وائل جزيني (صحيفة الأخبار)
المدرسة ليست مجرّدَ بناءٍ من الإسمنت والحجارة، أو مجموعةً من الصّفوف والممرّات والسّاحات؛ إنّها ذاكرة جماعيّة، ومؤسّسة لإنتاج المعرفة، وفضاء لتكوين الشّخصيّة، وعلامة على استمرار المجتمع وقدرته على تجديد ذاته. ولذلك، فإنّ تدمير المدرسة لا يمثّل خسارة عمرانيّة يمكن اختزالها في كلفة إعادة البناء، بل هو اعتداء على الإنسان والذّاكرة والمستقبل، وعلى حقّ المجتمع في البقاء فوق أرضه واستئناف حياته.
وما جرى في مدينة بنت جبيل يبيّن بوضوح أنّ الاعتداء لم يستهدف مبنًى تربويًّا منفردًا؛ فقد طاول الدّمار الثّانويّة الرّسميّة، وثانويّة المهديّ (ع)، والمؤسّسة المهنيّة والتّقنيّة في المدينة، بما يعني أنّ قطاعات متكاملة من التّعليم الرّسميّ والخاصّ والمهنيّ قد تعرّضت للاستهداف. ولم يكن هذا الواقع محصورًا ببنت جبيل؛ إذ امتدّ تدمير المدارس والثّانويّات والمعاهد إلى معظم القرى والبلدات الحدوديّة، ومنها الخيام وغيرها من المناطق التي أصيبت مؤسّساتها التربويّة بأضرار جسيمة، أو دُمّرت تدميرًا كاملًا.
لذا، نحن لسنا أمام حادثة عَرَضيّة أصابت مدرسةً واحدةً، بل أمام استهداف واسع للخريطة التربويّة في المنطقة الحدوديّة، ومسّ مباشر بالبنية التي يعتمد عليها المجتمع في تعليم أبنائه، وتثبيت أهله في قراهم، واستعادة حياته بعد الحرب.
بنت جبيل: استهداف منظومة تربويّة لا مبنًى واحدًا
تكتسب مدينة بنت جبيل مكانة رمزيّة واجتماعيّة وتاريخيّة خاصّة في الوعي الجنوبيّ واللّبنانيّ؛ فهي ليست مجرّد مدينة حدوديّة، بل مركز تربويّ واجتماعيّ واقتصاديّ يخدم أبناء المدينة وأبناء القرى المحيطة بها. وكانت مؤسّساتها التّعليميّة تستقبل متعلّمين من بلدات وقرى متعدّدة، وتؤمّن لهم مسارات مختلفة من التّعليم الثّانويّ الرّسميّ والخاصّ، والتّعليم المهنيّ والتّقنيّ.
لذلك، فإنّ تدمير الثّانويّة الرّسميّة، وثانويّة المهديّ، والمؤسّسة المهنيّة والتّقنيّة، لا يعني فقدان ثلاثة أبنية منفصلة، بل تعطيل شبكة تربويّة متكاملة. فالثّانويّة الرّسميّة تمثّل حقّ أبناء المنطقة في التّعليم العامّ، وثانويّة المهديّ تمثّل تجربة تربويّة واجتماعيّة احتضنت أجيالًا متعاقبة، أمّا التّعليم المهنيّ والتّقنيّ، فيشكّل مسارًا أساسيًّا لاكتساب المهارات، والاستعداد للعمل والإنتاج، والاندماج في الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة.
وبذلك، يطاول الضّرر فئات مختلفة من المتعلّمين، ولا سيّما أولئك الذين لا يستطيعون الانتقال بسهولة إلى مناطق بعيدة، أو تحمّل تكاليف النّقل والتّعليم البديل. كما يهدّد بانقطاع بعضهم عن الدّراسة، ويضاعف الأعباء الاقتصاديّة والنّفسيّة الواقعة على الأسر النّازحة أو العائدة إلى بلداتها.
إنّ تدمير هذه المؤسّسات مجتمعةً يجعل العودة إلى بنت جبيل عودةً إلى مدينة جُرّدت من جزء أساسيّ من بنيتها التّعليميّة؛ فالأسرة لا تعود إلى المنزل وحده، بل تحتاج إلى مدرسة لأطفالها، وثانويّة لأبنائها، ومؤسّسة مهنيّة لشبابها، ومرافق تتيح لها استئناف دورة حياتها الطّبيعيّة. ومن هنا، يصبح تدمير التّعليم وسيلةً لتقويض شروط العودة، لا مجرّد نتيجة جانبيّة للحرب.
من بنت جبيل إلى القرى الحدوديّة: نمط متكرّر من التّدمير
لا يمكن فصل ما جرى في بنت جبيل عمّا تعرّضت له مدارس الخيام والمؤسّسات التربويّة في معظم القرى والبلدات الحدوديّة. فحين تتكرّر عمليّات هدم المدارس والثّانويّات والمعاهد في نطاق جغرافيّ واحد، يصبح من الضّروريّ الانتقال من قراءة كلّ حادثة على حدة إلى قراءة النّمط العامّ الذي تنتظم فيه هذه الاعتداءات.
إنّ التّدمير المتكرّر للمؤسّسات التربويّة، إلى جانب المنازل والمراكز الصّحّيّة والطّرقات وشبكات المياه والكهرباء، يؤدّي إلى تفريغ المكان من مقوّمات الحياة الاجتماعيّة؛ فالقرية ليست مجموعة منازل فحسب، بل هي مدرسة وبلديّة ومستوصف وسوق وطريق وذاكرة وعلاقات اجتماعيّة. وإذا دُمّرت هذه العناصر، بقي المكان قائمًا جغرافيًّا، لكنّه يفقد قدرته على احتضان الحياة وتأمين شروط استمرارها.
وعليه، فإنّ استهداف المدارس في القرى الحدوديّة يضرب إمكان إعادة تكوين المجتمع بعد انتهاء العمليّات العسكريّة، كما يدفع السّكّان إلى النّزوح الطّويل، ويضعف ارتباط الأطفال بقراهم، ويهدّد بتحويل التّهجير المؤقّت إلى اقتلاع اجتماعيّ وثقافيّ ممتدّ.
فالعودة إلى قرية مهدّمة المدارس والمنازل والمرافق ليست عودةً مكتملةً؛ إذ لا يكفي أن يبقى المكان موجودًا على الخريطة، ما لم تبقَ فيه المؤسّسات التي تمنحه معناه الاجتماعيّ، وتتيح لأهله أن يعيشوا ويتعلّموا ويعملوا ويواصلوا بناء مستقبلهم.
سيميائيّة المدرسة: حين يُستهدف معنى المكان
تنظر سيميائيّة المكان إلى المدرسة بوصفها علامة اجتماعيّة وثقافيّة، لا بوصفها حيّزًا معماريًّا محايدًا. فالمدرسة تعني، في الوعي الجمعيّ، الأمان والنّظام والاستمرار والأمل. جرسها ينظّم الزّمن، وصفوفها تحتضن المعرفة، وملاعبها تصنع الصّداقات، واحتفالاتها تجمع الأسر، ونجاحات طلّابها تتحوّل إلى جزء من ذاكرة البلدة واعتزازها بذاتها.
وفي القرى الحدوديّة، تتضاعف هذه الدّلالة؛ لأنّ المدرسة تشكّل دليلًا على أنّ المجتمع ما زال حاضرًا وقادرًا على بناء أجياله، رغم الاعتداءات المتكرّرة. إنّها تقول إنّ المكان ليس ساحة عسكريّة فارغة، بل فضاء مدنيّ تسكنه عائلات، ويتعلّم فيه أطفال، ويعمل فيه معلّمون وإداريّون، وتتشكّل داخله علاقات اجتماعيّة وإنسانيّة ممتدّة.
وحين تُفجَّر المدرسة، تُراد إعادة كتابة معنى المكان بالقوّة. يتحوّل الموقع الذي كان يرمز إلى العلم والحياة إلى مشهد من الرّكام، ويحلّ الصّمت محلّ أصوات المتعلّمين، والخوف محلّ الأمان، والانقطاع محلّ الاستمرار. ومن هنا، يصبح التّفجير فعلًا سيميائيًّا عنيفًا يسعى إلى تغيير صورة المكان في وعي أهله: من مكان صالح للحياة والتّعلّم إلى مكان مهدّد، مجرّد من مقوّمات الاستقرار.
إنّ هدم المدرسة لا يمحو جدرانها وحدها، بل يسعى إلى محو ما تحمله من دلالات: دلالة الطّفولة، ودلالة المعرفة، ودلالة انتظام الحياة، ودلالة المستقبل الممكن. وبذلك، يغدو تفجيرها رسالةً تتجاوز مادّيّة الانفجار، لتقول للسّكّان إنّ المكان الذي يفكّرون في العودة إليه قد جُرّد من المؤسّسات التي تضمن استمرار حياتهم.
ومع ذلك، فإنّ المدرسة لا تزول تمامًا بزوال بنائها؛ فهي تبقى في ذاكرة خرّيجيها ومعلّميها، وفي صور الأنشطة والاحتفالات، وفي العلاقات التي نشأت داخلها، وفي الأثر الذي تركته في حياة آلاف الأسر. ولذلك، فإنّ تدمير المبنى لا يحقّق المحو الكامل ما دامت الجماعة قادرةً على حفظ الذّاكرة وإعادة البناء.
استهداف التّعليم في سياق سياسة المحو الممنهج
لا يقوم المحو الممنهج على هدم الأبنية فقط، بل على إزالة العلامات التي تثبت انتماء المجتمع إلى أرضه. ويستهدف هذا المحو المنزل لأنّه موضع السّكن، والمدرسة لأنّها موضع إعداد الأجيال، والمركز الصّحّيّ لأنّه يحمي الحياة، والطّريق لأنّه يصل القرى بعضها ببعض، والمؤسّسة الثّقافيّة لأنّها تحفظ الذّاكرة.
ومن هذه الزّاوية، يمثّل تدمير المدارس والثّانويّات والمعاهد أحد أخطر أشكال المحو؛ لأنّه لا يطاول الحاضر وحده، بل يمتدّ إلى المستقبل. فالمدرسة هي المؤسّسة التي تضمن انتقال المعرفة والقيم والهويّة والخبرة من جيل إلى آخر، واستهدافها يعني استهداف قدرة المجتمع على الاستمرار، وعلى تكوين أجياله داخل مكانه الطّبيعيّ.
إنّ ضرب مؤسّسات التّعليم الرّسميّ والخاصّ والمهنيّ في بنت جبيل يكشف شمول الاعتداء؛ فهو لا يميّز بين نوع تعليميّ وآخر، بل يطاول المسارات المختلفة التي يحتاج إليها المجتمع: التّعليم الرّسميّ، والتّعليم الخاصّ، والتّعليم المهنيّ والتّقنيّ. وحين يتكرّر الأمر نفسه في معظم القرى الحدوديّة، تتّضح خطورة استهداف النّظام الاجتماعيّ بأسره، لا إصابة مبنًى منفردًا.
ويكتسب هذا الأمر دلالة أشدّ خطورة حين تترافق عمليّات تدمير المدارس مع هدم المنازل وتجريف الأراضي وضرب المرافق العامّة؛ إذ تتكامل هذه الأفعال في إنتاج واقع يصعب فيه على السّكّان العودة والاستقرار. فالمحو لا يسعى إلى إزالة الحجر وحده، بل إلى تفكيك شبكة الحياة التي تربط الإنسان بمكانه، وتحويل البيئة المأهولة إلى مساحة عاجزة عن احتضان مجتمعها.
ومن الأدقّ، في هذا السّياق، الحديث عن ثقافة سياسيّة وعسكريّة للمحو تكشفها ممارسات الاحتلال؛ وهي ثقافة تتعامل مع البيئة المدنيّة بوصفها قابلةً للإزالة، ومع المؤسّسات التربويّة بوصفها جزءًا من المشهد الذي يراد تفريغه وإعادة تشكيله بالقوّة. وهي ثقافة تناقض جوهر التربية؛ لأنّ التربية تقوم على البناء والتّواصل وإنتاج المعنى، في حين يقوم المحو على الهدم والقطيعة وفرض الغياب.
خرق حرمة المؤسّسات التربويّة والشّرائع الإنسانيّة
تحظى المدارس والمؤسّسات التّعليميّة، بوصفها أعيانًا مدنيّة، بالحماية التي يقرّرها القانون الدّوليّ الإنسانيّ. ولا يجوز أن تتحوّل صفة المنطقة الحدوديّة، أو السّيطرة العسكريّة عليها، إلى مبرّر مفتوح لتدمير ما فيها من أبنية مدنيّة ومؤسّسات تربويّة.
كما أنّ الموقع الجغرافيّ للمؤسّسة لا يفقدها، في ذاته، صفتها المدنيّة، ولا يحوّلها تلقائيًّا إلى هدف عسكريّ. فالأصل هو حماية المدرسة وصون رسالتها، وأيّ ادّعاء بخلاف ذلك يحتاج إلى أدلّة دقيقة ومحدّدة، وإلى احترام صارم لمبادئ الضّرورة والتّمييز والتّناسب والاحتياط.
وتتضاعف خطورة ما حدث حين يقع الهدم في ظلّ هدنة معلنة كان يُفترض أن تسمح بوقف الأعمال العدائيّة، وعودة السّكّان، وتفقّد الممتلكات، واستئناف الخدمات الأساسيّة. فنسف المدارس خلال الهدنة لا يدمّر منشآت قائمة فحسب، بل يدمّر إمكان التّعافي الذي يُفترض أن تبدأه الهدنة، ويحوّل زمن التّهدئة إلى فرصة لاستكمال تغيير الواقع الميدانيّ وفرض مزيد من الخراب.
وتُعدّ المدرسة، في الحروب والكوارث، من أكثر المؤسّسات ارتباطًا بحماية الأطفال واستعادة الاستقرار النّفسيّ والاجتماعيّ. فهي تمنح الطّفل روتينًا يوميًّا، وشعورًا بالأمان، وفرصةً للتّفاعل والتّعبير والحصول على الدّعم، كما تحدّ من مخاطر التّسرّب والاستغلال والعزلة. ولذلك، فإنّ تدميرها يخلّف أضرارًا تربويّة ونفسيّة واجتماعيّة تتجاوز زمن الانفجار نفسه، وقد تمتدّ آثارها إلى سنوات طويلة.
كما يضرب هذا التّدمير مبدأ تكافؤ الفرص؛ فالأطفال الذين تُهدم مدارسهم لا يفقدون مقاعدهم وصفوفهم فحسب، بل يفقدون انتظامهم الدّراسيّ، واستقرارهم النّفسيّ، وسهولة وصولهم إلى التّعليم. ويضطرّ بعضهم إلى الانتقال إلى مدارس بعيدة أو مكتظّة، فيما قد يعجز آخرون عن متابعة تعليمهم بسبب النّزوح أو الفقر أو صعوبة النّقل.
ولا يكفي، أمام هذا الحجم من الدّمار، الاكتفاء بعبارات الشّجب والاستنكار. فالمطلوب توثيق قانونيّ وهندسيّ وتربويّ دقيق لكلّ مؤسّسة دُمّرت، وتسجيل طبيعة استخدامها قبل الاعتداء، وحصر محتوياتها وخسائرها وعدد المتعلّمين المتضرّرين، وجمع الصّور والشّهادات والأدلّة، بما يحفظ الحقوق، ويمهّد للمساءلة والتّعويض وإعادة الإعمار.
الأثر التربويّ والنّفسيّ والاجتماعيّ
لا تنحصر آثار تدمير المدرسة في توقّف الدّروس؛ إذ يفقد المتعلّم مكانًا اعتاد أن يشعر فيه بالانتظام والانتماء، ويفقد المعلّم فضاء رسالته المهنيّة والإنسانيّة، وتفقد الأسرة المؤسّسة التي كانت تطمئنّ إليها في تعليم أبنائها ورعايتهم.
وقد يتحوّل مشهد المدرسة المهدّمة إلى مصدر دائم للخوف والحزن لدى الأطفال، ولا سيّما حين ترتبط المدرسة في ذاكرتهم بالأصدقاء والمعلّمين والنّجاحات والاحتفالات. كما يمكن أن يؤدّي النّزوح المتكرّر، وتبدّل المدارس، وانقطاع العلاقات، إلى ضعف الدّافعيّة إلى التّعلّم، وتراجع التّحصيل، والشّعور بعدم الاستقرار وفقدان المعنى.
أمّا اجتماعيًّا، فإنّ غياب المدرسة يضعف واحدةً من أهمّ المؤسّسات التي تجمع أبناء البلدة، وتنسج بينهم علاقات مشتركة، وتربط الأسر بعضها ببعض. فالمدرسة فضاء للتّنشئة الاجتماعيّة والمواطنة والتّعاون، وليست موقعًا لتلقّي المعارف وحدها. ومن ثمّ، فإنّ تدميرها يصيب التّماسك الاجتماعيّ، ويقلّص قدرة المجتمع على إعادة تنظيم نفسه بعد الحرب.
وتزداد الخطورة في حالة المؤسّسات المهنيّة؛ لأنّها ترتبط مباشرةً بتأهيل الشّباب للعمل والإنتاج. فتدمير المؤسّسة المهنيّة لا يعطّل التّعليم فحسب، بل يقطع مسارات التّدريب واكتساب المهارات، ويضعف فرص الشّباب في بناء مستقبلهم المهنيّ والمشاركة في إعادة إعمار مناطقهم.
إعادة البناء بوصفها استعادةً للحقّ في المكان
إنّ إعادة بناء مدارس بنت جبيل والقرى الحدوديّة ليست مشروعًا إنشائيًّا فحسب، بل فعل تربويّ ووطنيّ يعيد تثبيت المجتمع في أرضه. فإعادة الثّانويّة الرّسميّة تعني استعادة الحقّ في التّعليم العامّ، وإعادة ثانويّة المهديّ تعني استعادة ذاكرة تربويّة واجتماعيّة ممتدّة، وإعادة المؤسّسة المهنيّة تعني فتح الطّريق أمام الشّباب لاكتساب المهارات المهنيّة، والمشاركة في الاقتصاد المحلّيّ وإعادة الإعمار.
وينبغي أن تبدأ الاستجابة بتأمين بدائل تعليميّة عاجلة، وتنظيم النّقل المدرسيّ، وتوفير الصّفوف المؤقّتة والتّجهيزات والوسائل الرّقميّة، إلى جانب برامج الدّعم النّفسيّ والاجتماعيّ للمتعلّمين والمعلّمين والأسر. فلا يجوز أن يتحوّل تدمير المبنى إلى انقطاع دائم عن التّعليم، أو أن يصبح العدوان سببًا في ضياع عام دراسيّ أو خروج متعلّمين من المدرسة.
كما ينبغي إنشاء سجلّ وطنيّ يوثّق المدارس والثّانويّات والمعاهد المدمّرة في الجنوب، ويحفظ تاريخها وصورها وأرشيفها وشهادات طلّابها ومعلّميها. فتوثيق الذّاكرة جزء من مقاومة المحو؛ لأنّ المدرسة تُستهدف مرّتين: مرّةً حين يُهدم بناؤها، ومرّةً حين تُنسى رسالتها وقصّتها.
ولا بدّ من أن تكون عمليّة إعادة الإعمار تشاركيّة، يشارك فيها أهل البلدة والمعلّمون والمتعلّمون والخرّيجون والاختصاصيّون والمؤسّسات الرّسميّة والأهليّة. فالمبنى الجديد لا ينبغي أن يكون بديلًا هندسيًّا صامتًا، بل امتدادًا لذاكرة المدرسة، وتأكيدًا لاستمرار رسالتها، وتجسيدًا لقدرة المجتمع على تحويل الرّكام إلى معرفة وإرادة وأمل.
الخاتمة: استهداف التّعليم استهدافٌ لحقّ الجنوب في الحياة
لم تفقد بنت جبيل مدرسةً واحدةً، بل تعرّضت منظومتها التربويّة لضربة شاملة طاولت الثّانويّة الرّسميّة، وثانويّة المهديّ، والمؤسّسة المهنيّة والتّقنيّة. وما وقع فيها ليس منفصلًا عمّا أصاب المؤسّسات التربويّة في الخيام ومعظم القرى والبلدات الحدوديّة.
إنّ هذا الدّمار يكشف أنّ المدرسة تقع في صميم الصّراع على المكان؛ لأنّها علامة على حضور النّاس، واستقرار الأسر، واستمرار الأجيال. وحين تُدمّر مدارس منطقة كاملة، لا تكون الجدران والنّوافذ هي المستهدفة وحدها، بل يُستهدف حقّ المجتمع في العودة والتّعلّم والعيش وبناء مستقبله.
إنّ تدمير المدرسة فعل يتجاوز الحاضر؛ لأنّه يحاول قطع الصّلة بين المكان وأجياله المقبلة، وتحويل العودة إلى تجربة ناقصة محفوفة بالعجز والحرمان. لكنّ ثقافة البناء تبقى قادرةً على مواجهة سياسة المحو. فقد تستطيع الآلة العسكريّة أن تهدم مبنًى، لكنّها لا تستطيع أن تمحو أثر معلّم، أو ذاكرة متعلّم، أو انتماء مجتمع إلى مدرسته وأرضه.
وستكون إعادة بناء هذه المؤسّسات أكثر من عمل عمرانيّ؛ ستكون إعلانًا بأنّ الجنوب ليس أرضًا فارغةً، ولا مجرّد نطاق عسكريّ، بل فضاء حياة وعلم وذاكرة وكرامة. وستؤكّد أنّ حقّ أطفاله في التّعلّم ليس منحةً قابلةً للسّلب، بل حقّ أصيل وثابت، لا تسقطه الحرب، ولا تلغيه المتفجّرات، ولا يدفنه الرّكام.