ثلاث قصص عن الجنوب.. بين التضحية والصمود

post-img

حربٌ وضحايا

إيلي رزّوق

كانت أيّام حربٍ قاسية: دمٌ وأشلاءٌ في كلّ أرجاء الوطن. ولم يكن غالبٌ ولا مغلوب، بل شدٌّ لحبالٍ متفجّرةٍ حارقة. كانت أيام حربٍ ولكن، كانت الحياة مستمرّةً بشكلٍ مريب، وكأنّ الحرب لم تكن تعني كلّ من كانوا يعيشون على أرض هذا الوطن المسكين.

وكان ذاك اليوم من أيّام الخريف الباردة، يوم عطلةٍ لسلمى وزوجها، وهي فنّانةٌ ثلاثينيّةٌ عصاميّةٌ تخصّصت في التخطيط الرقميّ، وشقّت طريقها إلى النجاح والشهرة بالكثير من الكفاح والسهر والمثابرة.

أوحت لها تلك الظهيرة الباردة بإشعال نار الموقد واحتساء كأسٍ من نبيذ المشمش. كان كلّ ما حولها باردًا. فراحت تبحث عن بعض دفءٍ يُنسيها صراخ «جاي»، شريك حياتها الذي عاد بعد ساعاتٍ من نزهةِ صيدٍ غير موفّقة، وقرّر أن يمضي ما تبقّى من نهاره في تدخين حشيشٍ فاخرٍ تلقّاه هديّةً من رئيسه في العمل، واللعِبِ أمام شاشة حاسوبه، مُقاتلًا ومُتحدّيًا مجموعةً من البشر المتّصلين بشبكة الإنترنت من كلّ جنسيّات الكرة الأرضيّة.

أوقدت سلمى النار في الموقد، وسكبت لنفسها بعضًا من نبيذ المشمش في كأس كريستال، وأسلمت كيانها لِـ «شوبرت» الذي كان يقود فرقة الـ «تريو» خاصّته لتلعب موسيقاه من مكبّراتٍ للصوت زُرعت في كلّ أرجاء المكان.

اجتاح النبيذ والموسيقى جسد الفنّانة الذي امتلأ طاقةً، فراحت ترتّب بعض الأشياء المبعثرة على الرفوف وفي الخزائن، وتغسل الأواني المتروكة منذ ليلة البارحة. ثمّ قطّعت بعض الخُضر لتحضير حساءٍ خفيفٍ لوجبة الغداء. فجعلت قطع الخُضر في قدرٍ ملأته ماءً وأشعلت تحته نارًا خفيفة.

رتّبت الفنّانة منطقة الموقد ثمّ ثبّتت كأس النبيذ ذات اللون الفاتح إلى جانب النار، والتقطتْ صورةً جميلةً للكأس والموقد وروح المكان، وشاركتها على إحدى منصّات التواصل الاجتماعي، وأضافت إليها وصفًا معبّرًا مقتضبًا: «يوم آخر للحرب، يوم عطلةٍ رسميّة!».

مالت الشمس، فحاولتْ بعض خيوطها الهروب من بين غيوم الخريف، لتقتحم منزل سلمى وزوجها، في الوقت الذي كانت فيه الفنّانة تنتظر نضوج حسائها النباتيّ. رأتِ المرأة في الخيوط الخريفيّة النحاسيّة دفئًا وعزاء، فحملت كأسها وتوجّهت نحو النافذة لتمزمز ما بقي في الكأس من نبيذٍ لذيذ.

في تلك اللحظة، قفز عصفورٌ جريحٌ من على غصن شجرةِ مشمشٍ شبه عاريةٍ، وحطّ على النافذة التي كانت سلمى قد فتحتها للتوّ لكي تتيمّم ببعض النور والحرارة.

شهقت الفنّانة عند رؤيتها الطائر الجريح المحتضر وأخذته في يديها. ولما تحقّقت من عمق جرحه، دمعت عيناها، فتساقط الدمع على ريش رأس الشنقب وامتزج بدموع ألمه القاتل.

تمالكت سلمى نفسها، واستردّت رباطة جأشها، ثمّ أعادت الطائر إلى حافة النافذة، تداعب ريشه المبلول بالدموع بحنان.

