لم يعد التطبيع السياسي العربي – الإسرائيلي مجرد انتقال من القطيعة إلى إقامة علاقات دبلوماسية، ولا مجرد تبادل للسفراء أو فتح السفارات والحدود أمام حركة التجارة والسياحة. إذ إن التطور الأهم الذي يشهده هذا المسار، خلال السنوات الأخيرة، هو بناء مشروع أوسع لإعادة بناء العلاقات السياسية والأمنية والإقتصادية في منطقة جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط). كما أن اختزال التطبيع في كونه "سلاما بين الدول" لا يكفي لتفسير تحولاته المصاحبة، إذ لم تعد القضية تقتصر على تحديد الدول التي تعترف بــ"إسرائيل"، لقد باتت تتعلق بإعادة تعريف موقع "إسرائيل" في النظام الإقليمي والشروط الناظمة لذلك، والقضايا التي قد يتجاوزها، وموازين القوى التي تحكم هذه العملية، والتي يطلق عليها عملية التحول في إطار الجيوسياسي.
من السلام المشروط إلى التطبيع الوظيفي
تاريخيا، لم يكن الاعتراف العربي بــ"إسرائيل" متطابقًا في الدوافع أو المراحل. لقد جاءت معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 ومسار كامب ديفيد، في حين جاءت المعاهدة الأردنية-الإسرائيلية في سياق مختلف، فارتبطت بتسوية النزاع الأردني – الإسرائيلي وترتيبات إقليمية أوسع.
لكن المرحلة التي أعقبت العام 2020 مثلت تحولًا مختلفا. لقد وقعت الإمارات والبحرين و"إسرائيل" والولايات المتحدة بما يعرف بـــ" اتفاقيات إبراهام"؛ ثم انضم المغرب ولاحقًا السودان إلى المسار نفسه، حيث لم تكن الدوافع دبلوماسية بحتة، بل تداخلت فيها المصالح الأمنية والحسابات الاقتصادية والتنافس الإقليمي والعلاقات مع الولايات المتحدة.
يمكن هنا التمييز بين نمطين رئيسسين:
النمط الأول: التطبيع كونه نتيجة لتسوية سياسية، إذ يفترض هذا النمط أن معالجة جذور الصراع، أو تحقيق تقدم جوهري فيه على الأقل، يمهد لمرحلة إقامة علاقات طبيعة.
النمط الثاني: التطبيع بكونه مدخلاً لإعادة بناء الإقليم، في هذا النمط تصبح العلاقات مع "إسرائيل" جزءًا من شبكة أوسع من التحالفات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية، في حين تتراجع القضية الفلسطينية من كونها شرطا سابقا إلى كونها ملفًا منفصلاً يمكن إدارته بالتوازي. يمثل هذا التحول جوهر الإشكالية النقدية في المسار الجديد.
آليات عمل التطبيع السياسي
لا يعمل التطبيع السياسي وفقًا لآلية واحدة، إنما ينطلق من مجموعة من الآليات المتداخلة، يأتي في بدايتها إعادة تعريف مصادر التهديد، فبعد أن كان الصراع مع "إسرائيل" مركزيًا في تعريف الأمن العربي، تحولت إيران بنظر بعض الحكومات العربية بوصفها التهديد الأكثر إلحاحا، إضافة إلى تهديدات أخرى، مثل المنزاعات الداخلية وأمن الملاحة والطاقة، إضافة إلى النزاعات الحدودية بين بعض الدول. تاليًا، يصبح التعاون مع "إسرائيل" مقبولاً ضمن منطق "الأمن المشترك"، حتى في غياب حل للقضية الفلسطينية. وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن التطبيع لا يغير العلاقات بين دولتين فحسب، يمكن أيضًات أن يعيد تشكيل الخريطة الإدراكية للتهديدات داخل النظام الإقليمي.
أما النقطة الثانية؛ فهي التطبيع بالمقايضة السياسية، إذ لم تكن اتفاقيات التطبيع بمجملها تنازلاً عربيًا أحادي الجانب، لقد ارتبط بعضها بمكاسب حصلت عليها الدول المعنية من الولايات المتحدة، لقد رافق مسار المغرب اعتراف أميركي بسيادته على الصحراء الغربية، في حين ارتبط مسار السودان بإزالة الولايات المتحدة اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، والتخفيف من شدة العقوبات الاقتصادية، فينظر إلى هذه المقايضات لدراسة دوافع التطبيع التي أتقنت الولايات المتحدة فن حبكتها لدفع الأنظمة العربية نحو هذا المسار على مر العقود.
بناء على ما تقدم؛ يظهر التطبيع بوصفه صفقة جيوسياسية متعددة الأطراف، وليس مجرد علاقة ثنائية بين دولة عربية و"إسرائيل".
أما حينما توسعت العلاقات لتشمل التجارة والاستثمار والطيران والسياحة والتكنولوجيا والأمن والدفاع والطاقة والمياه والزراعة والذكاء الإصطناعي، فنحن أمام مرحلة تحول التطبيع إلى شبكة مصالح. تكتسب هذه النقطة أهمية سياسية جوهرية، لأن بناء المصالح المتبادلة يؤدي إلى خلق تكلفة سياسية متزايدة للتراجع عن التطبيع. بعبارة أخرى؛ يصبح التطبيع مرتبطا بعقود اقتصادية ومشاريع استثمارية وتعاون أمني وتبادل تكنولوجي، فينتقل من قرار سياسي قابل للتغيير إلى بنية مصالح تدفع نحو استثماره، وهذا ما نجده في العلاقة التي تحكم الإمارات بالكيان الإسرائيلي.
أما النقطة الأخطر فهي التطبيع الأمني، وهنا ينتقل التطبيع من المستوى السياسي إلى المستوى الاستراتيجي، فالتعاون في مجالات الدفاع الجوي والاستخبارات والأمن البحري والتكنولوجيا العسكرية ومراقبة التهديدات، أدى إلى إنشاء شبكة أمنية جديدة في المنطقة، عملت "إسرائيل" من خلالها على تشكيل منظومة أمنية إقليمية توظفها في حروبها الدفاعية والهجومية، وهذا ما ظهر بوضوح في الحرب الحالية ضد إيران.
تاليًا؛ لا يمكن فهم التطبيع السياسي في مرحلته الأخيرة الحالية بمعزل عن التحولات التي طرأت على النظام الإقليمي العربي، حيث أصبح قائمًا على تعدد التهديدات والتحالفات المتقاطعة. لكن هذا الواقع هل أسهم في حل الصراعات واحتواء التهديدات، أم أدى إلى إعادة تصنيف الصراع؛ فلم تعد القضية الفلسطينية المدخل المركزي لتأطير العلاقات في جنوب غرب آسيا (الشرق الأوسط)؟
حرب غزة واختبار حدود التطبيع
شكلت حرب غزة اختبارًا حقيقيًا لقدرة التطبيع على إنتاج قبول إقليمي أوسع، فقد تتمكّن الحكومات من الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية، لكنها تواجه صعوبة أكبر في تحويلها إلى شرعية اجتماعية. هذا ما يحد من قدرة التطبيع على التحول إلى "سلام دائم وطبيعي"، بالمعنى الذي يسعى إليه مهندسوه، بل إن الحرب أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الشعبي العربي، وأظهرت أن محاولة إخراجها من مركز النظام الإقليمي لا تعني بالضرورة اختفائها من المجال السياسي.
لا يمكن القول بأن التحولات التي أعقبت الحرب في غزة تشير إلى نهاية مسار التطبيع، بقدر ما تشير إلى نهاية المرحلة التي افترضت إمكان فصله عن السياق السياسي للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي. لقد كشفت الحرب حدود المقاربة التي قامت على أن المصالح الأمنية والإقتصادية وحدها قادرة على إنتاج نظام إقليمي جديد، وأعادت التأكيد أن الاستقرار الإقليمي يظل مرتبطًا، بدرجات متفاوتة بقدرة الأطراف على التعامل مع جذور الصراع، لا مع تداعياته.
وعليه، فإن التحدي الذي يواجه المنطقة، في المرحلة المقبلة، ليس في توسيع دائرة التطبيع أو الحفاظ عليها فحسب، أيضًا في إعادة بناء معادلة إقليمية أكثر توازنًا، تقر بأن الأمن والإقتصاد والشرعية السياسية عناصر مترابطة لا يمكن الفصل بينها.
لذلك؛ فإن أخطر ما يمكن أن ينتجه التطبيع السياسي ليس جعل "إسرائيل" دولة طبيعية في العلاقات العربية فحسب، بل إن يجعل استمرار الاحتلال نفسه واقعًا يمكن التعايش معه سياسيا، ويقدم له المسوغات، فيصبح التعايش مع الاحتلال أسهل من رفضه، ويخفض الكلفة السياسية للتعامل معه، ويحول "إسرائيل" تدريجيًا إلى طرف في صياغة ترتيبات الأمن الإقليمي واقتصاده.
- عبد العليم محمد، " اتفاقيات أبراهام والنموذج الجديد للتطبيع، قراءة تحليلية، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 140، 2024.
- حمدي حسين، " اتفاقيات التطبيع العربي مع إسرائيل وأبعادها السياسية على القضية الفلسطينية، مجلة قضايا سياسية، العدد 69، 2022.
- محسن صالح، دراسات في التطبيع مع الكيان الصهيوني، مركز الزيتونة للدراسات والإستشارات، 26 يوليو 2022.
- مكرم المسعدي، المعلن والمخفي في اتفاق ابراهام، مركز الجزيرة للدراسات، 8أكتوبر 2020.