صحيفة الأخبار
علمت «الأخبار» أن عدداً من الأجهزة الأمنية اللبنانية، ولا سيما المديرية العامة لأمن الدولة وإدارة الجمارك، تلقّى معلومات تفيد بأن «برنامج الأغذية العالمي» (WFP) يشتري كميات كبيرة من المواد الغذائية من السوق اللبنانية، تمهيداً لتصديرها إلى سوريا دعماً لأنشطة البرنامج هناك. وعلى إثر ذلك، رفعت هذه الأجهزة تقارير إلى كل من الأمانة العامة لمجلس الوزراء، ووزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد.
وتتعامل الأجهزة الأمنية مع هذه القضية بوصفها مسألة أمن غذائي، لا مجرد حركة تجارية أو تهريب عبر الحدود. فالكتب الأمنية التي وُجّهت إلى الجهات الرسمية اتخذت طابع التحذير، ودعت إلى تقييد هذه الأنشطة في ظل الاستنزاف المستمر للمخزون الغذائي اللبناني، ولا سيما أن المؤشرات الإقليمية والدولية تنذر باحتمال اضطرابات كبيرة في سلاسل التوريد.
فالتوترات في المنطقة، وإقفال مضيقَيْ هرمز وباب المندب، واحتمال تجدّد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، لا تنعكس على أسعار الطاقة فحسب، بل تمتد أيضاً إلى الأمن الغذائي العالمي. فعلى سبيل المثال، أدّى تعطّل مرور ناقلات الغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز إلى تراجع إنتاج نحو 20% من الأسمدة الأساسية المُستخدمة في الزراعة عالمياً، ما ينذر بارتفاع أسعار الغذاء خلال الأشهر الستة المقبلة، وفق كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ماكسيمو توريرو. وتشمل المحاصيل الأكثر عرضة لارتفاع الأسعار القمح والذرة والحبوب، وهي من الركائز الأساسية لأي نظام غذائي.
كيف تنظر الدولة إلى هذا الملف الخطير؟ ببساطة، لا تفعل شيئاً. فعلى الرغم من هشاشة الواقع اللبناني، لا تزال السلطات تتعامل مع القضية وكأنها لا تمسّ الأمن الغذائي للبلاد. ويزداد الأمر خطورة إذا ما أُخذ في الاعتبار أن نحو 80% من الغذاء المستهلك في لبنان مستورد، وأن المخزون المتوافر في مستودعات الشركات لا يكفي، في أفضل الأحوال، سوى ثلاثة أشهر، في حال بقاء سلاسل الاستيراد مفتوحة ومن دون أي اضطرابات.
وهذه المعادلة تقوم أساساً على تلبية حاجات المقيمين في لبنان، والبالغ عددهم نحو 5.5 ملايين شخص. أمّا إذا تحوّل لبنان إلى منصة لتزويد سوريا بالمواد الغذائية عبر المنظمات الدولية، فإن المخزون المحلي مُرشّح للاستنزاف بوتيرة أسرع، خصوصاً في ظل غياب أي ضوابط أو قيود على شراء هذه المنظمات كميات كبيرة من السوق اللبنانية، وإعادة توزيعها في سوريا.
ولا تقتصر التداعيات على المخزون فحسب، بل تمتد مباشرة إلى المستهلك اللبناني. فالسوق يخضع لقانون العرض والطلب، وأي زيادة في الطلب، من دون زيادة موازية في الكميات المعروضة، ستؤدّي حكماً إلى ارتفاع الأسعار، ما يضيف أعباء جديدة على المواطنين في ظل أزمة اقتصادية وظروف أمنية صعبة.
وهذه الوقائع ليست غائبة عن «برنامج الأغذية العالمي». ففي تقريره عن لبنان الصادر في تموز الجاري، أشار البرنامج إلى وجود فجوة تمويل تبلغ 339 مليون دولار لتلبية احتياجات نحو مليون و240 ألف شخص في لبنان، أي ما يقارب ربع المقيمين. ومع عدم تغطية هذه الفجوة من الجهات المانحة، يحذّر البرنامج نفسه من تفاقم انعدام الأمن الغذائي لدى الفئات «الأكثر حاجة». إلا أن الأجهزة الأمنية اللبنانية تشير، في المقابل، إلى مفارقة لافتة، إذ يواصل البرنامج شراء كميات من الغذاء من السوق اللبنانية ونقلها إلى سوريا، متجاهلاً هشاشة الوضع الغذائي في لبنان وتدهور ظروفه الاقتصادية والأمنية.
وتؤكّد أرقام الاستيراد حجم هذه الهشاشة. فقد بلغت قيمة واردات لبنان من المواد الغذائية عام 2025 نحو 3.3 مليارات دولار، أي ما نسبته 15.65% من إجمالي الواردات البالغة 21 ملياراً و75 مليون دولار، وفق بيانات الجمارك اللبنانية. أمّا خلال النصف الأول من عام 2026، فقد بلغت فاتورة استيراد المواد الغذائية 1.44 مليار دولار، لترتفع حصتها إلى نحو 17% من إجمالي الواردات، التي بلغت 8 مليارات و450 مليون دولار، في مؤشر إضافي إلى تنامي اعتماد لبنان على الاستيراد لتأمين أمنه الغذائي.