اتفاق الهدنة.
وتخلص نتائج الاستطلاع إلى أن اللبنانيين لا يتقاسمون المواقف نفسها حيال سلاح حزب الله أو العلاقة مع إسرائيل، إلا أن الاتجاهات الغالبة لا تتطابق مع الصورة التي تُرسم أحياناً في السجالات السياسية والإعلامية. فبينما يميل القسم الأكبر من المُستطلَعين إلى تنظيم ملف السلاح أكثر من تأييد نزعه بالقوة، يبقى رفض التطبيع الموقف الأكثر حضوراً على المستوى الوطني، رغم وجود تباينات واسعة بين الطوائف حول أشكال التسوية الممكنة وحدودها.