عندما كتبت، قبل أكثر من عقد عن "ممرات الغاز العالمي.. سر الصراع الدائر"، كانت الفكرة المركزية التي حاولت تفكيكها أن الصراع، في منطقة جنوب غرب ىسيا (الشرق الأوسط)، لا يدور على امتلاك مصادر الطاقة وحسب؛ أيضًا على امتلاك طرق عبورها. إذ إن الغاز والنفط لا يكتسبان قيمتهما من وجودهما في باطن الأرض فحسب، إنما من القدرة على نقلهما إلى الأسواق. من هنا؛ تصبح الممرات جزءًا من معادلة القوة، وتتحول الدول التي تقع على تلك المسارات إلى عقد استراتيجية تتجاوز قيمتها الجغرافية حدودها السياسية.
في ذلك العالم، كانت معادلة الأمن تقوم على فكرة واضحة: إن الدولة التي توفر ممرًا للطاقة تصبح محمية بمصالح القوى المستفيدة من هذا الممر. هذا؛ لأن استقرارها يعني استقرار تدفق الطاقة، وأي تهديد لها يصبح تهديدًا لشبكة اقتصادية أوسع. لهذا لم تكن الصراعات على خطوط الغاز مجرد خلافات اقتصادية، لقد كانت صراعًا على إعادة رسم النفوذ، وعلى تحديد من يملك موقع العقدة في خريطة الطاقة العالمية.
لكن ما تغير، خلال العقد الأخير، ليس فقط خرائط التحالفات، أيضًا طبيعة الحرب نفسها. لقد ظهرت أدوات قتالية أعادت تعريف مفهوم الأمن، وفي مقدمتها المسيّرات بأنواعها المختلفة والذخائر الجوالة والأسلحة الدقيقة منخفضة الكلفة. هذه الأدوات لم تضف عنصرًا جديدًا إلى ميادين القتال فحسب، نسفت أيضًا إحدى الفرضيات الأساسية التي قامت عليها الجيوبوليتيك الحديثة، وهو أن الجغرافيا تمنح الحماية.
لقد كانت المسافة، في الماضي، عامل أمان، وكانت التضاريس والممرات الطبيعية عوائق تحدّ من قدرة الخصم على الوصول. أما اليوم؛ فقد أصبحت المسافة أقل أهمية، وتحولت المنشآت الثابتة إلى أهداف مكشوفة مهما بلغت قيمتها الاقتصادية أو موقعها الجغرافي.
بناء على ذلك؛ تظهر المفارقة الكبرى في سباق البحث عن بدائل لمضيق هرمز. هذا؛ لأن الدول التي تسعى إلى تجاوز نقطة الاختناق البحرية، عبر خطوط أنابيب برية، تفترض ضمنيًا أن الانتقال من البحر إلى البر يعني الانتقال من الخطر إلى الأمان. لكن الواقع الجديد يقول إن الخطر لم يعد مرتبطًا بمكان الممر، بل بوجود الممر نفسه.
ذلك أن خط الأنابيب الذي يمتد مئات أو آلاف الكيلومترات، بما يحتويه من محطات ضخ وتجميع وتخزين، ليس مجرد وسيلة نقل، هو شبكة أهداف ثابتة يمكن استهدافها وتعطيلها. كذلك محطات الإسالة والموانئ والمنشآت المرتبطة بها. لقد أصبحت بنية الطاقة التحتية جزءًا من ميدان المعركة، لا خارجها.
في السابق؛ كان الصراع يدور على من يسيطر على الطريق. أما اليوم؛ فقد انتقل الصراع إلى سؤال مختلف: من يستطيع تعطيل الطريق؟ هذه نقلة استراتيجية عميقة؛ لأن تكلفة التعطيل أصبحت أقل بكثير من تكلفة الحماية؛ فقد تستطيع أداة هجومية محدودة الكلفة إحداث أثر اقتصادي وسياسي يفوق بكثير قيمتها المادية.
لذلك؛ مفهوم "الممر الآمن"، والذي حكم التفكير الاستراتيجي عقودًا، بدأ يفقد معناه؛ فليس هناك ممر يمكن فصله عن بيئته الأمنية، وليس هناك منشأة طاقة يمكن أن تكون بعيدة عن دائرة الاستهداف في عصر أصبحت فيه القدرة على الوصول متاحة بأدوات صغيرة ودقيقة ومنخفضة الكلفة.
لقد انتقل العالم من عصر كانت فيه السيطرة على الجغرافيا تمنح النفوذ، إلى عصر أصبحت فيه القدرة على تعطيل الجغرافيا مصدرًا جديدًا للقوة. لم يعد السؤال: من يملك الميناء أو المضيق أو خط الأنابيب؟ بل من يملك القدرة على جعل هذه المنشآت تعمل أو تتوقف؟
لذلك؛ الصراع على الطاقة، في منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط) يدخل مرحلة مختلفة. إذ إن المعركة لم تعد فقط على اختيار المسار الأفضل لنقل الغاز والنفط، أصبحت على إعادة تعريف معنى الأمن نفسه؛ حيث يمكن للدول أن تبني خطوطًا جديدة، وتفتح موانئ بديلة، وتبحث عن طرق التفاف على نقاط الاختناق التقليدية، لكن التكنولوجيا العسكرية الجديدة جعلت هذه الخيارات كلها معرضة للخطر.
المشكلة، إذًا، ليست في مضيق هرمز وحده، ولا في أي ممر بعينه.. المشكلة أن عصر الممرات الآمنة يقترب من نهايته.. ففي عالم المسيّرات، لم تعد الجغرافيا حصنًا، لقد أصبحت قائمة أهداف، ولم تعد قوة الدولة تقاس فقط بما تملكه من موارد أو ما تمر عبر أراضيها من خطوط طاقة، بل بقدرتها على حماية هذه الموارد وهذه الخطوط في بيئة أصبح فيها الوصول إلى العمق أسهل من أي وقت مضى.
تلك، ربما، تكون القاعدة الجديدة التي ستعيد تشكيل خريطة الطاقة والصراع، في القرن الحادي والعشرين: ليس من يملك الممر فقط، أيضًا من يستطيع أن يمنع الآخرين من تعطيله؟