فجأة، شعرت الفنّانة بحاجةٍ طارئةٍ إلى مشاركة الجزء الأخير من قصّة هذا المخلوق على مواقع التواصل الاجتماعيّ. فتناولت هاتفها الجوّال، وعادت لتقترب من الكائن الجريح، والتقطت له صورةً فنّيّةً وحمّلتها على أحد حساباتها، وجعلت فوق الصورة جملةً باللغتين الإنكليزيّة والعربية، عبّرت فيها عن حزنها الكونيّ وعن مشاعرها ما بعد التقدميّة التي تحرّكت لدى رؤيتها الشنقب الجريح:

- قلبي يذوب إذ أرى عينيك الدامعتَين المتوسّلتَين. أتمنّى لك عبورًا آمنًا من هذه الحياة الدنيا إلى حيث لا بشاعة ولا نهاية.

ما هي إلّا ثوانٍ حتى انهالت التعليقات على منشور الفنّانة من كل أصقاع المسكونة: «مسكين»، «يا #قلبي!!»، «يا حياتي»، «يا عدرااا»، «لا إله إلا #الله!!».

لفّت سلمى الطائر المحتضر بكفٍّ صوفيٍّ وأعادته الى حافّة النافذة لتتركه يسلم روحه بهدوء.

نضج الحساء، لكن سلمى فقدت شهيّتها بعد تلك الحادثة. لفّت الفنّانة الحزينة نفسها بغطاءٍ من حرير واستلقت على أريكةٍ قبالة الموقد، وراحت تقرأ تعليقات التعزية على هاتفها الجوّال إلى أن انتصر عليها نعاسٌ حنون.

مضى بعض الوقت قبل أن يخرج «جاي» من غرفة الحاسوب، مٌنهكًا من القتال الإلكترونيّ، منكّس الرأس من خسارة فريقه للحرب.

فتح الرجل جوّاله، ودخل إلى حساب زوجته ملقيًا نظرةً على منشوراتها، فأبدى إعجابه بها من باب الواجب، ثم وضع جوّاله جانبًا.

كانت عيناه اللتان احمرّتا نتيجة الحملقة في الشاشة الكبيرة لساعات، تكادان تتدلّيان من صدغيه. وبما أن جوعًا قاتلًا رافق العوارض المذكورة، عرف «جاي» أنّه أكْثَرَ من تدخين المعجونة اللبنانيّة الحمراء. فضحك ببطءٍ وتوجّه نحو المطبخ حيث راح يبحث عمّا يسدّ به جوعه، ليجد قدرًا فيه حساءٌ بدا شهيًا للوهلة الأولى.

لكنه عندما حرّك محتوى القدر، اكتشف أن الطبخ نباتيٌّ بحت. غضب «جاي» غضب الحشّاش، لكنّه لدى رؤيته زوجته غارقةً في غفوةٍ رحيمة، عاد وهدأ. ثمّ راح يبحث على مهلٍ في الثلاجة عن قطعةٍ من أيّ لحمٍ كان.

كاد بطنه يلتصق بظهره من الجوع، ولم يوحِ منظر الحساء النباتيّ في نفسه إلّا بجوعٍ أكبر. قصد خزائن المطبخ لعلّه يجد أيّ نوعٍ من اللحم المعلّب، فلم يجد. تناول زجاجة نبيذ المشمش وسكب بعضًا منه في كوبٍ بلاستيكيّ، وراح يرتشف النبيذ بشراهة ويتفقّد جديد الحرب ومنصّات الإنترنت على جوّاله، لتظهر أمامه من جديد صورة الشنقب المحتضر على صفحة زوجته النائمة. توجّه إلى النافذة على الفور، فتناول العصفور الذي لم يكن قد لفظ نفسه الأخير بعد، والتقط سكّينًا وذبح العصفور ونظّفه من ريشه وأحشائه ثم قطّعه ووضعه في مقلاةٍ وطهاه.

منتصرًا، جهّز «جاي» وجبة الغداء، فملأ صحنًا من الحساء النباتيّ ونثر قطع الطائر المقليّة لتطفو على سطح الحساء، وأبى رغم أيّام الجوع والحرب والحرمان، إلّا أن يلتقط صورةً لفنّه في الطهو وأن يحمّلها كتعليقٍ على صورة الطائر الجريح التي نشرتها زوجته، وزاد على الصورة شرحًا لطريقة التحضير: بين دموع الشنقب ودموعِكِ، لم أستعمل لطهوه سوى بعض المطيّبات، فقد كان مِلحُه فيه.

وضع «جاي» جوّاله جانبًا وتناول طعامه بينما يشاهد بعض الأفلام القصيرة على لوحِه الذكيّ.

أفاقت سلمى من نومها مذعورةً بعد أن حاصرتها أشباح العالم الرقميّ في كابوسٍ سمج، فالتقطت أنفاسها وهرعت نحو جوّالها الذي كاد ينفجر إثر موجات الإشعارات الآتية من كل حدبٍ وصوب، إشعارات تعليقاتٍ على ما علّق به «جاي» تحت منشورها: «يا مجرم»، «من هذا الحقير المتوحّش؟»، «يا لقساوة قلبك!»، «أين إنسانيتك»، «@جمعية الرفق بالحيوان»، «#أنقذوها».

ثبت سلمى من على أريكتها بشعرها المنكوش وجسدها المنكوب حاملةً جوّالها لتضعه في وجه زوجها وتريه ما آل إليه الوضع على صفحتها. ثمّ بحركةٍ سريعةٍ محَت الفنّانة المنشور وتوجّهت نحو غرفتها ووضّبت أغراضها وتركت منزل زوجها إلى غير رجعةٍ من دون أن تنبس ببنت شفة.

فيما كانت قطع الشنقب تتحوّل في أحشاء «جاي» إلى براز، تلقّى اتّصالًا هاتفيًّا من رؤسائه في العمل ليخطروه بطرده من وظيفته إذ خاب أملهم في أخلاقه ومهاراته الإجتماعيّة.

هكذا انتهى يوم العطلة الخريفيّ. وكانت حصيلة ذاك النهار من اعتداءات العدوّ على أرض الوطن وشعبه مئةً وسبعًا وثمانين شهيدةً وشهيدًا، وألفًا ومئتين وإحدى عشرة جريحةً وجريحًا، وقُدِّرت الخسائر المادّيّة بالمليارات.

سوارة العروس

الياس الهاشم

وصلتُ إلى مغدوشة، وعلى الطريق من بيروت كان حَبْلُ الذاكرة يربطني بمحطّات الوجع في الجنوب، صُوَرُ الأبطال تضمّني إلى صدرها، وتفتح لي أبواب زنازين المعتقلات.

رحتُ أتأمّل القبضات القابضة على تراب الجنوب وكيف صارت الدماء ينابيع عزّ، وخبزَ حياة.

دخلتُ الدار وكان جوزيف ينتظرني، عانقتُ ضوءَ القلم في عينيه، وفلشتُ على طاولته زوّادةً من بعلبك، سرّح دمعتين، وقال لي: «طالِع عَ بالي فِلْ».

قلتُ: لا، ولِمَنْ ستتركُ «إسوارة العروس»؟

لا تخفْ، قال لي، المشغولةُ بـ«الدَهَب» محروسة بالزنود السُّمر التي لا تموت، لكنّني خائفٌ عليها من «دَهَب» العرب.

مصرع طائر

مهدي زلزلي

حطّ البلبل في وسط الطريق السريع. جثم في مكانه لثوانٍ، واثقًا من ذكائه وسرعته وقدرته على المناورة، ومتّكلًا على ندرة السيارات العابرة في زمن الحرب العدوانية على الجنوب.

لكن السيارات العابرة - على قلّتها - تُضاعِف سرعتها في أزمنة الخوف، وكأنها بهذه الحيلة قادرة على أن تفقد المُسيّرات القدرة على اصطيادها.

هكذا، قضى البلبل بصدمة سيارة كهربائية صديقة للبيئة، بينما يهمّ بالطيران فوق طريق سريع تحيط به من الجانبين أدخنة الغارات.

المتحدّث المُلهَم، الذي شاهد الحادثة من خلال مرآة سيارته الجانبية، بينما يسلك الاتجاه المعاكس نحو الجنوب كي يحاول إقناع والدته بمرافقته إلى مكان أكثر أمنًا، فكّر في أنه وقع على حكمة جديدة يرميها في وجه مريديه السكارى بحكمته: لو استعجل الطائر لنجا، ولو تأنّى لنجا، ولكنه اتّبع تلك القاعدة القديمة التي تقول بأن «خير الأمور أوسطها»، فدفع حياته ثمنًا!

طرب المتحدّث المُلهم لحكمته العميقة، فتوسّع في شرحها لنفسه: لو بكّر قليلًا في طيرانه لارتقى فوق السيارة قبل وصولها إليه، ولو فكّر بعقلانية بعد اقتراب السيارة المسرعة منه إلى هذا الحدّ، وبقي متشبّثًا بالأرض، لأنقذه الكمون وعبرت السيارة فوق جسده الصغير من دون أن تصيبه بأذى. هي مواقيت اتخاذ القرار إذًا، وقد اختار البلبل أسوأها، وليس علينا إلا أن نتعلم منه هذا الدرس كي ننجو.

الناشط البيئي الذي مرّ في المكان، شاهد بدوره الحادثة، وفكّر في أن القطع الجائر للأشجار في الوادي القريب، هو ما دفع الطائر المسكين إلى هذا المكان، بحثًا عن بيئة مناسبة، مصنّفًا إياه كضحية جديدة من ضحايا الفساد في هذا البلد، وآسفًا لأن حياة الطيور ليست أمرًا ذا شأن في هذه البلاد في الأوقات العادية، فكيف بها في مواسم الموت؟

المراسل الذي أوفدته وكالته إلى الجنوب آملةً أن تحميه كلمة «صحافة» المكتوبة بالأشرطة اللاصقة وبالخط العريض على سقف سيارته، وزوّدته بخوذة ودرع كحليين جديدين على سبيل الاحتياط، شاهد جثمان الطائر إلى جانب الطريق فلم يجد في صورته إلا لقطة ممتازة للدلالة على قساوة شبح الموت الذي يفغر فمه في وجه الضحايا يوميًّا على هذه الأرض.

الشاعر الذي ينهب بسيارته الأرض نهبًا، مقتفيًا أثر حبيبته النازحة إلى النصف الآمن من الوطن، حمد الله أنها لم تكن معه لترى هذا المشهد المؤلم، وهي المُرهفة العاشقة للطيور على أنواعها، فينكسر قلبها على صاحب الرأس الأسود الصغير والعينين الواسعتين الجميلتين.

الصياد، استدار بسيارته عائدًا ليتأكد من موت الطائر المُلقى إلى جانب الطريق، متأسّفًا على تلك الميتة المجانية، فالطيور لم تُخلق لتموت هكذا، بل بطلقات من أيدٍ محترفة، ولحمها الشهيّ حرام أن يذهب هدرًا. لم يلتفت الصياد، ولا المتحدّث المُلهم، ومثلهما الشاعر العاشق والناشط البيئي، إلى أن الطيور، بحسب دراسة نشرتها صحف غربية، تراعي – خلافًا للبشر - حدود السرعة على الطرق، وتضبط استجابتها للخطر وسرعتها في التحليق على السرعة المسموح بها، فإن تجاوز السائقون السرعة المُحدّدة رسميًّا، دفعت الطيور ثمن حملها القوانين على محمل الجدّ!

وحده المقاتل الذي كان يتجه جنوبًا، آتيًا من البقاع كي يلتحق برفاقه على خط النار، كان قد قرأ هذه الدراسة، وقرّر أن السرعة الزائدة للسيارة الكهربائية تسبّبت بحادثة الطريق السريع، وأن سائقها لم يكن ليسرع إلى هذا الحدّ لولا خوفه المشروع، وأن هذا الخوف لن يبدّده إلا مواصلة القتال حتى النهاية، حتى تخلو السماء من الطائرات، فتتّسع للطيور.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد