في القرآن والتاريخ .. "اليهودية" دين أم قومية؟

post-img

د. زينب الطحان/ باحثة وأستاذة جامعية

"المسألة اليهوديّة" واحدة من أكثر القضايا تشابكًا في التاريخ الإنساني. إذ يتجاذبها المفهوم الديني الذي يراها رسالة سماويّة، والمنظور القوميُّ الذي حوّلها إلى هويّة عرقيّة أيديولوجيّة. مع أنَّ الجدل القائمَ يدور في ما إذا كانت اليهوديّة دينًا أم قوميّة، ولكل طرف أدلّته، إلا أنَّ السؤال الجوهري يفرض نفسه: إلى متى سيبقى هذا الجدل قائمًا بخصوص المسألة اليهوديّة؟

يستمر هذا الجدل؛ لأنَّ الصهيونيّة لم تُبنَ لتبحث عن الحقيقة التاريخيّة، إنما هي مشروع سياسي استعماري يحتاج إلى غطاء أسطوري لتسويغ الاحتلال. كما يستفيُ المشروع الاستيطاني في فلسطين المحتلة من التداخل المقصود بين "الدين" و"العرق"؛ فعند التجنيد والدعم تُقدّم اليهوديّة على أنها قوميّة، وعند الاتهام بالاستعلاء العرقيِ تُقدّم على أنها طائفة دينيّة مضطهدة.

لكنَّ التحوّل الأبرز، في هذا الجدل، هو ما أثبتته أبحاث علماء الآثار الإسرائيليّين أنفسهم، في فلسطين المحتلّة؛ حيثُ أقرّوا بعدم وجود أيِّ أثر تاريخي يهودي فيها، ولا حتى تحت قبة المسجد الأقصى، حيث يزعمون وجود "هيكل سليمان". لقد أثبت عالم الآثار الإسرائيلي "إسرائيل فينكلشتاين"، وهو رئيس معهد الآثار في "جامعة تل أبيب"، في كتابه "التوراة المكشوفة" أنَّ الحفريّات لم تعثر على أيِّ أثر لمملكة موحّدة عظيمة في عهدِ داود وسليمان، و"أورشليم"، في ذلك العصر كانت مجرّد قرية صغيرة. كما أعلن البروفيسور الإسرائيلي "زئيف هرزوق" أنَّ خروج "بني إسرائيل" من مصر وتيهَهم في سيناء وعظمة مملكة سليمان هي روايات لم تحدث أبدًا أثريًّا، ولا يوجد لها أيُّ سند مادي. بعد حفر أنفاق عمرها عقود تحت المسجد الأقصى وفي حيّ سلوان، أقرّ علماء الآثار الإسرائيليون بعدم العثور على أيِّ حجر أو أثر يشير إلى "هيكل سليمان".

وعليه، فإنَّ الجدل قد انتهى علميًّا وآثاريًّا، وثبت بطلان الأسطورة، لكنّه يستمر سياسيًا؛ لأنَّ قوة عسكريّة تحاول فرض الوهم والتزييف بالقوة.

أصل "بني إسرائيل" وتساؤلات النسب والوجود

من المعروفِ أنَّ "الإسرائيليّين" الذين ذكرهم القرآن الكريم هم من ذرية النبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهم السلام). لكنَّ السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: هل تهوّدت كل ذرّيّة يعقوب؟ وهل كل يهوديٍ في هذا العالم هو بالضرورة من ذرية يعقوب؟ ألم يتهوّد أناس في هذا العالم الرحبِ من غير ذرية يعقوب؟ وهل يُعقل أنَّ كل ديانات العالم وملله اتّبعها أناس من أجناس البشر جميعهم إلا الديانة اليهودية؟

إنَّ "بني إسرائيل" هم ذرّيّة الاثني عشر ولدًا للنبي يعقوب المعروف باسم "إسرائيل"، وكانوا أحنافًا في الأساس، وهم قوم قدماء انقرضوا أو تفرّقوا حتى لم يعد يُعرف لهم نسب، وبترت العلاقة بينهم وبين يهود الحاضر منذ قرون، حتى إنَّ القرآن الكريم يفصل بين اليهود، في عهد نبوّة الرسول محمد خاتم الرسل(ص)، وبين «الذين أوتوا الكتابَ»، فلم يسمّ اليهود بــ"بني إسرائيل". عندما قال اللهُ تعالى في محكمِ كتابه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾، وقال: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾؛ فإنّما يقولُه لقوم النبي موسى من "بني إسرائيل"، وليس ليهود عهد النبوّة وما بعدهم.

تطور المسمّيات من "سبط يهوذا" إلى "أورشليم" 

أمّا تسمية "اليهود" فترتبط في أصلها باسم يهوذا، وهو أحد أسباط يعقوب. يُعدُّ يهوذا أهم شخصية في قصة يوسف -عليه السلام- مع إخوته، بل إنَّ المصدر اليهودي يعدُه أهم من يوسف نفسه. مع ظهور مملكة يهوذا الجنوبية، والتي استمرت بعد سقوط مملكة إسرائيلَ الشمالية لأكثرَ من 135 عامًا، أخذ الاسم بعدًا سياسيًّا؛ فأصبح المتبقّون في فلسطين بعد السبيِ الآشوريِّ (721 ق.م) من سبطِ يهوذا فقط.
لاحقًا، مع الجهود الرامية إلى توحيد التراث الدينيِ للجماعات اليهوديّةِ، مالت الكفّة لمركزية أورشليم التي كانت عاصمة للجنوب، وقبل ذلك المركز الديني في عصر النبيّن داود وسليمان، على حساب السامرة التي كانت عاصمة للشمال، فتوسَّع نطاق استخدام التسمية حتى أصبحت تشمل الجماعة اليهودية، بصرف النظر عن الانتماءات القبلية أو الجغرافية القديمة.

في العصر الحديث، استمرت التسميات الثلاث بالتداول بدلالاتٍ محدّدة:

العبريّة: ارتبطت باللغة والتراث الثقافي والأدبي (يمكن مراجعة مقال للكاتبة في جريدة الأخبار بعنوان "العبرية وفخ المصطلحات"، في عدد 22 كانون الأول 2023).
إسرائيلي: اكتسبت معنًى سياسيًّا مرتبطًا بالكيان الحديث الذي حمل هذا الاسم.
يهودي: استقرّت بوصفها التعبير الأكثر شيوعًا للدلالة على الانتماء الديني إلى اليهودية.

الرأي التقليدي وتفكيك الألفاظ

في بعض المراجع التفسيرية المعاصرة والكلاسيكيّة، لا يوجد رأي فقهي أو تفسيري رسمي يزعم أنَّ "الذين هادوا" ليسوا هم اليهود؛ بل إنَّ كبار المفسّرين، قدامى ومحدثين، يتّفقون مع جمهرة علماء المسلمين على أنَّ "الذين هادوا" هم طائفة اليهود بالفعل. مع ذلك، هناك تفصيل دلالي دقيق يطرحه بعض المفسّرين(الشيخ الطوسيّ في "تبيان القرآن" والعلاّمة الطباطبائيّ في "تفسير الميزان") يعتمد على التمييز بين المصطلحات في "الوصف الفعلي" و"الاسم الجامد":

1. "الذين هادوا" وصف للفعل والتوبة

في أمهات كتب التفسير؛ مثل "التبيان" للشيخ الطوسي، يُذكر أنَّ "معنى هادوا: تابوا ورجعوا". بناءً على هذا، يرى المفسّرون أنَّ القرآن استخدم صيغة الفعل الفعليِ ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ للإشارة إلى اليهودِ في مرحلة معيّنة من تاريخِهم عندما تابوا ورجعوا إلى الله، تحديدًا بعد واقعة عبادة العجل وقولهم لموسى ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾). لذلك، التعبير بالذين هادوا يحمل طابعًا إيجابيًّا تاريخيًّا في أصله، بمعنى الراجعين إلى الحق، قبل أن يتحوّل الاسم مع مرور الوقت إلى هوية قومية وجامدة تُسمّى "اليهود".

يقدم العلاّمة محمد حسين الطباطبائي قراءة بنيوية لغوية متمسّكة بالإطار التفسيريِ العام، تفكك خلفيات الألفاظ البلاغية :

أ‌-    دلالة لفظ "الذين هادوا" وسياق آية البقرة 62: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا...﴾، يطرح الميزان رؤيتين؛ الأصل المعنوي والتاريخي: يرى أنَّ "هادوا" تعني تابوا ورجعوا، وهو ما قاله قوم موسى ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾، ويعرج على الرأيِ الآخر وهو النسبة إلى "يهوذا" مع تعريب اللفظ.

ب‌-    فك فكرة العناوين الطارئة: يؤكّد الطباطبائي أنَّ الأسماء (المؤمنون، الذين هادوا، النصارى) هي مجرد ألقاب وعناوين شكلية لا تمنح أحدًا ميزة عند الله بذاتها. القانون الإلهي المذكور في الآية واضح: "الأسماء لا تزن شيئًا"، بل الميزان الحقيقي هو الإيمان الفعلي والعمل الصالح المستمر.

ت‌-    التمييز البلاغي بين الألقاب: يلاحظ الطباطبائي تفريقًا ذكيًّا في الاستعمال القرآني؛ فـ "بنو إسرائيلَ" يُستخدم للحديث عن السلالة والنسب القوميِ والتاريخي. أمّا "الذين هادوا"، فيرى الطباطبائي أنَّ القرآن يستخدم صيغة الصلة ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ غالبًا في سياقات التشريع والأحكام والتحريم العقابي؛ مثل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾؛ لأنَّ اللفظ مرتبط بالتزام شريعة معيّنة في حقبة محدّدة، ويعكس الجماعة المنضوية تحت الفقه الموسوي.

3. ما وردَ في الروايات والأحاديث 

تذكر المرويّات المنقولة عن أهل بيت النبوة- عليهم السلام- تفسيرًا واضحًا للأسماء. في كتاب "معاني الأخبار" للشيخ الصدوق، يُروى عن الإمام علي بن موسى الرضا أنّه سُئل عن أسباب التسميات، فكان الجوابُ واضحًا: "إنَّ اليهود سُمّوا باليهود؛ لأنّهم من ولدِ يهوذا بن يعقوبَ" (بقلبِ الذالِ دالًا عند تعريبِها)، ما يؤكّد أنَّ التسمية والوصفَ القرآني يدوران في الدائرة العرقية والدينية نفسها لبني إسرائيل المتأخّرين.

خلاصة القول في الفكر التقليدي؛ إنّ الذين هادوا هم أنفسهم يهود تلك الحقبة؛ هم طائفة دينية. الفرق الوحيد هو فرق دلالي بلاغي؛ فالقرآنُ يعبّر بـ "الذين هادوا" على أنها صفة للفئة التي كانت تتوب وترجع إلى الشريعة الموسوية في وقتها، ويعبّر بـ "اليهود" على أنه لقب علم وجامد على الطائفة بصفتها كيانًا سياسيًا واجتماعيًا معاصرًا للنبي محمد (ص).

مدرسة "التدبّر الحديثة" والقراءات المعاصرة 

إذا كنتَ قد سمعت هذا الرأي مؤخّرًا "أنَّ الذين هادوا ليسوا هم اليهود المعاصرين"، فإنَّ هذا الطرح ينتمي إلى المدرسة القرآنية الحداثية (التدبّر الحرّ) وبعض الباحثين الإسلاميّين المعاصرين، من شيعة وسنّة، ظهرت، في العقود الأخيرة، هذه المدرسة الفكرية واللغوية المستقلة التي تتبنّى الفصل التام والجذري بين اللفظين، وترى التداخل بينهما خطًا تاريخيًا، وتتلخّص رؤيتهم في محورين:

1. التفكيك البنيوي للمصطلحين

أ- الذين هادوا (الصفة الحركية الإيجابية): هم الذين اتّبعوا شريعة موسى -عليه السلام- الأصلية وتابوا معه، أي المسلمون الأوائل من بني إسرائيل. يرى أصحاب هذا الاتّجاه أنَّ ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ فعل سلوكي يعني "الذين تابوا ورجعوا للحق مع موسى والتزموا بالتوحيد الفعليِ". هم الفئة المؤمنة من بني إسرائيلَ تاريخيًّا، والآيات التي تمدحهم أو تعدهم بالأجر (مثل آية البقرة 62) تتحدّث عن مؤمني تلك الحقب التاريخية الذين ماتوا على العهد والرجوع إلى الله وصيانة التوراة الحقيقية، ولا تشمل "اليهود" بالمفهوم المعاصر الرافض لرسالة الإسلام.

ب- اليهود (الاسم الأيديولوجي الجامد): هم الحركة السياسية/العقدية التي تشكّلت لاحقًا بعد انحراف السلالة ونقض العهود وتحريف الأحكام، (بعد مرحلة الأسر البابلي وتدوين التلمود. هؤلاء هم الذين نقضوا العهود وقتلوا الأنبياء وعادوا الرسالة الإسلامية.

2. الأسانيد المعتمدة في المدرسة المعاصرة

أ- غياب المدح الصريح للفظ "اليهود": يجادل المفكّرون المعاصرون بأنَّ القرآن لم يمدح لفظ "اليهود" مطلقًا، ولم يعدهم بالجنة أو ينسب إليهم صفة إيجابية، بل كانت السياقات ذامّة لعنادهم ومواقفهم السياسية والعقدية؛ مثل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾.

ب- التباين في آيات العداء والمحرّمات: الآيات الشديدة في الخصومة تستخدم ﴿الْيَهُود﴾؛ مثل: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾، في حين آيات التشريع والأحكام والعقوبات السلوكيّةِ تستخدم ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾.

ث‌-    تقاطع الرؤية المعاصرة مع المؤرّخ الإسرائيلي "إيلان بابيه": تفتح رؤية المؤرّخ الإسرائيليِ التقدميِ "إيلان بابيه" (Ilan Pappé) بابًا غاية في الأهمية للنقاش.إذ تلتقي أطروحته التاريخية التفكيكية مع أطروحات "المدرسة الإسلامية الحداثية والمعاصرة"، مثل: محمد شحرور، طه جابر العلواني وفرح موسى .. وغيرهم ممن يحاولون تفكيك مصطلح "اليهود" بناءً على القراءة المعجمية التاريخية، مع أنّ كل طرف انطلق من مرجعيات وأهداف مختلفة تمامًا.

رؤية إيلان بابيه: اليهودية ليست دينًا.. هي هوية مخترعة

ينتمي إيلان بابيه إلى تيّار "المؤرّخين الجدد"، في "إسرائيل"، وهو ينظر إلى اليهودية من منظور تاريخي وسياسي بحت، وتتلخص فكرته في الآتي:

1-    العلمنة وتحويل الدين إلى قومية: يرى بابيه أنَّ الصهيونية قامت بعملية "علمنة" (Secularization) ليهودية العصر الحديث؛ حين أخذت الرموز والقصص الدينية التوراتية، والتي كانت تُفهم على أنها رموز روحية، وحوّلتها إلى "صك ملكية سياسي وقومي" لإنشاءِ دولة.
2-    اختراع الأمّة والعرق: يوافق بابيه أطروحة المؤرّخ "شلومو سان

" (صاحب كتاب اختراع الشعب اليهودي)، ويرى أنَّ "الشعب اليهودي"، بالمعنى العرقي والقومي الموحّد، هو مفهوم مخترع في القرن التاسع عشر لخدمة مشروع استعماري، واليهود تاريخيًّا لم يكونوا عرقًا واحدًا، إنما مجموعات دينية مشتّتة لا يجمعها نسب بيولوجي، ما حوّل اليهودية من "ديانة" يتبعها الناس إلى أيديولوجيا سياسية وقومية.

نقاط التلاقي الثلاث مع المفكّرين المسلمينَ المعاصرين

1-    "اليهودية" حركة سياسية/قومية وليست الرسالة السماوية:

أ‌-    عند بابيه: الصهيونية واليهودية الحديثة صبغة قومية وسياسية، وليست ممارسة إيمانية غيبيّة.
ب‌-    عند المعاصرين المسلمين: يتّفقون أنَّ لفظ "اليهود" في القرآن لا يمثّل "الدين السماوي المنزّل"، إنما يمثّل "المنظومة القومية والسياسية المنحرفة التي تشكّلت في كيان عصبوي مغلق بعد تحريف التوراة؛. فالدين عند الله واحد وهو "الإسلام" (التسليم لله) الذي جاء به موسى، أما "اليهودية"(إيزم/Ism) أو أيديولوجيا فهي اختراع بشري وقومي لا علاقةَ له بالوحي.

2-    التمييز بين "الفعل الإيماني" و"الانتماء والهوية":

أ‌-    عند بابيه: هناك فرق بين "اليهودية التوراتية الروحية" التي يمكن ممارستها في أيِ مكان، وبين "اليهودية السياسية" القائمة على الاستعلاء العرقي وقمع الآخر.
ب‌-    عند المعاصرين المسلمين: هذا يطابق تمامًا تفريقهم بين ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ وبينَ ﴿الْيَهُود﴾. القرآن يمدح الفعل الإيماني ويدمج صاحبه في الأجر، لكنّه يذمّ المنظومة القومية المغلقة (اليهود).

3-    تفكيك العرق الصهيونيِ المستمر:

أ‌-    عند بابيه: دحض المقولة الصهيونية بأنَّ يهود اليومِ هم النسل المباشر والبيولوجي لـ "بني إسرائيلَ" القدامى، مؤكدًا أنَّ يهود أوروبا (الأشكناز) هم شعوب تحوّلت إلى اليهودية دينيًّا، مثل: الخزر، لا علاقة نسب لهم بفلسطين التاريخية.
ب‌-    عند المعاصرين المسلمين: يؤكّدون التمييز القرآني الدقيق؛ فـ ﴿بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ هم سلالة عرقية تاريخية انتهت تاريخيًّا وتشتّتت، في حين ﴿الْيَهُود﴾ منظومة فكرية وعقدية انضوت تحتها أعراق شتّى لاحقًا. لذلك؛ فإنَّ محاولة "اليهود" المعاصرين ادّعاء أنّهم هم "بنو إسرائيلَ" المذكورون في القرآن وهم أصحاب الأرض هو تزييف تاريخي يتوافق فيه بابيه وهؤلاء الباحثين.

في الخلاصة

إنَّ الجمع بين دراسة النص التقليديِ الدقيق والاتجاهات المعاصرة يمنح رؤية متكاملة لعمق البيان القرآني وسعة المدارس التفسيرية وعلاقتها بالمفاهيم التاريخية. تأتي أطروحات المؤرّخين الجدد لتتقاطع مع هذا التفكيك، مؤكّدة أنَّ تحويل العرق والدين إلى أداة استعمارية سياسية ليس سوى نتاج ظروف تاريخية واختراعات أيديولوجية حُيّكت لخدمة الكيانات السياسية على حساب الحقائق التاريخية والروحية.

المراجع والمصادر
  1. القرآن الكريم
  2. إسرائيل فينكلشتاين ونيال أشر سيلبرمان: التوراة المكشوفة: رؤية جديدة لإسرائيل القديمة وأصل نصوصها المقدسة (The Bible Unearthed)، ترجمة عبد الجواد سيد عبد الجواد، القاهرة.
  3. زئيف هرزوق: مقالته النقدية الشهيرة في صحيفة هآرتس (1999) بعنوان: «Deconstructing the Walls of Jericho» (تفكيك أسوار أريحو: هل توراتنا حقاً تاريخ؟).
  4. توماس طومسون: التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي: البحث عن بني إسرائيل التاريخيين، ترجمة صالح علي السوّاح.
  5. كيفن ماكدونالد: ملاحظات آثارية على الحفريات في القدس وجنوب المسجد الأقصى (حي سلوان).
  6. إيلان بابيه (Ilan Pappé): التطهير العرقي لفلسطين (The Ethnic Cleansing of Palestine)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
  7. فكرة إسرائيل: تاريخ السلطة والمعرفة (The Idea of Israel: A History of Power and Knowledge).
  8. شلومو ساند (Shlomo Sand): اختراع الشعب اليهودي (The Invention of the Jewish People)، ترجمة سعيد عيادي، أهالي للنشر والتوزيع.
  9. آرثر كوستلر: القبيلة الثالثة عشرة: إمبراطورية الخزر وميراثها (The Thirteenth Tribe)، ترجمة أحمد المغسل.
  10. عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد (المجلد الأول: الأيديولوجيا الصهيونية والمجلد الثاني: الجماعات اليهودية).
  11. الشيخ الطوسي (ت 460 هـ): التبيان في تفسير القرآن، مطبعة النعمان / دار احياء التراث العربي (تفسير سورة البقرة، الآية 62 والآيات المتعلقة بـ «هادوا»).
  12. العلامة محمد حسين الطباطبائي: تفسير الميزان في تفسير القرآن، منشورات جماعة المدرسين (تفسير سورة البقرة الآية 62 وسورة المائدة الآية 69).
  13. الشيخ الصدوق (ت 381 هـ): معاني الأخبار، باب «معنى اليهود والنصارى والصابئين»، مؤسسة النشر الإسلامي (المصدر الخاص بالرواية المأثورة عن الإمام علي بن موسى الرضا).
  14. ابن جرير الطبري (ت 310 هـ): جامع البيان عن تأويل أَي القرآن (تفسير مادة «هاد» وعلل تسمية بني إسرائيل واليهود).
  15. تُمثل الأبحاث الحديثة التي تُفرد رؤى حداثية لتفكيك «الذين هادوا» و«اليهود» و«بني إسرائيل»:
  16. طه جابر العلواني: إشكاليات التعامل مع القرآن الكريم: أزمة المصطلح والتجنيس، دار الهادي.
  17. محمد شحرور: الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة، الأهالي للنشر (فصل: التميز بين بني إسرائيل والذين هادوا واليهود).
  18. فرح موسى: القرآن والنقد التاريخي: تفكيك مصطلحات بني إسرائيل واليهود في النص القرآني.
  19. زينب الطحان (مؤلفة البحث): مقال «العبرية وفخ المصطلحات»، جريدة الأخبار اللبنانية، عدد 22 كانون الأول/ديسمبر 2023.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد