صندوق النقد: مذكرة إرشادية لإدارة احتياطات الذهب

post-img

علي نور الدين (صحيفة المدن)

نشر صندوق النقد مؤخراً مذكرة إرشاديّة، بعنوان "الذهب في احتياطات البنوك المركزيّة: الاعتبارات الاستراتيجيّة ومخاطر السوق والإرشادات العمليّة". وغرضها، كما يشير العنوان، وكما تضمنت المقدّمة، تقديم إرشادات عمليّة لمديري الاحتياطيّات وصانعي السياسات، بشأن كيفيّة اتخاذ قرارات الإدارة الرشيدة للاحتياطات في بيئة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين والمخاطر الجيوسياسيّة. 

ورغم أنّ المذكرة لا تختص بالشأن اللبناني، المُحاط باعتبارات وخصوصيّات مرتبطة بفجوة ميزانيّة المصرف المركزي، إلا أنّها تقدّم استنتاجات ومبادئ عامّة يمكن الاستفادة منها، عند تحديد مستقبل وكيفيّة إدارة احتياطات الذهب في مصرف لبنان. مع الإشارة إلى أنّ النقاش حول مستقبل هذه الاحتياطات بدأ بالفعل منذ فترة، من خلال عدّة أوراق وندوات قدّمت بدائل وطروحات متعدّدة.

خصائص واستنتاجات

في البداية، تقدّم الورقة قراءة معمّقة للزيادة في حصّة الذهب، من مكوّنات احتياطات البنوك المركزيّة حول أنحاء العالم. ووجدت الورقة أنّ الغالبيّة الساحقة من هذه الزيادات جاءت بفعل زيادة قيمة الاحتياطات الموجودة أصلاً، بسبب زيادة الأسعار، وليس نتيجة مراكمة احتياطات ماديّة جديدة (رغم وجود زيادة ماديّة بالفعل، لكن بنسبة أقل بكثير). بمعنى أوضح، وبخلاف الاعتقاد الشائع، تعكس هذه الزيادات مكاسب من إعادة تقييم الاحتياطات، بدلاً من تراكم الاحتياطات نفسها. وفي المذكرة، ثمّة جملة توضح المقصود هنا: بين عاميّ 2018 و2025، ارتفعت القيمة السوقيّة لاحتياطات الذهب لدى المصارف المركزيّة بنسبة 268 بالمئة، وهذا الرقم يظهر عادةً في الميزانيّات. لكنّ الزيادة الماديّة في كميات الذهب الفعليّة، لدى المصارف المركزيّة، لم ترتفع بأكثر من 8.5 بالمئة.

من منظور إدارة الاحتياطات، تشير الورقة إلى خصائص تميّز الذهب عن سائر أصول الاحتياطات التقليديّة. فالذهب لا ينطوي على مخاطر ائتمانيّة، بخلاف السندات التي تحمل مخاطر تعثّر الطرف المُقابل، كما يوفّر حماية من العقوبات. إلا أنّ خصائصه المتعلّقة بالتحوّط ضد المخاطر، كملاذ آمن، والتنويع، تبقى معتمدة على طبيعة النظام المالي السائد، ونوع الصدمة التي ينبغي التحوّط بشأنها. بمعنى آخر، دور الذهب كملاذ آمن ليس مطلقاً.

وتشير المذكّرة إلى أنّ الذهب لا يزال يوفّر أداة تحوّط ضد مخاطر أسعار الفائدة، بوجود العلاقة السلبيّة بين أسعار الذهب وعوائد السندات: إذ كلما انخفضت العوائد، يصبح الاحتفاظ بالذهب -الذي لا يدرّ عائداً- أكثر جاذبيّة، ما يرفع سعره. والذهب يوفّر أيضاً تحوّطاً جزئياً ضد مخاطر تراجع قيمة الدولار. ذلك لأن الذهب مسعّر عالمياً بالدولار، كلما انخفضت قيمة الدولار يرتفع السعر الدولاريّ للذهب. وفي جميع الحالات، يبقى الذهب مفيداً ضمن حدود معينة، داخل محفظة الاحتياطات، كونه يسمح بتحقيق أهداف تنويع التوظيفات.

لكن على النقيض من ذلك، لم يعد الذهب يوفّر أداة تحوّط فاعلة ضد مخاطر تراجعات أسواق الأسهم، والصدمات الجيوسياسيّة بعد فترة الجائحة. فقد تؤدّي الأزمات الجيوسياسيّة مثلاً إلى تقوية الدولار، أو رفع نسب الفوائد، أو شح السيولة بيد الشركات والأفراد. وهو ما يؤدّي تلقائياً إلى خفض الطلب على الذهب، ما يخفّض أسعاره وقيمته داخل محافظ الاحتياطات لدى المصارف المركزيّة. وهذا تحديداً ما جرى خلال حرب الخليج الأخيرة، حيث هبطت أسعار الذهب لهذه الأسباب بالتحديد.

الخلاصة هنا واضحة: الذهب مفيد كجزء محدود من محفظة الاحتياطات، ولا سيما للتحوط من انخفاض الفائدة والدولار، لكنّه ليس بوليصة تأمين شاملة. وقد يفشل في حماية الاحتياطات، خلال الأزمات نفسها التي يُفترض أن يشكل فيها ملاذاً آمناً، تبعاً لنوع الصدمة واستجابة الأسواق والسياسة النقديّة. وعلى أي حال، تشير المذكرة أيضاً إلى خاصيّة يجب أخذها بعين الاعتبار، وهي كون الذهب أصل شديد التقلّب من حيث القيمة.

أصل استثماري لا سيولة

توصي المذكّرة باعتماد فصل ما بين فئتين من احتياطات المصارف المركزيّة: شريحة السيولة، أي الأصول التي يمكن بيعها سريعاً من دون خسائر تُذكر، وشريحة الاستثمار، التي يمكن أن تضم أصولاً أطول أجلاً وأكثر تقلباً، بهدف تحقيق عائد أو تعزيز متانة المحفظة العامّة. وعند تطبيق هذا النظام، لا يُعد الذهب مناسباً لشريحة السيولة، بل يجب ضمّه إلى شريحة الاستثمار، ما يفرض التعامل معه كأصل استثماري له مخاطره واعتباراته. 

وهكذا، لا يجب الافترض أن الذهب مجرّد أصل قابل للاستخدام في أي لحظة، كحال النقد الأجنبي أو سندات الخزانة قصيرة الأجل، ولا ينبغي اعتباره ضمن خط الدفاع الأوّل. ومن زاوية إدارة المخاطر، يمكن القول إنّ وضع الذهب في شريحة الاستثمار يعني إمكانيّة الاستفادة منه بين الأزمات، لا المراهنة عليه في أوقات الطوارئ وخلال الأزمات نفسها.

وفي هذا الإطار، تدخل المذكرة في مخاطر الحوكمة، المرتبطة بكيفيّة إدارة عمليّات الشراء والتوظيف. فالدخول في عمليات بيع أو شراء الذهب يوسّع دور المصرف المركزي، إلى ما يتجاوز إدارة الاحتياطات والسياسة النقديّة. فهو في هذه الحالة يصبح مسؤولاً عن تحديد أسعار البيع والشراء، وتحديد الجهات المُقابلة التي سيتعامل معها، فضلاً عن التحقّق من مصدر الذهب وجودته، أو ملاءة الجهة التي قد تحتفظ به. وجميع هذه المسارات تخلق قرارات تجاريّة، ما يزيد الحاجة إلى قواعد المساءلة والرقابة ومنع تضارب المصالح.

من المفترض أن يجد لبنان نفسه معنياً بأي نقاش حول أصول إدارة احتياطات الذهب. فهذه الاحتياطات باتت الأصل الأكبر، ضمن ميزانيّة المصرف المركزي. وهذه الاحتياطات لا تزال تعزّز ملاءة الميزانيّة العموميّة للمصرف المركزي، المُثقلة -من جهة أخرى- بالخسائر المتراكمة. لكن وتماماً كما أشارت مذكرة صندوق النقد، ينبغي التعامل مع هذه الاحتياطات كأصل استراتيجي طويل الأجل، وضمن الشريحة الاستثماريّة، لا كأصل مرن يمكن أن يعوّض نقص السيولة في الوقت الراهن، كحال احتياطات النقد الأجنبي. وعلى المدى البعيد، ينبغي البحث عن أدوات تسمح بتنويع الأصول الاستثماريّة في ميزانيّة مصرف لبنان، لكن مع ضوابط صارمة للحوكمة والإدارة.  

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد