النصّ الرسمي للمُلحق الأمني: تدمير الجيش ولبنان مقابل «إعادة انتشار من أراضٍ لبنانية»

post-img

إبراهيم الأمين/جريدة الأخبار

جاء نشر العدو لمضمون المُلحق الأمني، الذي بقي سرّيًا حتى عن أعضاء الوفد العسكري اللبناني في واشنطن بمثابة إعلان عن استسلام لبنان. وحتى التسريبات التي أطلقتها السفيرة ندى معوض، وتضمّنت صياغات مُحوّرة، لم تكن كافية لاحتواء حجم الفضيحة. ومع وصول النسخة الرسمية للمُلحق، كما وقّعتها الولايات المتحدة وإسرائيل وممثّلو سلطة الوصاية في لبنان، تبيّنت ملامح أكبر خيانة في تاريخ لبنان.

لم يعد الأمر يتعلق بالموقف من مقاومة الاحتلال أو بالتغاضي عنها، بل بأن من وقّع على الاتفاق أعلن، عمليًا، أنه جزء من الحرب المفتوحة على شريحة واسعة من اللبنانيين، تحت عنوان حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة. والفضيحة الكبرى في حال مرّ الأمر من دون ردود فعل مناسبة، ليس فقط من القوى الرافضة أصلًا لأي تفاوض مباشر أو غير مباشر مع العدو، بل من الجهات التي دافعت عن خيار التفاوض، لكنها لا تستطيع القبول باتفاق على هذا القدر من الخضوع والذلّ والهوان. والأخطر من كل ذلك، أن صمت المعنيين، من مسؤولين عسكريين وأمنيين، ووزراء في الحكومة الحالية، وقيادات سياسية بارزة، سيفتح الباب أمام مشكلة كبيرة قد تقود البلاد الى حرب أهلية حقيقية، لأن ما يتضمّنه المُلحق الأمني الذي يُفترض أنه سرّي، لا يعدو كونه «وصفة» لحرب أهلية، لا أكثر ولا أقل.

لنبدأ بالجريمة الكبرى، وهي موافقة سلطة الوصاية على اتفاقية وآلية تنفيذ لا ترد فيهما، مطلقًا، كلمة «انسحاب» لقوات الاحتلال من الجنوب. وعندما حاول الرئيسان جوزف عون ونواف سلام التلاعب بالتعبير والقول بعدم وجود فرق بين إعادة الانتشار والانسحاب، كانا يعرفان الحقيقة ويدركان الفارق، وإذا كانا يعتبران أن الفارق غير ذي أهمية، فلماذا أصرّ العدو، بدعم أميركي، على رفض إدراج عبارة الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية في نص الاتفاق؟

تتّضح، وفق هذا المنطق، خطورة الاتفاق أكثر عند قراءة صياغة المُلحق الأمني، إذ تمنح إسرائيل لنفسها حق انتظار التحقّق من التزام لبنان بسلسلة طويلة من الشروط قبل أن تقرّر إعادة انتشار قواتها، لا الانسحاب منها، وفي «أراضٍ لبنانية» وليس من جميع الأراضي اللبنانية. وإذا كان عون وسلام لا يلتفتان إلى هذا الفارق في اللغة العربية، فإن النص الإنكليزي لا يترك مجالًا كبيرًا للالتباس، إلا إذا كانا يعلمان أصلًا أن إسرائيل لا تنوي الانسحاب الكامل، وهو ما يؤكّده قادة الاحتلال، السياسيون والعسكريون، الذين يكرّرون بوضوح: «سنبقى لفترة طويلة». وهي العبارة نفسها التي استخدمها قادة العدو في حديثهم عن مستقبل وجود قواتهم في غزة وجنوب سوريا، عندما أعلنوا أنهم أصدروا تعليمات إلى الجيش للاستعداد لـ«البقاء فترة طويلة» في تلك المناطق.

قبل مدة، ومع تسريب معلومات عن رغبة الولايات المتحدة في إدخال تعديلات على هيكلية الجيش اللبناني، أشارت المعطيات بوضوح إلى أن واشنطن تريد من قيادة الجيش إنشاء لواء خاص تكون مهمته محصورة بنزع سلاح حزب الله. يومها، أبلغت قيادة الجيش رئيس الجمهورية والقيادة العسكرية الأميركية رفضها لهذا الطرح، قبل أن يخرج رئيس الجمهورية لينفي وجوده. إلا أنه في الواقع لم يقل الحقيقة، وليست هذه المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك. فالمُلحق الأمني يشير بوضوح إلى هذه المسألة، عندما ينص على ضرورة تشكيل «قوة ذات كفاءة عالية» من الجيش اللبناني.

معلوم لمن يريد أن يفهم أن التصوّر الأميركي لهذه القوة، يقوم على آلية تبدأ بفرض عقوبات على كل ضابط أو عسكري تشتبه إسرائيل بأنه يتواصل مع حزب الله. والتواصل هنا، ليس الاتصال المباشر، بل يشمل حتى وجود أقرباء للعسكري في حزب الله، أو مشاركته في أي نشاط اجتماعي يحضره أحد من الحزب. ويريد الأميركيون استخدام هذه العقوبات مدخلًا لإقصاء أي ضابط أو عنصر عن هذه القوة، وفرض عقوبات على كل من يتواصل مع شخصيات مُدرَجة على لوائح العقوبات الأميركية، سواء من حزب الله أو حتى من حركة أمل. وهذا المسار بدأ عمليًا منذ فترة، عندما أبلغ الأميركيون، عبر قنواتهم الخاصة، عددًا من كبار الضباط بضرورة وقف التواصل مع المساعد الأمني لرئيس مجلس النواب نبيه بري، الحاج أحمد بعلبكي، بعد إدراجه على لائحة العقوبات الأميركية.

أمّا ما يحاول الرئيس عون وفريقه تجنّب الخوض فيه، فهو أن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) ستكون الجهة المشرفة على إنشاء هذه «القوة ذات الكفاءة العالية»، من خلال اختيار ضباطها وعناصرها وإخضاعهم لعمليات تدقيق وفحص، قبل إطلاق برنامج مستقل لتدريبهم وتسليحهم وتمويلهم. وكانت هذه النقطة محورًا أساسيًا في الاجتماع الذي جمع قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال براد كوبر بقائد الجيش العماد رودولف هيكل، الذي يُفترض بأنه أبلغ الجانب الأميركي أن تنفيذ هذا المُقترح من شأنه تدمير الجيش اللبناني، لا تعزيز قدراته.

يشير المُلحق الأمني أيضًا إلى أن عون وسلام وافقا عمليًا على إلغاء كل مندرجات القرار 1701، والتعامل مع اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 بوصفه اتفاقًا انتهى مفعوله. ويُعدّ القبول بآلية الميكانيزم الجديدة إعلانًا عمليًا عن هذا التحوّل، وهي خطوة مُخالِفة لأبسط قواعد العمل الدبلوماسي. لكن من يفرّط في الأرض وفي العباد، لا يعود سؤاله مهمًا عن مدى احترام القواعد القانونية.

إذا كان في لبنان من يريد الصمت عن هذه الجريمة، أو التسويق لمشروع خيانة مكتمل الأركان، عليه أن يفهم أن المُلحق الأمني، بنسخته الأساسية، يؤكّد أن الاحتلال لن ينسحب من لبنان إلا بعد إشعال السلطة اللبنانية حربًا أهلية شاملة في لبنان، كونها التزمت بتفكيك البنى الكاملة لحزب الله وليس سلاحه فقط، عدا تورّطها في وهم أن الجيش والقوى الأمنية سيقومون بمهمة نزع السلاح، إلى جانب بقية مؤسسات الدولة المعنية بتفكيك البنية الاجتماعية والتربوية والصحية الكشفية والإعلامية للمقاومة...

إنّها الخيانة، وليس هناك من تعبير أوضح!

ماذا حصل في جلسات واشنطن... وكيف أُبعِد الوفد العسكري؟

عادة، تبرَّر الوثائق السرّية بأسباب تتعلّق بالأمن القومي، عندما تتضمّن معلومات لا يجب إطلاع الجمهور عليها، ويُخشى أن يؤدّي كشفها إلى الإضرار بالمصلحة الوطنية أو بأحد أطرافها. في حالتنا، الوثيقة إطار لاتفاق أو تفاهم أو معاهدة، ويكتسب حساسية مضاعفة عندما يكون مع دولة عدوّة كإسرائيل. وفي مثل هذه الحالات، تنتفي مبرّرات السرّية، لأن ما يترتّب على الاتفاق لا يقتصر على السلطة التي وقّعته، بل يمسّ الدولة بأكملها وجميع المواطنين.

لكنْ، ثمّة سبب آخر يدفع السلطة إلى النشر أو إلى الحجب. في كيان الاحتلال، يُنظر إلى ما وُقِّع مع لبنان على أنه إنجاز كبير ومصدر فخر. لذلك، فإن نشر الوثائق لا يضرّ الكيان، بل يساعده في تسويق الإنجاز أمام جمهوره، ولا سيما في ظل التعثّر الكبير الذي يواجهه المشروع الإسرائيلي في المنطقة. ولهذا السبب أيضًا، يصبح مفهومًا إصرار السلطة في لبنان، رغم كل وقاحتها في التفاوض الضعيف والاستسلام لشروط العدو وراعيه الأميركي، على ممارسة أعلى درجات التكتّم. ولو كان الأمر بيدها، لَما وافقت أساسًا على احتفالية التوقيع في وزارة الخارجية الأميركية. لكنها، بعدما عجزت عن منع ذلك، حاولت إبقاء جزء من الاتفاق طي الكتمان. فطلب وفد سلطة الوصاية من الجانب الأميركي الامتناع عن نشر المُلحق الأمني الذي وُقِّع مع اتفاق الإطار، لمعرفته أنه يشكّل فضيحة كاملة، وخيانة موصوفة، خصوصًا أن المُلحق يُعدّ الآلية التنفيذية الفعلية لاتفاق الإطار.

لأن سلطة الوصاية ومن يعمل معها في واشنطن كانوا يدركون أن العدو سيسارع إلى الحديث عن المُلحق الأمني، لجأت سفيرة لبنان في واشنطن، ندى معوض، إلى إطلاق تسريبات لم تنكر وجوده، لكنها سعت إلى تسويق نسخة مُحوّرة عمّا وقّعت عليه. وهذا ما حصل فعلًا، حتى إن مسؤولين كبارًا في الدولة، لم يطّلعوا على النص الرسمي الذي كُتب بالإنكليزية ووقّعه السفيران اللبناني والإسرائيلي في واشنطن إلى جانب مسؤول في الخارجية الأميركية خلال مراسم إعلان الاتفاق في واشنطن.

كيف وصلنا إلى المُلحق الأمني؟

منذ انطلاق جولات التفاوض في الولايات المتحدة، أبلغ الجانب الأميركي اللبنانيين بضرورة مشاركة وفد عسكري يتولّى التفاوض على الآلية التنفيذية للاتفاق. وعندما حاول رئيس الجمهورية جوزيف عون والسفيرة معوض الاكتفاء بمشاركة المُلحق العسكري في السفارة اللبنانية في واشنطن، العميد أوليفر حاكمة، لفت الأميركيون إلى أن الأمر يتطلّب أكثر من مجرّد ممثّل عسكري. وفي حين لم يفهم الوفد اللبناني، من سيمون كرم إلى معوض، دلالة إشراك إسرائيل ضباطًا كبارًا من هيئة التخطيط الاستراتيجي في جيش الاحتلال ومن مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، شدّدت واشنطن على أن المفاوضات لن تستقيم من دون وفد من الجيش اللبناني، يضم ضباطًا مختصّين بتنفيذ اتفاق يتضمّن بنودًا عسكرية وأمنية تفصيلية.

