ودائع "الفريش": ارتفاع فوائد المصارف بالليرة والدولار

post-img

علي نور الدين (صحيفة المدن)

بعد حصول الأزمة المصرفيّة في الربع الأخير من عام 2019، شهد متوسّط فوائد الودائع بالليرة اللبنانيّة والعملات الأجنبيّة هبوطاً حاداً، في القطاع المصرفي اللبناني. فعلى مدى السنوات التالية، لم تكن المصارف مضطرّة لمنح الفوائد المرتفعة، للحفاظ على الودائع الموجودة لديها، طالما أن السحب والتحويل متعذّران، إلا ضمن السقوف المحدّدة من قبل مصرف لبنان. كما لم تكن المصارف تتنافس فيما بينها، لاستقطاب الودائع الموجودة أصلاً في القطاع. بل كانت، وعلى العكس تماماً، تقيّد الإيداع وفتح الحسابات بالدولار المحلّي، للحؤول دون رفع التزاماتها بالـ"دولار". أمّا الحسابات "الفريش"، للأموال الجديدة (أو الطازجة)، فكانت -في البداية- مخصّصة للعمليّات السريعة والجارية. 

غير أنّ المشهد بدأ بالتبدّل. إذ تشير الأرقام إلى أنّ متوسّط الفوائد الممنوحة للمودعين، بالعملات الأجنبيّة والليرة اللبنانيّة، بدأ بالارتفاع مؤخراً، بتأثير من الفوائد التي تمنحها المصارف للودائع "الفريش". وهذا ما شكّل منعطفاً في بيئة وبنية الفوائد المصرفيّة اللبنانيّة، التي تحدّد طبيعة العلاقة ما بين المصارف والمودعين. كما يؤشّر ذلك إلى أنّ حركة الأموال الجديدة (الفريش) لم تعد تقتصر على الحسابات الجارية فقط، بل باتت تشمل الودائع المجمّدة المُدرّة للفوائد.

ارتفاع متوسّط الفوائد

في أولى مراحل الأزمة، وللأسباب التي أشرنا إليها سابقاً، انخفض بشكلٍ تدريجيّ متوسّط الفوائد المدفوعة على الحسابات بالليرة اللبنانيّة، من 9.4 بالمئة في تشرين الثاني 2019، إلى 0.65 بالمئة في تشرين الثاني 2022. كما انخفض، على النحو نفسه، متوسّط الفوائد المدفوعة على الحسابات بالعملات الأجنبيّة، من 6.61 بالمئة في تشرين الأوّل 2019، إلى 0.1 بالمئة فقط في تشرين الأوّل 2022. 

أي بمعنىً آخر، هبطت الفوائد الممنوحة للمودعين، حتّى كادت تلامس العدم، بعدما غابت علاقة العرض والطلب على السيولة التي تحكم تحديد الفائدة، وباتت الودائع محكومة بقيود قسريّة وسحوبات تحددها التعاميم. ولهذا السبب، لم يكن لدى المودع أي حافز لتجميد الدولارات المحليّة لفترات إضافيّة، كما كان يجري قبل الأزمة.

أرقام مصرف لبنان الأخيرة، تشير إلى تحوّل مهم شهده القطاع المصرفي مؤخراً. فمتوسّط الفوائد المدفوعة على الحسابات بالليرة اللبنانيّة ارتفع بشكلٍ متدرّج، من 1.58 بالمئة في حزيران 2025، إلى 3.76 بالمئة في أيّار 2026، وصولاً إلى 5.19 بالمئة في حزيران 2026. وبهذا الشكل، عكست الأرقام تأثير شحّ النقد بالليرة اللبنانيّة في السوق، واضطرار المصارف إلى تسديد فوائد أعلى لاستقطاب السيولة الطازجة بالعملة المحليّة، لتلبية الطلب على الليرات. مع العلم أنّ استعمال هذه السيولة لا يقتصر على التسليف للعملاء، بل يشمل كذلك الاقراض اليومي بين المصارف، وفقاً لفوائد يُحددها حجم العرض والطلب على السيولة. 

في الوقت نفسه، ارتفع متوسّط الفوائد على الودائع بالعملات الأجنبيّة، من 0.04 بالمئة في حزيران 2025، إلى 0.09 بالمئة في أيّار 2026، وصولاً إلى 0.1 بالمئة في حزيران 2026. وتجدر الإشارة إلى أنّ تعاميم مصرف لبنان فرضت على المصارف الاحتفاظ بالسيولة الطازجة بالعملات الأجنبيّة كأموال جاهزة للاستعمال، في حساباتها في الخارج، وهو ما يمنع إقراض هذه السيولة بالتحديد للعملاء. غير أنّ المصارف لا تزال قادرة على تحصيل نسبة معيّنة من الفوائد، من توظيفاتها في الخارج، وهو ما يسمح بتسديد الفوائد للودائع الجديدة (الطازجة).

بهذا الشكل، يتضح من الأرقام أنّ علاقة المصارف بالمودعين، من أصحاب السيولة "الطازجة"، لم تعد تقتصر على الحسابات الجارية فقط. بل عادت المصارف لاستقبال الودائع المجمّدة بالليرة والعملات الأجنبيّة، مقابل فوائد دوريّة، وهو ما رفع من متوسّط نسبة الفائدة في الحالتين. وبالنسبة إلى السيولة الطازجة بالليرة اللبنانيّة، كان بإمكان المصارف الاستفادة من هذه الودائع في أنشطة الإقراض (في ما بينها، أو مع العملاء). كما كان بإمكان المصارف الاستفادة من السيولة الطازجة بالدولار الأميركي، لزيادة توظيفاتها في الخارج، المدرّة للفوائد. 

فوائد التسليف

بالتوازي مع ذلك، أظهرت الأرقام حركة معاكسة على مستوى فوائد التسليف. فبينما ارتفعت الفوائد التي تدفعها المصارف لاستقطاب الودائع، تراجعت تدريجياً الفوائد التي تتقاضاها على القروض الجديدة. وبحسب أرقام مصرف لبنان، انخفض متوسّط فوائد التسليف بالدولار من 4.83 بالمئة في حزيران 2025 إلى 4.27 بالمئة في أيّار 2026، ثم إلى 4.10 بالمئة في حزيران. أمّا بالليرة اللبنانيّة، فتراجع المتوسّط من 9.11 بالمئة في حزيران 2025 إلى 8.35 بالمئة في أيار 2026، ثم إلى 6.18 بالمئة في حزيران 2026. وبهذا الشكل، يتّضح أن عودة المصارف لتقدير القروض الجديدة، بالسيولة "الفريش"، أدّى إلى خفض المتوسّط العام لفوائد التسليف، لا العكس.

ومع ارتفاع متوسّط فوائد الودائع، في مقابل انخفاض متوسّط فوائد القروض، تقلّص الهامش الذي تحققه المصارف من الفارق بين المتوسّطين. إذ انخفض هذا الهامش بالنسبة لليرة اللبنانيّة من 558 نقطة أساس في أيار 2026، إلى 481 نقطة أساس في حزيران 2026، كما انخفض بالنسبة للعملات الأجنبيّة من 413 نقطة أساس في أيار 2026، إلى 411 نقطة أساس في حزيران 2026. وما يعكس انخفاض الربحيّة المُحققة، من استقبال السيولة الجديدة، في مقابل أنشطة التسليف والتوظيف التي تقوم بها المصارف. 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد