«أرض الميعاد».. قراءة في يوتوبيا هرتزل الاستعمارية

post-img

أيمن قاسم/جريدة الأخبار

كتب ثيودور هرتزل «أرض الميعاد» بوصفها رواية، لكنها تحوّلت إلى أحد النصوص المؤسّسة للمخيال الصهيوني. قدّمت الرواية، التي انتقلت أخيرًا إلى المكتبة العربية، المشروع الاستعماري باعتباره يوتوبيا قابلة للتحقق، مستندة إلى خطاب التفوق الحضاري، وممهّدة لتطبيع فكرة اقتلاع شعب وإحلال آخر مكانه

«إذا أردتم… فلن تكون قصةً من قصص الخيال». بهذه الجملة يفتتح ثيودور هرتزل روايته ألتنويلاند «أرض الميعاد» (دار الرافدين ـ ترجمها عن الألمانية عماد أبو أحمد)، واضعًا القارئ منذ السطر الأول أمام نص لا يقدّم نفسه كخيال أدبي محض، بل كتصوّر قابل للتحقّق. فالرواية، وهي آخر ما كتبه مؤسّس الحركة الصهيونية، تبدو أقرب إلى مسرح تُعرض عليه أفكاره في قالب طوباوي، منه إلى عمل روائي منفصل عن مشروعه السياسي.

من الاضطهاد الأوروبي إلى «الوطن القومي»

تبدأ الرواية في أواخر القرن التاسع عشر، خلال اجتماع لنخبة يهودية نمسَوية في أحد أحياء فيينا، حيث يُطرح للمرة الأولى –على لسان حاخام– مشروع تأسيس حركة صهيونية هدفها «حلّ المسألة اليهودية» عبر إنشاء وطن قومي في فلسطين. غير أنّ هذا الطرح يُقابَل في الرواية بسخرية واضحة من قِبل النخبة نفسها، ويُقدَّم بوصفه فكرة بعيدة المنال، أقرب إلى دعابة منها إلى مشروع سياسي. لكن السخرية تلك لم تثنِ الحاخام المذكور عن إضافة وصف للمشروع قائلًا: «يقال: إنّ كل اليهود الذين ضاقت بهم السبل سيهاجرون إلى وطننا القديم، فلسطين».

اللافت هو تصوير هرتزل للحدث كونه مسألة مُستهجنة وبعيدة المنال بالنسبة إلى هؤلاء النخبة. بحسب سياق الرواية، يُعزى ذلك إلى الشعور بالاستضعاف والقمع داخل المجتمع نفسه من محيطه الأوروبي: مثلًا يصوّر الكاتب -على لسان الحاخام أيضًا- حالة اليهود في مورافيا (إقليم تابع لجمهورية التشيك) الذين كانت تُهاجم بيوتهم، ما أدى إلى سريان حالة الهجرة داخل المجتمع اليهودي إلى أنحاء متفرقة من العالم.

عن القمع، يقول الكاتب بلسان إحدى شخصيات الرواية: «بوصفنا يهودًا، يبدو أنّنا سوف نُجبر على ارتداء العلامة الصفراء مرةً أخرى» في إشارة إلى النجمة الصفراء التي كان اليهود يُجبرون على ارتدائها في أوروبا كي يعرفهم الناس بأنّهم يهود حتى لا يتعاملوا معهم.

لكن هرتزل لا يترك هذا الرفض لفكرة «الوطن القومي» على حاله. فالرواية تنتقل سريعًا ــ بقفزة زمنية محسوبةــ إلى عام 1920 تقريبًا، حيث المشروع قد تحقّق بالفعل، لا بوصفه ملجأ لليهود المضطهدين فحسب، بل باعتباره «فرعًا للحضارة الغربية في قلب الشرق». وهنا تظهر المفارقة الأولى: إذا كان القمع الأوروبي هو الدافع المُعلن للهجرة اليهودية، فلماذا يُعاد إنتاج النموذج الأوروبي نفسه بوصفه المثال الأعلى، بل الحضارة التي ينبغي استنساخها؟

يحرص هرتزل في القسم الأول من الرواية على تصوير معاناة اليهود داخل أوروبا. هذا التصوير لا يُستخدم فقط لإظهار الاضطهاد، بل لتأسيس مبرّر أخلاقي للهجرة. مع ذلك، فإن الرواية لا تلبث أن تُسقِط هذا اليهودي المضطهد في دور جديد: هو حامل الحضارة، ووسيط نقل التقدّم الأوروبي إلى «الأرض الجرداء».

في هذا التحوّل تكمن المفارقة الثانية. فالشخصية اليهودية، التي تُقدَّم بوصفها منبوذة داخل أوروبا، تصبح في فلسطين المؤهَّلة الوحيدة لبناء مجتمع حديث. هنا لا تعود المسألة مسألة خلاص، بل مسألة وظيفة «حضارية»، وهو ما يثير سؤالًا مركزيًا: كيف يمكن لمن يُقصى بوصفه منبوذًا داخل أوروبا، أن يُستدعى في الوقت نفسه لأداء مهمّة استعمارية باسمها؟

بيان استعماري

رغم الطابع الروائي للعمل، لا يمكن فصله عن كونه من الأدبيات التأسيسية للمشروع الصهيوني. فالرواية، وإن لم تكن بيانًا سياسيًا أو وثيقة تاريخية، تؤدي وظيفة تعبئة خيالية، وتُسهِم في صناعة اتجاه ذهني يرى في «الوطن القومي» حلًا طبيعيًا وممكنًا. وربما لهذا السبب تحديدًا تُعدّ اليوم من الروايات المنسية، كما يشير مترجمها عماد أبو أحمد. فهي أدّت دورها التعبوي المبكر، ثم تراجعت أهميتها الأدبية.

توضح الرواية أيضًا قِدم المخطط الذي رسمه آباء الصهيونية لأرض فلسطين، خصوصًا أنّ مصير «الأرض الموعودة» بتعبيرهم ارتبط بكونها أرضًا جرداء خالية من الحضارة والسكان! ما يعيدنا إلى نغمة المقولات الإسرائيلية الأشهر «شعب بلا أرض لأرض بلا شعب» التي رافقت فترة الاجتياح الديني لأرض أميركا وإبادة السكان الأصليين في القرن السادس عشر، وهو ما حاول التذكير به منير العكش في كتابه «أميركا والإبادات العرقية» بكون إنشاء المستعمرات الأميركية كان تفسيرًا ثم تطبيقًا للمعنى الإسرائيلي كقوله: «إنّ فكرة أميركا، فكرة استبدال شعب بشعب، وثقافة بثقافة عبر الاجتياح المسلح، وبمبررات غير طبيعية، هي محور فكرة إسرائيل التاريخية».

هنا نصل إلى المفارقة الثالثة هي أنّ محور المقاربة للمشروع اليوتوبي الصهيوني الذي قدّمه هرتزل شبيه بالمشروع الأميركي. فالفلسفة المحرّكة لكلا المشروعين تصوّرهم أبطال القصة والشعب المختار والعرق المتفوّق، فيما ضحايا المشروعين هم الكنعانيون أو «الهنود الحمر» أي «البرابرة المتوحشون»! ومسرحهما أرض كنعان التاريخية أو «إسرائيل» كما جاءت في الكتب المقدّسة لديهم.

في كتاب عكش المذكور، يذكر أنّ المستوطنين الأوائل لأميركا إنّما ظنّوا أنفسهم «إسرائيليين» في بداية الأمر، وأطلقوا على الأرض التي احتلوها أسماء من قبيل «أرض كنعان» أو «إسرائيل الجديدة»، ومبرراتهما الحق السماوي أو الحضاري، بحجة أنّ الغير ليس مؤهلًا لمهمة وراثة الأرض، وينبغي الاستيلاء على أرضه واقتلاعه جسديًا وثقافيًا.

«أرض بلا شعب»... قلب السردية الصهيونية

الأخطر في الرواية إذًا، هو ما افترضته ضمنًا، من كون الأرض التي يُراد لها أن تكون «أرض الميعاد» هي مجرّد فضاءٍ خالٍ من التاريخ والسكان، أو في أحسن الأحوال، مكان بلا فاعلية حضارية، وأنّ اليهود هم من سيبنون هذه الحضارة.

تتجلّى هذه الرؤية في أحد مشاهد الرواية، حين يقدّم هرتزل طفلًا يهوديًا فقيرًا يحلم بالذهاب إلى «أرض إسرائيل». يقول: «إنها أرضنا، هناك يمكننا أن نكون سعداء». هذا المشهد، رغم بساطته، يمكن مقابَلته بالمشهد المذكور للنخبة اليهودية التي ترى في الصهيونية فكرة مضحكة. كأن الكاتب يرسم مسارين للتفكير: عقلٌ ساخر يرى المشروع مستحيلًا، وقلبٌ مؤمن يرى فيه قدرًا. وليس من المصادفة أن هذا الطفل -دافيد ليتفاك- نفسه سيغدو لاحقًا في الرواية من مؤسسي الدولة، لينقل عن لسانه: «اليهود وحدهم قادرون على بناء مجتمع حديث» في تعبير صريح عن فكرة الشعب المختار.

مع ذلك، لا يحسم هرتزل تناقضاته. فقارئ الرواية سيتساءل ضمنًا: هل اليهود مشروع ضحايا يبحثون عن ملجأ، أم أداة أوروبية لنقل الحضارة؟ وإذا كان الانتقال إلى فلسطين هروبًا من القمع، فكيف استمر الارتباط العضوي بالنموذج الأوروبي؟

الرواية التي مهّدت للاستعمار

في المحصّلة، يبدو أنّ هرتزل اعتمد هذا العمل كمسرح تتفاعل فيه تصوراته الصهيونية، وهذا أمر إنّما يدلّل على كون الرواية أداة للمشروع، إلى جانب محورية الرواية فضلًا عن النص الديني واعتماده كلغة يخاطب فيها مستهدفيه.

اعتمدت الرواية على أدبيات المرحلة –القرن التاسع عشر- المتأثّرة بالداروينية الاجتماعية والمشروع الاستعماري العام السائد في أوروبا حينها ومنطق القوة. كأن نقول إنّ اليهود يريدون أرض فلسطين بالقوّة بمعزل عن المعايير الأخلاقية لسببٍ بسيط هو كونه لا مانع أخلاقيًا -بنظرهم- يحول دون أخذ أرض فلسطين مع وجود سكان متجذرين داخلها، لأنّ الغرب «الأقوى» أراد ذلك! تمامًا مثلما فعل المهاجرون الأوروبيون لدى دخولهم الأرض الأميركية وقتلهم سكانها الأصليين، فيُنقل عنهم قولهم مثلًا: «لم نرتكب الإبادات الجماعية إلا لسببٍ واحد، وهو لأنّه لا مانع أخلاقيًا يحول دون ذلك».

لا يمكن قراءة الرواية بوصفها رواية بريئة أو تنبّؤًا أدبيًا، بل كنص يُدرّب القارئ على تقبّل مشروع استعماري قبل تنفيذه. بهذا المعنى، لا تتخيّل الرواية مستقبلًا بقدر ما تُمهِّد له، وتقدّم الصهيونية لا كاستثناء تاريخي، بل كامتداد طبيعي لمنطق استعماري كان سائدًا في أوروبا في القرن التاسع عشر.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد