أيّ دولة تُبنى بتجريدها من عناصر قوّتها؟

post-img

طارق فخري(صحيفة الأخبار)

حين يُستبدل خيار المواجهة والردع باستسلام يرتدي زوراً رداء «الواقعية السياسية»، يواجه الوعي الجمعي أسئلة وجودية حادة؛ في صدارتها: كيف لنسيج مجتمعي يرتسم أمامه الموت الوجودي أن يمارس على ذاته ضرباً من «التعمية التاريخية» لتقليل فداحة الخطر الداهم؟ وكيف لكيان سياسي – فرداً كان أم جماعة – أن يرى الحريق يلتهم حواشي بيته، ثم يستغرق في تنميق الذرائع لتسويغ قعوده عن الإطفاء؟

هل يمكن تفسير ذلك بأنه إعادة تدوير للعجزِ ليغدو فلسفة منظمة، ومن ثم إسباغ للبوس العقلانية على الاستسلام، وتقديم التفريط بمقومات القوة بوصفه حكمة وسداد رأي. أم أنه مرتبط بتشابكات المصالح التي يتداخل فيها الخاص بالعام، فيغدو الآني واليومي عقبة أمام رؤية المستقبل، أم أن الضخ الإعلامي المشبع بالأضاليل والتدليس أصبح يغذي الخوف ويغري رغبة القعود طمعاً بفتات لا يلبث أن يختفي على حين غرة؟
أخطر الأجوبة تلك التي تعبّر عن توافر شروط الهزيمة المركبة، أي عندما تترابط موجات الخوف الجماعية بأطماع لا يجني ثمارها إلا الفئة الحاكمة التي تحاول تجذير نفسها، وتعضدها في ذلك آلة إعلامية تثبط العزائم، وتثير الأوهام، وتنفخ في بوق الخراب، وتؤصل للطائفية المقيتة مساراتها ومبرراتها المقيتة. فيغدو تعريف العدو صعباً مستصعباً، ويصبح تحري ملامح المستقبل أكثر صعوبة، بل يخضع لانتهازية لا تكترث إلا لمصالحها الضيقة المتصلة اتصالاً عضوياً وثيقاً بالمصالح الأميركية في المنطقة.

تتأسس الممارسة السياسية للسلطة الفئوية الراهنة على رؤية جيوسياسة تنفي عن لبنان دوره الرادع، لتعيد ربطه بالنموذج الوظيفي الذي أرساه الانتداب الفرنسي تاريخياً. فبعد أن أنشأ «لبنان الكبير» ليكون ركيزة وظيفية للمصالح الغربية في المنطقة وفي مقدمتها المصالح الفرنسية، كان المطلوب على الدوام أميركياً - بعد أن ورثت واشنطن النفوذ الاستعماري التقليدي (الفرنسي-البريطاني) - أن يبقى لبنان في هذا الإطار، وهو الأمر الذي يوفر بيئة إقليمية ضامنة لأمن واستقرار إسرائيل بوصفها القاعدة المتقدمة للمشروع الأمريكي في المنطقة، وبما يقتضي بالضرورة تجريد لبنان من مقومات سيادته الوطنية وفرض ترتيبات أمنية وإقليمية أحادية تُحجّم قدرته على الردع والمبادرة.

نظراً إلى طبيعة التركيبة اللبنانية المتنوعة والمتداخلة، استمر الصراع حول طبيعة الدور الإقليمي لهذا البلد، وتُوج ذلك تاريخياً في الحرب الأهلية (1975-1990) التي أفضت إلى «اتفاق الطائف» عبر تسوية إقليمية ودولية فرضت معادلات جديدة بُني عليها النظام السياسي اللبناني في صيغته المعاصرة. ومع أن المجريات الراهنة تشكل امتداداً لهذا السياق التاريخي، إلا أن الملاحظ اليوم هو جرأة السلطة في التفريط بالقواسم المشتركة من خلال التضحية بالثوابت التي تضمن النسيج الاجتماعي وتمنع الانفجار الداخلي، فضلاً عن الانقلاب على الثوابت الميثاقية والأطر الدستورية التي قامت على تعريف إسرائيل بصفة «العدو»، بالإضافة إلى عدم الاكتراث للانكشاف الأمني، والهشاشة الداخلية، والفتنة المذهبية، وإعطاء الذرائع المجانية للعدو ليمعن في القتل، والتدمير، وتشويه الجنوب ديموغرافياً وجغرافياً.

تُظهر التجارب التاريخية أن المنطق العقلاني للسيادة هو الذي يواجه الانبطاح أمام القوى الطامعة، فما بالك إذا كانت غازية ومحتلة؟ كما أنه كيف يُعقل لكيان سياسي أن يبني «دولة» بعد تجريدها من عوامل قوتها وأدوات ردعها، ثم يرتمي في أحضان واشنطن لحمايته من مشروع صهيوني تسيّدي وتوسعي لا يخفي أطماعه، بل يروج لها جهاراً مستدعياً الأدبيات الدينية والتاريخية كافة لخدمتها؟

في المقابل، تعمد السلطة السياسية اللبنانية إلى الانكفاء والتراجع تحت مسمى «استعادة هيبة الدولة»، وتهرول للدخول تحت المظلة الأمنية الأمريكية بالكامل، في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة تحولات استراتيجية تجعل حتى أقدم حلفاء واشنطن الإقليميين يبحثون عن هامش أمني مستقل بعيداً عنها، بعدما أثبتت الحرب الأخيرة على إيران أن الولايات المتحدة لا تضمن سوى مصالحها وأمن إسرائيل.

وهنا يبرز التساؤل حول: منطق الدولة؟

فعندما يراد استعادة الدولة على لا شيء من عناصر القوة الذاتية؛ وعندما يفقد الاجتماع السياسي أدوات الهيبة والنفوذ الفعلي؛ وبينما تضع السلطة مصيرها تحت رحمة الإرادة الأمريكية، وتذهب عارية تماماً للتفاوض مع العدو الإسرائيلي؛ وحينما تغذي الانقسام الداخلي وتُعرّض السلم الأهلي للتآكل والتجويف؛ فماذا يبقى حينها من «الدولة» سوى الهيكل الشكلي والخرافة النظرية؟

بالرغم من استعارة أدبيات «الدولة والمؤسسات» من قبل أدعياء هذا الخيار، إلا أن «الدولة» التي ينشدونها ليست سوى كيان تتقاطع فيه ماكينات المال، الإعلام، والنفوذ السياسي لتشكيل «نادٍ سلطوي» يعتاش على تجزئة المجتمع ويقضي على العقد الاجتماعي الذي يفترض أن تقوم عليه أي دولة حديثة.

في الفلسفة السياسية (منذ جين بودان وتوماس هوبز إلى جان جاك روسو)، يقوم العقد الاجتماعي على تنازل الأفراد عن جزء من حرياتهم أو مصالحهم الخاصة لصالح سلطة مركزية جامعة تشكّل «الدولة»، مقابل توفير الحماية والأمن الوجودي للمجتمع. أما ما تمارسه السلطة الفئوية الحالية، فهو نسف كامل لمنطق العقد الاجتماعي، واستدعاء لنموذج التسلط البدائي لكيانات ما قبل الحداثة، لتتحول الدولة من راعٍ أمني ومظلة جامعة إلى أداتية تسلطية خادمة لمصالح فئة ضيقة. فأين حماية المجتمع؟ ولمَ التضحية بكل عناصر الاقتدار في سبيل المجهول؟

لا يعني هذا الطرح أن لبنان كان دولة مكتملة الأركان وفق معايير «الدولة الحديثة»، ولا ينفي أنه كان دائماً ضحية للمحاصصة الطائفية والحزبية ولأرباب السياسة. بيد أنه، وعلى الرغم من كل ثغراته، حافظ على الحد الأدنى من مقومات التماسك والحماية الوطنية، لا سيما خلال الفترة الممتدة من عام 2000 حتى الأمس القريب، وقد لعبت المقاومة في هذه المرحلة دوراً مفصلياً وبنيوياً؛ إذ عوضت العجز المؤسساتي في مجال الدفاع والردع، بعد أن حظت بشرعية صريحة من الدولة ذاتها، لأن القاصي والداني يدرك أن المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية – بحكم إمكاناتها وقيودها السياسية – ليست قادرة بمفردها على حماية البلاد من التغول والإجرام وشهوة التوسع الإسرائيلية.

إن ما تقوم به السلطة اليوم هو محاولة لإحداث قطيعة كاملة بين لبنان وأهم مقومات الدولة، أي القوة الفعلية التي أثبتت سابقاً بأنها ركن أساسي من أركان الدولة بمفهومها العلمي والواقعي، لا المجتزأ والاستنسابي. وإن كان السجال الراهن حول قدرة المقاومة على الصمود ومواجهة التحديات الإسرائيلية – في أعقاب الضربات والخسائر البنيوية التي لحقت بها – أمراً مبرَّراً في سياق إعادة تقييم الميدان واستقراء التوازنات الحالية، فإن هذا التقييم ينبغي ألا يتحول إلى ذريعة لمواقف أيديولوجية مسبقة تستهدف تجريد لبنان مما تبقى من أدوات قوته وردعه الاستراتيجي. وبدلاً من استغلال اللحظة لإذكاء الاستقطاب وتعميق الانقسام المجتمعي، تملي الحساسية الوطنية التوجه نحو إدارة تشاركية لعوامل القوة ومكامن الاقتدار التي يمتلكها كل طرف، واستثمارها في صياغة استراتيجية وطنية جامعة تنتشل البلاد من حالة الانكشاف للمجهول.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد