في زمن تتجاوز فيه الحروب ساحات القتال إلى الشاشات والمنصّات، تتحوّل السردية إلى سلاح لا يقلّ تأثيرًا عن القوة العسكرية. في مواجهة إعلامية استضافها الإعلامي البريطاني بيرس مورغان، وخاضها محمد ماراندي مع المحامي الأميركي آلان ديرشويتز، برزت معركة الرواية بوصفها مواجهة على تشكيل الوعي وتفكيك الخطاب الصهيوني أمام جمهور غربي
تخفت أصوات المدافع في الشرق الأوسط، وما تلبث أن تعود وترتفع، فيما تستمرّ المعركة في ساحة أخرى لا تعرف الهدوء. في حرب الرواية والصورة والكلمة، تتنافس الأطراف المتناحرة على تشكيل «الحقيقة» وفرضها في وعي الجمهور.
في الوقت الذي تبحث فيه «إسرائيل» جاهدة عن ترميم صورتها المتصدّعة بين الحشود الغربية، استضاف الإعلامي البريطاني بيرس مورغان في برنامجه الحواري قبل أيام، ضيفين من المعسكرين المتنافسين. الضيف الأول يُعرف بـ «محامي الشيطان»، وهو بالفعل الأميركي اليهودي، آلان ديرشويتز، محامي جيفري إبستين ودونالد ترامب الأسبق. أمّا الثاني فهو الأكاديمي الإيراني الذي عايش الحصار الأميركي على بلاده على مدى 47 عامًا، ونجا من مجازر الصواريخ الكيميائية المباركة غربيًا، التي حصدت عشرات الآلاف من أبناء جلدته.
محمد ماراندي دخل الحلقة النارية بوصفه نجمًا إعلاميًا صاعدًا في لحظة سياسية فاصلة في تاريخ بلده، وخرج منها ناصرًا للمستضعفين والمظلومين من الأنظمة الاستعمارية والعنصرية. طوال مدة الحوار، راح يُفكّك شيفرات السردية الصهيونية، مُكبّدًا خصمه خسائر إعلامية قاسية في كلّ جولة. مِن وصفهم بالنازيين، إلى تسمية ما يجري في قطاغ غزة بـ «الهولوكوست»، أجهد الأستاذ الإيراني على محاولات المحامي الأميركي إظهار نفسه بمثابة المُبشِّر بالديمقراطية والمُدافِع عن الحريات الشخصية. لكنّ أبرز ما أدلى به أتى من خارج صندوق النقاشات الاعتيادية، إذ وقف ماراندي فوق المصلحة الشخصية أو دوره الوظيفي كمحاور سياسي، متحدّيًا المقلب الآخر بأنّ زمن الخوف قد ولّى، وسيبقى على نصرته للشعب الفلسطيني حتّى لو استهدفته قنابلهم في منزله.
إحراج ثمّ إخراج مورغان
بدأت الحلقة بطريقة هادئة، حاضر فيها محامي جيفري إبستين الأسبق بـ «العفّة»، بصفته الأميركية التي تخوّله التحدّث نيابةً عن الحريّة والديمقراطية. لكن سرعان ما تخلّى محمد ماراندي عن «الصبر الاستراتيجي»، مطيحًا بالضيف والمضيف في آنٍ. في معرض جوابه على ادّعاءات آلان ديرشويتز تجاه الوضع الداخلي الإيراني، ذكّر ماراندي المشاهدين بخلفيّة خصمه في حلبة الملاكمة الإعلامية، قائلًا: «في آخر نصف ساعة، انشغلنا بالاستماع للمتحدّث الرسمي باسم الإبادة ورفيق درب إبستين، الذي واظب على التردّد إلى جزيرة الاغتصاب، لذلك كل ما يتفوّه به هو محض هراء».
استدعى السقف العالي للبروفيسور الإيراني تدخلًّا مزودجًا من المحامي الأميركي اليهودي وبيرس مورغان على حدٍّ سواء. لكن عوضًا عن ترويضه، عاد ماراندي ليدقّ مسمارًا في نعش مسيرة ديرشويتز المهنية، مستهزئًا من عدم قدرة محامي دونالد ترامب وغيره من الشخصيات البارزة، على «تقبّل كلام شخصٍ عادي، ما يدلّ على مدى ضعف حجّته».
أمّا مورغان، فكان له حصّة الأسد من الجواب الافتتاحي الذي جعل المُضيف يجلس كمتابع لمعظم محطات باقي الحوار. انتقد ماراندي الإعلامي البريطاني على «الحبّ» الذي يبديه تجاه المحامي الأميركي المُدافِع عن الإبادة. من جهته، حاول مورغان تبرير ذلك متكئًا على ذريعة «الموضوعية»، لينقضّ عليه المحلّل الإيراني متهمًا إيّاه بالوقوف إلى جانب النظام القائم على العنصرية العرقية، وهو ما لم ينفه الإعلامي اليميني ليُكمِل باقي الحلقة من دون مشاكسات تُذكر لحفظ ما تبقّى من ماء الوجه.
الصهيونية النازية
بعد تركه وحيدًا في الميدان، ضاقت بوجه آلان ديرشويتز، الحجج وبهتت السرديات الغربية المُعلّبة أمام جرأة المحلل الإيراني على تسمية الأمور بحقيقتها. لذلك، هرب ديرشويتز إلى إخراج بطاقة الضحية، حيث الذريعة الآمنة التي تلجأ إليها البروباغندا الصهيونية عند محاصرتها. عاد إلى حقبة الحرب العالمية الثانية، مستجلبًا ظروفها ومشبّهًا سرديات خصمه الإيراني بحملات جوزيف غوبلز الإعلامية النازية في عام 1935. استلحقه ماراندي سريعًا، لم يَخَف من استحضار الملفّ الذي يلعب على «الأوتار الحسّاسة» في الإعلام الغربي، وقال له: «لسنا في ذلك العام، بل نحن في عام 1942، وأنتم النظام النازي الذي يقوم بالهولوكست في قطاع غزة، أنتم الوحش الشرير». وبينما تصبّر المحامي الأميركي، تابع الضيف الإيراني تصويب الحقائق: «ليس نظامنا الذي قطع الحياة عن الرُّضَّع والأطفال الخُدَّج في مستشفى النصر وتركهم ليموتوا».
حاول بيرس مورغان مساندة ضيفه المأزوم آلان ديرشويتز
لم يعتد بيرس مورغان ولا ضيوفه من المحور الصهيوني، على أجوبة مباشرة من المحاورين بالشكل الذي قدّمه الأستاذ في جامعة طهران. لكنّ ما أضفى مصداقية على سردية الضيف الإيراني، كان اقترانها بحقائق واقعية على عكس خصمه في الجبهة الأخرى. بينما طالب ديرشويتز إيران بتقديم «ضمانات بعدم تصنيع أسلحة دمار شامل»، عاجله ماراندي بالتذكير بأنّ الأسلحة الكيميائية سبق بالفعل أن استُخدمت ضدّ بلاده، قائلًا له: «لقد نجوت شخصيًا من هجومين كيميائيين ولديك الجرأة أنّ تُحذِّر من استعمال إيران لهذه الأسلحة؟».
تابع أنّ القيادة الإيرانية رفضت تصنيع هذا النوع من الأسلحة حتّى في أحلك الظروف خلال الحرب الإيرانية – العراقية، في الوقت الذي منعت فيه الولايات المتحدة عن إيران حتّى استيراد الأقنعة الواقية من الغازات، ما اضطرّهم إلى شراء ما تيسّر من كميّات من السوق السوداء. تصبّر ديرشويتز من دون حيلة وهو يستمع للبروفيسور الإيراني يستعرض التاريخ منهيًا الفقرة بقوله: «تتحدّث عن أسلحة الدمار الشامل، بينما قُتل أصدقائي بأسلحتكم الكيميائية، كما أنّكم من استخدم الأسلحة النووية مرتين».
لا للإبادة
لم يحصر ماراندي براهينه بالشواهد التاريخية والآراء الشخصية، بل تطرّق إلى الواقع الحالي الذي يُظهِر مطالبة نحو نصف اليهود الأميركيين الذين لم يتجاوزوا الخامسة والثلاثين، بدولة واحدة على أرض فلسطين حيث يعيش اليهود والمسلمون والمسيحيون بحقوق متساوية. وتوجّه إلى ديرشويتز سائلًا عن سبب قصف الولايات المتحدة و«إسرائيل» الكنيس اليهودي في طهران، «أليس لأنكم تكرهون اليهود غير المتصهينين؟ أنتم معادون للسامية لأنكم تقتلون الساميين الفلسطينيين بينما يعود أصل جميع قادة الاحتلال إلى أوروبا الشرقية».
كما أشار إلى حديث قديم للرئيس الأميركي الأسبق، رونالد ريغان، حين وصف الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 بـ «الهولوكوست»، لافتًا إلى أنّ ما يحصل في غزة أسوأ بأشواط من ذلك. بالنسبة إلى ماراندي، الذنب الوحيد للشعب الإيراني ولـ «حزب الله» ولليمن هو رفضهم حرب الإبادة، وهي التهمة التي تلاحقهم منذ أكثر من أربعة عقود.
حاول الحاضر الغائب، بيرس مورغان، مساندة ضيفه الأميركي المأزوم، عارضًا عليه سؤال النجاة حول ما إذا كان يقبل بمساواة بين الشرائح المختلفة في فلسطين، وهو ما رحّب به ديرشويتز. إلّا أنّ ماراندي لم يسمح بالجواب الملغوم أن يقطع مرور الكرام، معيدًا صياغة السؤال بما يشمل اللاجئين الفلسطينيين في الضفة وغزة والشتات، وعودتهم جميعًا إلى مسقط رأسهم والعيش في دولة واحدة تُساوي بين اليهود والمسلمين والمسيحيين، ليتبيّن أنّ جواب ديرشويتز يقضي بإقامة «دولة» مستقلّة في ما تبقّى من غزة والضفة الغربية لا أكثر.
فداء لفلسطين
في خضمّ المحاضرة التي قدّمها آلان ديرشويتز، لبس عباءة المُدافِع عن الحريات الشخصية والسياسية والمُرسل لنشر الديمقراطية، عارضًا جهوده المهنية للمرافعة عن الإيرانيين ضدّ نظامهم. وبينما ادّعى مقتل أكثر من خمسين ألف إيراني على يد القوات الإيرانية، وقع الأستاذ في جامعة هارفارد في فخّ سرديته غير المتكاملة بعد لجوئه إلى حادثة إعدام إيرانيين الأسبوع الماضي كنموذج عن الارتكبات المزعومة. دفعت هذه الادّعاءات ماراندي للانتفاض قائلًا: «أنا سعيد جدًا لاستحضارك هذه الحادثة، أنت ساذج ولست بالمحامي الجيّد لكونك تجهل أنّ الشخصين الذين أُعدما كانا قد أحرقا أربعة من رجال الشرطة الإيرانيين وهم على قيد الحياة، ثمّ انقضّوا عليهم بالسكاكين بشكل متكرّر».
لم يجد محامي إبستين سبيلًا للخروج من الإحراج، مستسلمًا لقدرة البروفيسور الإيراني على تفريغ جميع سردياته الإعلامية من مضمونها. أمّا ماراندي، فظلّ يُفنِّد الطرح الغربي حول الوضع الداخلي الإيراني، مشيرًا إلى تظاهر عشرات الملايين الإيرانيين دعمًا لدولتهم. كما تطرّق إلى التمرّد المسلّح المدعوم خارجيًا، الذي نتج منه سقوط أكثر من ثلاثة آلاف إيراني، مستشهدًا باعتراف القناة الرابعة عشرة العبرية المُقرّبة من رئيس الوزراء بينامين نتنياهو، بأنّ الأميركيين والإسرائيليين أرسلوا السلاح للمساعدة في التمرّد. على وقع التعرية الإعلامية، اعترف المحامي الأميركي وأخرج مكنوناته ليعبّر عن أمنيته بأنّ تتمكّن واشنطن وتل أبيب من الإطاحة بالنظام الإيراني.
تواصلت تردّدات الحلقة الحوارية على مدى أيام على وسائل التواصل الاجتماعي، وتناقل الناشطون المقاطع المُجتزأة بكثافة. استطاع الأستاذ الإيراني تقديم السردية الخافتة في الاستديوات الغربية وإبراز صوت الضحية، وهو ما تحسب له تل أبيب ألف حساب في إطار نزيفها الشعبي الحادّ بين الجماهير الأوروبية والأميركية خلال السنوات الأخيرة. لكن ما ميّز الحوار عن غيره من النزالات الإعلامية النارية، كان جرأة محمد ماراندي في وصف المحاور على المقلب الآخر كما هو.
أمّا المفاجأة الأكبر، فكانت تسمّر آلان ديرشويتز بدون جواب حين وُصف بـ«الجبان الذي لا يملك أي مبادئ ولا منظومة قيم». كذلك، نجح ماراندي في كسب ثقة المشاهدين عبر استحضار التجارب الشخصية لتفكيك السرديات الإعلامية، ولا سيّما عندما قال للمحامي الصهيوني: «يمكنكم قتل من تشاؤون، وبإمكانكم قصف منزلي وقتلي مع عائلتي، لكنّني لن أخاف منكم، سأظلّ على دعمي للشعب الفلسطيني حتّى تصل قنابلكم إلى منزلي. اذهب وبلّغهم، أنا مستعدّ للموت من أجل الفلسطينيين».