في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، حين كانت أنصار قرية من قرى جنوب لبنان تنام على وعد هدنة هشة، كان في البيت الصغير عند أطراف البلدة ما تحمله كل البيوت: خبز تُرك على الرف لصباح الغد، دفتر مدرسي مفتوح على صفحة لم تُنجز واجباتها، حذاء طفل صغير عند العتبة وضعه صاحبه هناك لينتعله حين يصحو. لم يكن في البيت جيش ولا مدفع ولا خط دفاع. كان فيه أب وأم وأربعة أطفال، ونوم يشبه نوم كل الناس في كل مكان، وغدٌ كان مرسومًا بتفاصيله الصغيرة: مدرسة، وفطور، ويوم عادي آخر.. ثم جاء الصوت. صوت واحد طويل، غيّر كل شيء. حين خفّ الغبار، لم يعد أحد يسأل عن الأسماء، صار السؤال: أين هي الأسماء؟ ست بطاقات هوية، ست خانات في سجل مدني، مُحيت في لحظة واحدة. ماذا يعني أن تُمحى عائلة كاملة من سجل الأحياء بضغطة زر، فيما العالم يتابع نشرة الأخبار ثم يُغيّر القناة؟
مسار الإنسانية المقتول
لم تكن غارة أنصار حادثًا عابرًا في سجل الحروب، هي غيرها من عشرات الغارات التي سبقتها، محطة من مسار طويل تحوّلت فيه الحرب من مواجهة بين جيوش إلى استهداف للبيوت والعائلات والذاكرة. حين يتحدث العسكريون عن "أهداف"، يعني ذلك أحيانًا منزلًا فيه أطفال نائمون، فاللغة نفسها قد انهارت قبل أن ينهار الحجر. هذا ما يمكن تسميته مسار الإنسانية المقتول: ليس فعلًا واحدًا، سلسلة متراكمة من القرارات التي جعلت من الجسد المدني (الطفل، الأم، النائم في فراشه) جزءًا مقبولًا في ما يُسمى "أضرارًا جانبية"، لا يستدعي وقفة ولا مساءلة حقيقية.
الأخطر أن هذا لم يعد استثناءً، صار سياسة.. توسعًا حاقدًا، ممنهجًا، لا يكتفي بالرد على فعل عسكري، يمضي أبعد، إلى العمق السكني، إلى قرى لم تكن يومًا خط جبهة، لم تعرف من الحرب سوى صداها البعيد. هكذا يتحول جنوب لبنان، بيتًا بيتًا، إلى امتحان يومي في معنى البقاء نفسه، إلى خريطة تُعاد رسمُ حدودها بالنار لا بالاتفاقات. يقول القرآن الكريم، في وصف حرمة النفس، ما لا تنسخه لغة الحرب ولا مسوغاتها: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32). هذه الآية لا تُقاس بالحسابات العسكرية، ولا بمنطق "الهدف المشروع"، هي معيار أخلاقي مطلق، يقول إن النفس الواحدة كَوْنٌ بأكمله، وإن قتلها ليس رقمًا يُضاف إلى حصيلة، هو خرق لنظام الوجود نفسه. حين تُقتل ست أرواح من عائلة واحدة، في ساعة واحدة، فإن ما يُقتل ليس فقط ستة أجساد، إنما مسار كامل كان يُفترض أن يكبر فيه أربعة أطفال.
أين ميزان الحق؟
أين ميزان الحق حين تُعلن الحصيلة، في نشرة عابرة، ثم يُطوى الملف قبل أن يجف الدم؟ منذ سنوات تتكرر المشاهد نفسها: غارة، عائلة، بيان تعزية، ثم صمت. صمت المؤسسات الدولية التي تملك، على الورق، الأدوات كلها: محاكم، تحقيقات، تقارير مفصلة.. مع ذلك؛ تكتفي غالبًا بعبارات "القلق البالغ" التي لا توقف صاروخًا ولا تُعيد طفلًا إلى فراشه. يقول القرآن الكريم: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ (الرحمن: 9)، وكأن هذه الآية كُتبت لتُقرأ اليوم، في زمن اختل فيه الميزان إلى درجة أن حياة طفل في لبنان المقاوم لا تزن، في عين الإعلام والسياسة والقانون الدولي، ما تزنه حياة طفل في مكان آخر من العالم.
إزاء هذا الواقع؛ يصير السؤال مشروعًا، حتى واجبًا: هل لا يزال من الأخلاقي أن تستمر جمعيات حقوق الإنسان في عملها المعتاد، بجداول أعمالها ومؤتمراتها وبياناتها المتوازنة، في حين تُباد عائلات كاملة أمام أعين العالم؟ لا يعني هذا التقليل من قيمة كل عمل حقوقي جاد، فثمة أصوات نزيهة قاومت الصمت وواجهت الضغط. لكن المؤسسات الحقوقية، في مظمها، تبدو اليوم أمام امتحان وجودي: إما أن تعيد تعريف أدواتها بما يليق بحجم الجريمة، أو أن تعترف بعجزها عن حماية ما وُجدت أصلًا لحمايته.. فالصمت المتكرر أمام مشاهد متطابقة لا يبقى حيادًا، يتحول، شئنا أم أبينا، إلى موقف له معنى.
ثمة يوم لا بد آتٍ يُسأل فيه كل طرف عمّا فعل وما سكت عنه. يقول تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ (الصافات: 24). سؤال لا يُوجَّه فقط إلى من ضغط الزر، أيضًا إلى من رأى ولم يتحرك، من كان بإمكانه أن يقول كلمة فاختار الصمت الدبلوماسي. ازدواجية المعايير ليست خطًا إجرائيًا يمكن تصحيحه ببيان لاحق؛ إنها انهيار في صلب فكرة العدالة الدولية، وكل يوم يمر من دون مساءلة حقيقية هو يوم إضافي يفقد فيه ميزان الحق وزنه أكثر.
القتل المتعمد للبشر والحجر
لم يكن البيت في أنصار مجرد جدران وسقف. كان أرشيفًا حيًا: علامات نمو الأطفال على إطار الباب، صورة عرس معلّقة على الحائط، رائحة قهوة الصباح التي تتشرّبها الجدران على مر السنين. حين يُدمَّر بيت في أرضي، لا تُدمَّر بنية إسمنتية فحسب، تُمحى أيضًا طبقة من الذاكرة الجماعية لقرية بأكملها.. فالبيوت في وجدان أهلها، لم تكن يومًا مجرد مأوى؛ كانت وما تزال رمزًا للصمود، للعودة بعد كل نزوح، وللإصرار على أن الحياة تُعاد بناؤها مهما تكررت الخسارة. من هُدم بيته مرة، أعاد بناءه؛ ومن هُدم مرتين، أعاد بناءه أيضًا. هذا هو المنطق الذي لم تفهمه آلة الحرب بعد.
هذا ما يجعل القتل، هنا، عمدًا للبشر والحجر معًا.. فحين يُهدم البيت فوق ساكنيه، فإن الرسالة المقصودة تتجاوز إزهاق الأرواح إلى محو فكرة العودة نفسها، وإلى تحويل الجنوب إلى مساحة يُراد لها ألا تُسكن. لكن الحجر، حتى وهو ركام، يتحول إلى شاهد. شاهد لا يشيخ ولا يُسكَت، يبقى قائمًا في الصور وفي الذاكرة الشفوية وحكايات الأهل، يروي في كل مرة من كان هنا، ومن لم يعد. يذكّرنا القرآن الكريم بأن الاستخلاف في الأرض مسؤولية إعمار لا إفساد: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ (الأعراف: 56).. فمن يهدم بيوت الآمنين لا يبني أمنًا لنفسه، إنما يراكم فسادًا سيُسأل عنه يومًا، مهما طال الزمن.
مع ذلك، وسط كل هذا الركام، ثمة صبر متجدد، لا يشبه الاستسلام بقدر ما يشبه الإصرار الهادئ على الحياة. يقول تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155). صبر أهلنا واطفالنا ليس غياب الألم، هو قدرة على حمله من دون أن ينكسر معه المعنى.
الرد الإنساني
ماذا بعد أنصار؟ لن يأتي الرد من بيانات الحكومات، فتلك عادة ما تُقاس بموازين المصالح لا بموازين الحق. الرد الذي يُنتظر هو رد آخر أعمق وأصعب، هو رد الضمير الإنساني الجمعي، ذلك الذي لا يحتاج إلى إذن دبلوماسي ليقول إن قتل الأطفال، في أي جغرافيا وتحت أي مسوغ، لا يُحتمل ولا يُسكت عنه.
نحن، قراء وكتّاب وبشر عاديون، لسنا خارج هذا السؤال. كل مرة نمرّ فيها على خبر كهذا مرور الكرام، نُشارك بصمتنا في ترسيخ فكرة أن بعض الأرواح أرخص من غيرها. في كل مرة نرفض هذا الصمت، ولو بكلمة، نُعيد شيئًا من التوازن إلى ميزان مختل. ليس المطلوب بطولة استثنائية، بل ما هو أبسط وأصعب في آن: ألا نعتاد. ألا يتحول اسم بلدة، أو اسم عائلة، إلى مجرد رقم يمر في شريط الأخبار السفلي، ثم يُنسى مع الشريط التالي.
لا جواب جاهزًا في نهاية هذا النص.. فقط سؤال يستحق أن يبقى معلقًا، كما بقيت أسماء ستة أفراد من عائلة واحدة معلقة من دون رد: من يعيد الميزان إلى مكانه؟
ستبقون أسماء وأرواحًا في سماء حياتنا؛ ما بقينا وبقيت الأرض وبقي الحق..
إليكم يا عزنا..علي، زينب، حسن، زهراء، حسين وعباس هنيئًا لنا بكم..