بجمعه شهادات حيّة لجنود وضباط إسرائيليين، مشاركين في حرب غزة، يتحولّ الوثائقي البريطاني "كسر الصفوف: من داخل الحرب الإسرائيلية" (Breaking Ranks: Inside Israel’s War، إنتاج 2025)، لبنجامن زاند، إلى وثيقة إدانة لإسرائيل، ولمؤسّستيها السياسية والعسكرية، التي لم تكتف بالقتل والانتقام، بل ارتكبت جرائم حرب شنيعة، شهادات هؤلاء في الوثائقي تبيّنها بجلاء، ويضفي قبول بعضهم بالظهور باسمه ووجهه مصداقية أكبر عليها، وتجعل الفيلم أحد أصدق ما أنجز إلى الآن عن حرب غزة وفظائعها، في ظل تعتيم إعلامي متعمّد لما حصل فعليًا على الأرض.
لا يخفي بعض الجنود تردّده في الحديث أمام وسائل الإعلام، والمجند يوفال بن آري أحدهم، خوفًا من اتهامه بالخيانة. لكنه ومعه آخرون قرّروا البوح بما عاشوه وشاهدوه بعيونهم، لشعورهم بالخزي والعار من الأفعال التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في القطاع بحق المدنيين الفلسطينيين الأبرياء.
الصورة الفوتوغرافية التي تجمع بين غزة قبل الحرب وغزة بعدها، المتحوّلة إلى خرائب بعد تسوية بناياتها بالأرض كأن قنابل نووية سقطت فوقها ـ تصلح مُفتتحًا لوثائقي يريد كشف حجم الدمار الذي أحدثه الجيش الإسرائيلي بالمدينة وسكانها، والمخفي تحت الركام من ممارسات فظيعة، أولها الإصرار على قتل المدنيين، ومعاملتهم جميعًا بصفتهم "إرهابيين".
شهادة المجند يوفال تركز قبل كل شيء على الصورة التي رسختها المؤسسة السياسية للجندي الإسرائيلي، بجعله "بطلًا" يدافع عن وجود الآخرين، ويضحي بنفسه من أجلهم؛ وأيضًا لدور الدعاية الممنهجة ضد العرب والفلسطينيين. شهادة طيار حربي خدم 300 يوم في حرب غزة تؤكد ذلك. يقول: "قواعد اللعبة بالنسبة إلى إسرائيل اختلفت بعد 7 أكتوبر. صار قتل المدنيين وتدمير كل شيء مباحًا للجنود، وأعطيَ للجيش الإسرائيلي الحق بإطلاق النار على كل من يحمل "وسائل خطرة"، يمكن أن تسبّب له ضررًا".
المفارقة المؤلمة، التي تنقلها غالبية المشاركين في الوثائقي، تقول إن تعبير "وسائل خطرة" لم يعد موجودًا في غزة، فكل شيء يتحرك فيها يعتبرونه خطرًا على الجنود، لذا يحقّ لهم قتله. ينقل الوثائقي بالرسوم المتحركة مشهدًا لصبي يمرّ قرب الخط الفاصل الوهمي، فيأمر ضابط الوحدة بإطلاق النار عليه. في مرة أخرى، يطلق الجنود الرصاص على مراهِقَين يدفعان عربة خشبية. عبارة ساخرة قالها الجندي إيلي للوثائقي تلخّص تلك المشاهد المؤلمة: "إذا مرّ الفلسطيني سريعًا أمام الخطوط الحمراء، هذا خطؤه، وعليه دفع ثمنه. وإذا مرّ بطيئًا، فهذا أيضًا خطؤه". في الحالتين، يكون الموت نصيب الفلسطيني، ينفّذه الجنود من دون شعور بالذنب. شهادة الضابط دانييل، حول منهجية تدمير منازل الغزييّن، تثير الحزن. ينقل الوثائقي بالرسوم والتخطيطات مشهد رجل فلسطيني ينشر غسيله على سطح بناية. يقرّر الضابط أنه مسلح، وأنه "دليل سري" لـ"حماس". ورغم تأكيد الجنود الذين حوله أنه لا يحمل ناظورًا ولا سلاحًا، يأمر الضابط بهدم البناية على ساكنيها، لقتل الرجل الذي على سطحها.
تبيّن الشهادات أن الجيش الإسرائيلي عامل كل بناية عالية بصفتها هدفًا عسكريًا، لا بُد من إزالته. هكذا ينسف جنوده العمارات واحدة بعد أخرى، مصحوبة بفرحهم وابتهاجهم بما يفعلون. جنود من وحدات مختلفة طرحوا أسئلة محيرة على أنفسهم، أولها: ماذا نفعل نحن في غزة حقًا؟ نشر آخرون صورًا وتسجيلات لأعمالهم في القطاع على وسائل التواصل الاجتماعي للتباهي، وهذا زاد أسئلتهم وحيرتهم. تسجيلات تبيّن استهتار الجنود بأرواح الناس، وتحطيمهم الأجهزة الطبية في المستشفيات، وتدمير كل ما في المنازل التي يدخلونها، متخذين من بعضها مقرّات مؤقتة لهم. في شهادة الجندي إيتاي، يتّضح أن حرق البيوت صار ممارسة عادية للوحدة التي يخدم فيها. كان الجنود يقومون بهذا الفعل كأنهم يتسلون برؤية المنازل تحترق، ومعها يحترق كل شيء يشير إلى وجود بشر عاشوا يومًا فيها.
أحد أخطر خروق الجيش الإسرائيلي للقوانين الدولية يتمثّل في استخدام الفلسطينيين دروعًا بشرية لحماية الجنود. ينقل الوثائقي مشاهد، منفّذة بالرسوم المتحركة، عن إطلاق وحدات من الجيش الإسرائيلي على هذه الوسيلة اسم "وسيلة البعوضة": إجبار فلسطينيين على دخول الأنفاق، والتجوّل فيها للكشف عن الموجودين هناك عبر كاميرات تُربَط بأجسادهم، وتنقل إلى مراكز القيادة الصورة الدقيقة للنفق، وما/من يحتويه. شاع استخدام "البعوض" بين وحدات الجيش على نطاق واسع. يتوقف المجند يوفال عند الدعاية الرسمية، التي لا تنقل الصورة الحقيقية لما يجري من انتهاكات شنيعة في غزة، فيكتفي الناس بما تنشره وسائل الإعلام، خاصة التلفزيون، من أخبار تتستر على الوقائع الحاصلة فعليًا على الأرض.
مثلًا: النقل الإعلامي لما يجري في مراكز توزيع المساعدات الغذائية الدولية. عند أسوارها، سقط عشرات الفلسطينيين بنيران الجنود، المكلفين حماية الموظفين المشرفين على عملية التوزيع. من دون مبرر، وبدافع الخوف، يطلقون النار على الجياع. ورغم ذلك، تنشر وسائل الإعلام وقادة الحكومة معلومات كاذبة للحاصل هناك.
خطاب وزير الأمن وقتها يفسر حقيقة الأهداف الإسرائيلية في غزة، بإعلانه بنفسه أنه أعطى الأوامر بحصار غزة، ومنع عن الناس الكهرباء والماء والوقود، وأن كل شيء مباح لجنوده، "لأننا نحارب حيوانات بشرية"، كما قال.
يختم الوثائقي مساره، والذي كشف الفظائع وفضحها، بنقل مشاعر الجنود المشاركين فيه، وأكثرهم يلازمه الإحساس بالخزي والعار لما قام به. لذا، يقرر بعضهم التخلص من آثاره بالعمل الميداني على فضح أكاذيب الجيش، والمشاركة في مظاهرات تدعو إلى إسقاط نتنياهو وحكومته اليمينية. بينما يقرر آخرون ترك الجيش نهائيًا.