في تلك الفترة، اندلع نقاش واسع في لبنان حول مشاركة الجيش في المفاوضات، وارتفعت أصوات تدعو إلى عدم زجّ المؤسسة العسكرية فيها، ومورست ضغوط على عدد من الضباط لثنيهم عن المشاركة، في مقابل ضغوط أميركية متواصلة على قيادة الجيش للدفع نحو انخراط كامل للمؤسسة العسكرية في الوفد المفاوض. وانتهى الأمر إلى تسوية اعتبرها الأميركيون مناسبة، قضت بأن يشكّل الجيش اللبناني وفدًا متخصّصًا يضم الضباط المعنيين بأي اتفاق ذي طابع عسكري، ووافق رئيس الجمهورية على فصل اجتماعات الوفد العسكري عن اجتماعات الوفد السياسي، ومُنح قائد الجيش العماد رودولف هيكل هامشًا واسعًا لوضع الضوابط السياسية والسلوكية والعسكرية التي تحكم أداء الضباط المشاركين.

سهّل ذلك على أعضاء الوفد العسكري الذهاب إلى واشنطن انطلاقًا من قناعة بأن مهمتهم هي التفاوض مع العدو بما يحفظ مصالح لبنان. لكنّ الاجتماع الأول انتهى بنتيجة سلبية، إذ أبلغ الأميركيون الرئيس عون أن وفد الجيش يسير في اتجاه مغاير لذلك الذي يعتمده وفد كرم - معوض، فيما قال الإسرائيليون إن الوفد العسكري يطرح ملاحظات واعتراضات ومُقترحات لا يمكن لإسرائيل القبول بها. وعندها تعهّد عون بمعالجة الأمر على طريقته.

في بيروت، كان رئيس الجمهورية يدير أكبر عملية تضليل إعلامي وسياسي، إذ أعلن تشكيل غرفة عمليات لمواكبة الوفد المفاوض، ضمّت سفراء وخبراء، ليتبيّن لاحقًا أن دور معظمهم اقتصر على «التدقيق اللغوي» في النصوص، وجمع الوفدين العسكري والسياسي في اجتماع موحّد في القصر الجمهوري، في خطوة عُدّت بداية لمسار دمج الوفدين. وخلال الاجتماع، حاول عون الإيحاء بأن مسؤوليات الوفد العسكري تختلف عن مسؤوليات الوفد السياسي، إلا أن الرسالة الفعلية كانت واضحة. وعندما توجّه الجميع إلى واشنطن، كان كرم ومعوض يتصرّفان على أساس أن الوفد العسكري سيخضع لتوجيهاتهما في كل خطوة من خطوات التفاوض.

كان يوم الثلاثاء، 23 حزيران الماضي، الموعد الأول لاستئناف المحادثات. وبحسب الآلية المُتّفق عليها، كان يُفترض أن يجلس الوفد العسكري اللبناني في غرفة مستقلّة للتفاوض مع الوفد العسكري الإسرائيلي، فيما يعقد الوفد السياسي جلساته بصورة منفصلة، على أن يجري التنسيق بين الجانبين عبر اجتماعات دورية في مقر السفارة اللبنانية في واشنطن.

خلال الاجتماع التنسيقي، اطّلع كرم على الملفات والملاحظات التي أعدّها الوفد العسكري، ففوجئ بحجم التحضير الذي أنجزه الضباط، إذ حمل الوفد معه ملفات تجاوزت مئات الصفحات، تضمّنت توثيقًا شاملًا للاعتداءات الإسرائيلية على لبنان منذ عام 2000، وتقريرًا مُفصّلًا عن خروقات إسرائيل لاتفاق 27 تشرين الثاني 2024، إضافة إلى دراسة قانونية حول العدوان الإسرائيلي، وملفات أكثر تفصيلًا عن المناطق اللبنانية المحتلة حاليًا، وعمليات التدمير والتجريف التي تنفّذها قوات الاحتلال بصورة يومية.

لا تُعرف على وجه الدقّة ردّة فعل كرم إزاء هذا المستوى من التحضير، لكنّ السفيرة معوض تعاملت مع الأمر باستخفاف، إذ همست في أذن أكثر من مشارك: «نحن هنا لتوقيع اتفاق أنجزه الأميركيون، والنقاش في التفاصيل يأتي بعد التوقيع».

في المقابل، حاول كرم الاستفادة من عمل الوفد العسكري. وقبيل الجلسة الأخيرة التي انتهت بتوقيع الاتفاق، وبعدما شاع الحديث عن صعوبات وتوترات رافقت الاجتماعات، تبيّن أن سببها الحقيقي كان إصرار الوفد العسكري على مناقشة البنود التنفيذية المتعلّقة بالانسحاب والمناطق التجريبية. غير أن المفاجأة الكبرى كانت أن أعضاء الوفد العسكري لم يكونوا على علم بوجود مُلحق أمني مُرفق باتفاق الإطار.

مقترحات الوفد العسكري

عمليًا، تقدّم الوفد العسكري بمجموعة من المقترحات الهادفة إلى جعل الاتفاق أكثر وضوحًا وقابلًا للتنفيذ، ومن أبرزها:

أولًا: التزام إسرائيل بوقف كامل لإطلاق النار وجميع الأعمال العسكرية، بما في ذلك عمليات التدمير والتفجير والخروقات الجوية، على أن تتولّى لجنة المراقبة ضمان تنفيذ هذا الالتزام. وقدّم الوفد العسكري وثائق تُظهِر أن إسرائيل لم تلتزم إطلاقًا بوقف إطلاق النار الموقّع عام 2024، في حين التزم به لبنان وحزب الله بصورة كاملة.

ثانيًا: رأى الوفد العسكري أن لجنة الإشراف على التنفيذ، التي أرادها الأميركيون ثلاثية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، تحتاج إلى توسيع عضويتها. واقترح ضم ممثّلين عن قوات الأمم المتحدة العاملة في الجنوب، باعتبار أن ولايتها لم تنته بعد، وأن تنفيذ الاتفاق سيجري ضمن نطاق انتشارها. كما ناقش الوفد إمكان إشراك ممثّلين عن دول أوروبية أو عربية في اللجنة.

ثالثًا: في ما يتعلق بالمناطق التجريبية، قدّم الجيش عرضًا عسكريًا وتقنيًا أوضح فيه أن نجاح أي آلية تنفيذية يتطلّب مسارًا واضحًا ومحدّدًا بدقّة، زمانيًا ومكانيًا. وأكّد الوفد العسكري أنه يرفض أي تنسيق مباشر مع جيش الاحتلال، كما يرفض أي احتكاك ميداني معه. واعتبر أن التصوّر الإسرائيلي للمناطق التجريبية يناقض هذا المبدأ، لأنه يقوم على اختيار بقع جغرافية متفرّقة وانتقائية. واقترح تقسيم الجنوب إلى ثلاث مناطق متصلة، تمتد على طول الحدود من الغرب إلى الشرق. المنطقة الأولى، على سبيل المثال، من الساحل غربًا مرورًا بقرى القطاعين الغربي والأوسط وصولًا إلى القطاع الشرقي، بما يفرض انسحاب قوات الاحتلال من كامل هذا الشريط دفعة واحدة، قبل انتشار الجيش اللبناني فيه بصورة كاملة. وبهذه الآلية، تنتشر وحدات الجيش من دون أن تكون حركتها مُقيّدة بوجود قوات الاحتلال، فيما تؤمّن قوات الأمم المتحدة منطقة فاصلة بين الجانبين.

رابعًا: اقترح الوفد العسكري أن تُحصر المناطق التجريبية بالمناطق المحتلة أولًا، وبالرقعة الواقعة ضمن نطاق عمل قوات الطوارئ الدولية (اليونيفل)، أي جنوب نهر الليطاني. وأكّد أن الجيش اللبناني يلتزم بتنفيذ عملية نزع السلاح بصورة كاملة داخل هذه المنطقة، من دون أن يُستخدم ذلك ذريعة لمنع الأهالي من العودة إلى قراهم بحجة انتماء بعضهم إلى حزب الله. أمّا ملف السلاح شمال الليطاني، فيُترك لمعالجة لاحقة تتولاها الحكومة اللبنانية. وقدّر الوفد العسكري أن إنجاز كل منطقة تجريبية يحتاج إلى فترة تُراوِح بين عشرين يومًا وشهر كحد أقصى، بما يسمح باستكمال تنفيذ الاتفاق كاملًا خلال ستين يومًا، أو خلال ثلاثة أشهر على أبعد تقدير.

لم يكن الوفد الإسرائيلي وحده المُنزعِج من طروحات الوفد العسكري اللبناني، إذ ظهر الاعتراض أولًا من الجانب الأميركي. فقد سارع الوسيط الأميركي إلى التدخل لمصلحة إسرائيل، متوجهًا إلى أعضاء الوفد اللبناني بالسؤال: «هل أدخلتم تعديلات على موقفكم من مسوّدة الاتفاق؟». وأدّى ذلك إلى توتر قصير داخل الجلسة، خرج على إثره أحد ضباط الوفد اللبناني من القاعة بذريعة التدخين، لكنها كانت إشارة انزعاج نُقلت إلى بيروت على عجل. عندها، قال الأميركيون للوفد العسكري بوضوح: «أنتم هنا للعمل تحت إشراف الوفد السياسي»، حتى إن مسؤولًا في الخارجية الأميركية لفت انتباه أحد أعضاء الوفد اللبناني قائلًا: «يبدو أن التعليمات لم تصلكم بوضوح من بيروت، وسنتولّى معالجة الأمر».

ما حصل عمليًا أن الوفد السياسي تعمّد إخفاء وجود المُلحق الأمني السرّي عن الوفد العسكري، لأنه كان يدرك أن الملاحظات التي قدّمها الجيش اللبناني تنسف مضمون هذا المُلحق بالكامل، وهو ما يتعارض مع التوجه. لذلك، انتهى الاجتماع إلى «ترحيل نقاط الخلاف» إلى لقاء يُعقد على المستوى السياسي حصرًا. وهذا ما حصل في اليوم التالي، حين كانت واشنطن تحتاج إلى عملية تمويه إعلامية شارك فيها إعلاميون من لبنان وإسرائيل، قوامها الترويج لوجود «مفاوضات شاقّة وقاسية» داخل القاعة. إلّا أن الواقع كان مختلفًا تمامًا. فقد دخل الأميركيون والإسرائيليون إلى الجلسة بالنصوص نفسها التي أُعدّت سلفًا، وأُهملت جميع الملاحظات التي قدّمها الوفد العسكري اللبناني.

في الوقت نفسه، كان عون يتصل بمعوض، ليبلغها بالقرار الذي كانت على علم به مُسبقًا، فأبلغت الحاضرين بأنها جاهزة للتوقيع. عندها، أُعيد ترتيب القاعة بما يتناسب مع مراسم التوقيع، وحضر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي كان قد أنهى للتوّ جولة في الخليج، للإشراف على توقيع الاتفاق.

ترجمة غير رسمية للنص الكامل للمُلحق الأمني

المُلحق الأمني

يشكّل ما يرد أدناه المُلحق الأمني للإطار الثلاثي:

1. تحديد المناطق التجريبية:

تقوم الأطراف فورًا بتحديد وإطلاق المنطقة التجريبية الأوّلية في قطاع جنوب الليطاني، ضمن خطة عسكرية مُتّفق عليها مُسبقًا، تقوم على نموذج من أربع خطوات:

1- التطهير: وذلك عبر اتخاذ تدابير قانونية بحق جميع الجماعات أو العناصر المسلحة الخارجة عن إطار الدولة والمنخرطة في أنشطة غير مُرخّصة، وتدمير أو تعطيل البنية التحتية المرتبطة بها، بما في ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، الأسلحة، ومخازن الأسلحة، والأنفاق، ومراكز القيادة التابعة لتلك الجماعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة.

2- التحقّق من تطهير المنطقة من جميع الجماعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة ومن بناها التحتية العسكرية، وذلك من قبل جهة ثالثة مُتّفق عليها بين الأطراف.

3- انتشار وحدات من الجيش اللبناني ذات كفاءة عالية، تتولّى وتحافظ على السيطرة العملياتية الحصرية، لمنع أي عودة للنشاط المسلح الخارج عن إطار الدولة.

4- تتولّى الدولة اللبنانية مسؤولية جهود إعادة الإعمار، بدعم دولي وبالتنسيق عبر المسار السياسي.

2. التنفيذ والتحقّق:

يقود الجيش اللبناني تنفيذ هذا النموذج، على أن يُقاس النجاح بمدى تنفيذ عملية نزع السلاح والتفكيك بصورة قابلة للتحقّق، وفق ما يُتّفق عليه ضمن إطار هذه المفاوضات. وتنشئ إسرائيل ولبنان «مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان (MCG4L)، وتُكلَّف بالعمل على مدار الساعة، طوال أيام الأسبوع، لإدارة فضّ الاشتباك، والتحقّق، والتنفيذ العام. وترفع هذه الخلية تقاريرها إلى السلطات السياسية المعنية في كلّ من إسرائيل ولبنان، عبر قنوات عسكرية غير مباشرة بين الجانبين. ويجري التحقّق المستمر بالتزامن مع عمليات التطهير.

3. الالتزامات الأمنية:

يلتزم الجيش اللبناني باتخاذ الإجراءات العملياتية اللازمة لضمان نزع سلاح حزب الله وسائر الجماعات المسلّحة الخارجة عن إطار الدولة، وضمان ألّا يكون لها أي دور أو قدرة عسكرية داخل لبنان.

4. إعادة الانتشار المرحلية:

رهنًا بالإتمام الناجح لعملية نزع السلاح والتفكيك المُتّفق عليها والقابلة للتحقّق، تلتزم إسرائيل بخفض تدريجي لقواتها، على مراحل وبناءً على شروط محدّدة، وصولًا إلى إعادة انتشارها من أراضٍ لبنانية، على أن يُخطَّط لذلك ويُرتَّب تسلسله عبر «مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان» (MCG4L)، وبما يتزامن مع انتشار الجيش اللبناني.

5. النتيجة المرجوّة:

في إطار الجهود الأوسع الرامية إلى نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة الخارجة عن إطار الدولة وتفكيكها، وفق ما يُتّفق عليه بين الأطراف ضمن إطار هذه المفاوضات، يتم العمل على استعادة السلطة الكاملة للدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية، وضمان أمن إسرائيل على المدى الطويل.

6. الإشراف وتسوية النزاعات:

تجري الأطراف، بتيسير من الولايات المتحدة، مراجعات دورية لسير التنفيذ، ويجوز لها تعديل هذا المُلحق باتفاق مُتبادل. وتُحلّ أي نزاعات تتصل بتفسيره أو تطبيقه من خلال مناقشات

ثلاثية.

وُقِّع في واشنطن العاصمة، في السادس والعشرين من شهر حزيران عام 2026، في ثلاث نسخ أصلية، باللغة الإنكليزية.

 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد