الصورة التي تحاول واشنطن تثبيتها عن المواجهة مع إيران تقوم على عزل طهران وإظهارها طرفًا يواجه قوة أمريكية هائلة منفردة. لكن المشهد الذي يتشكل خلف الضربات والتصريحات يحمل تعقيدًا أكبر؛ فإيران، مع أنها تخوض معركة مباشرة مع الولايات المتحدة، لا تتحرك في فراغ دولي كامل.
روسيا والصين لا تقفان في خطوط النار، ولا تعلنان دخولهما في مواجهة عسكرية مع واشنطن، لكن وجودهما في المعادلة يغير حسابات الحرب. ليس بالضرورة بإرسال قوات أو فتح جبهات جديدة، إنما بتقليل قدرة الولايات المتحدة على تحويل تفوقها العسكري إلى نتيجة سياسية سريعة.
التقارير المنشورة عن أشكال الدعم الروسي والصيني لطهران تتراوح بين المؤكد والمتداول. هناك ما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية والطاقة والمواقف السياسية المعلنة..هناك تقارير تتحدث عن احتمالات تعاون استخباراتي أو تقني أو عسكري، خصوصًا من الجانب الروسي. . مع أن تفاصيل كثيرة لم تُثبت علنًا، فإن مجرد احتمال وجود هذه القنوات أصبح عاملًا حاضرًا في الحسابات الأمريكية.
الولايات المتحدة لا تنظر فقط إلى السلاح الذي قد يصل إلى إيران، أيضًا إلى الزمن الذي قد يمنحه لها هذا الدعم. الحرب بالنسبة إلى واشنطن لا تقوم فقط على تدمير الأهداف العسكرية، أيضًا على الوصول إلى لحظة تفقد فيها إيران القدرة على الاستمرار. كل عامل يطيل قدرة طهران على إعادة بناء منظوماتها، أو الحفاظ على اقتصادها، أو الحصول على معلومات تساعدها في تقليل الفارق العملياتي، يجعل مسار الحرب أكثر تعقيدًا.
روسيا تقرأ المواجهة من زاوية صراعها الأوسع مع الولايات المتحدة. موسكو لا تحتاج إلى الدخول في حرب مباشرة مع واشنطن حتى تستفيد من انشغالها بجبهة جديدة. يكفي أن تجد الولايات المتحدة نفسها أمام أزمة طويلة تستنزف مواردها السياسية والعسكرية، وتحد من قدرتها على إدارة ملفات متعددة في وقت واحد.
لهذا يبدو الدعم الروسي، إذا ثبتت بعض جوانبه، أقرب إلى محاولة تعديل ميزان المعلومات والقدرات وليس إلى فتح مواجهة مباشرة. روسيا تدرك أن الاشتباك العسكري مع الولايات المتحدة بسبب إيران يحمل مخاطر كبيرة، لكنها تدرك أيضًا أن إضعاف قدرة واشنطن على تحقيق حسم سريع يخدم مصالحها الاستراتيجية.
أما الصين فتتحرك وفقًا لمنطق مختلف..بكين لا تريد اضطرابًا واسعًا يهدد أسواق الطاقة وطرق التجارة، فهي أكثر الأطراف ارتباطًا باستقرار تدفقات النفط من الخليج. لكنها، في الوقت نفسه، لا ترى مصلحة في انهيار إيران أو خروجها من المعادلة الإقليمية؛ لأن ذلك سيمنح الولايات المتحدة مساحة أكبر لإعادة تثبيت نفوذها في المنطقة. لهذا يأتي الدور الصيني في الاقتصاد والطاقة والدبلوماسية. استمرار العلاقات التجارية وشراء النفط وتوفير غطاء سياسي لطهران، كلها أدوات تمنح إيران قدرة أكبر على امتصاص الضغوط من دون أن تتحول بكين إلى طرف عسكري مباشر في الحرب.
هذا يفسر اختلاف الأسلوب بين موسكو وبكين. روسيا أكثر استعدادًا لاستخدام أزمات النظام الدولي أدوات ضغط على واشنطن، في حين تفضل الصين أن تتقدم من خلال تراكم النفوذ وتقليل الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة.
في المقابل، تكشف ردود الفعل الأمريكية أن واشنطن تتابع هذه التحركات كونها جزءًا من معركة أوسع. المشكلة ليست فقط في وصول معدات أو معلومات إلى إيران، أيضًا في احتمال تحول الحرب من حملة أمريكية تهدف إلى فرض شروطها إلى مواجهة استنزاف طويلة يصعب التحكم في نهايتها.
هذا هو السيناريو الذي تحاول الولايات المتحدة تجنبه. التفوق العسكري الأمريكي واضح، لكن التاريخ العسكري لا يثبت أن التفوق وحده يضمن النتيجة السياسية. إذإن الكثير من الحروب لم تُحسم عندما عجز الطرف الأقوى عن توجيه الضربة، بل عندما عجز عن إجبار خصمه على القبول بالنتائج التي يريدها.
إيران تراهن على الصمود ورفع كلفة الحرب.
روسيا تراهن على استنزاف الخصم الأمريكي.
الصين تراهن على التحول البطيء في ميزان القوى العالمي.
أما واشنطن فتحاول إثبات أن قدرتها على الحسم ما تزال قائمة على الرغم من تغير البيئة الدولية.
لهذا؛ فإن أهمية الدور الروسي والصيني لا تقاس فقط بما قد يصل إلى إيران من دعم، أيضًا بما يغيره هذا الدعم في طبيعة الحرب نفسها. الدولة التي تمنح خصمك قدرة إضافية على البقاء لا تحتاج بالضرورة إلى أن تقاتل إلى جانبه كي تؤثر في النتيجة.
المعركة الحقيقية ليست فقط عن المواقع التي ستُقصف، بل حول السؤال الأوسع: هل ما تزال الولايات المتحدة قادرة على إنهاء الحروب بالشروط التي تضعها، أم أن العالم دخل مرحلة تصبح فيها القوة الكبرى مضطرة إلى حساب ردود أفعال قوى أخرى حتى عندما لا تظهر هذه القوى في الميدان؟