زينب حمود (صحيفة الأخبار)
في الشهر الماضي، دخلت إلى السوق اللبنانية شحنة من الإسمنت المصري، تقدّر بنحو ستة آلاف طن، أثارت سلسلة تساؤلات حول المسار القانوني والإداري الذي رافق الإفراج عنها، بدءاً من تجاوز معهد البحوث الصناعية تطبيق الفحوصات الإلزامية، مروراً باختصار المهل الزمنية القانونية بحجة «حق الاجتهاد»، مقابل اكتفاء وزارة الصناعة بإثارة المسألة من دون متابعة فعلية.
ولا يمكن اختزال القضية بخلل إداري عابر، إذ يتعلق الأمر بمادة تدخل في البناء والجسور والمنشآت، ما يجعل التأكد من مطابقتها للمواصفات مسألة تتصل مباشرة بالسلامة العامة. وتزداد حساسية الملف في بلد يستعد، أو يفترض أن يستعد، لمرحلة إعادة إعمار، ينبغي أن تقوم على أعلى معايير الجودة والرقابة، لا على التهاون في تطبيق الشروط.
في التفاصيل، وصلت إلى مرفأ طرابلس شحنة من الإسمنت المصري تُقدّر بنحو ستة آلاف طن. وفي 3 آب، سحبت إدارة الجمارك عينة أولى لإخضاعها للفحص، وأرسلتها إلى معهد البحوث الصناعية. إلا أن المفاجأة جاءت في كتاب وجّهه المعهد إلى الجمارك، اعتبر فيه أن الشحنة «غير خاضعة للمراسيم الإلزامية أو معفاة من الفحوصات لكونها بكميات إفرادية قليلة»، ما أتاح إدخالها إلى السوق استناداً إلى هذه الإفادة. غير أن هذا الإجراء يتعارض مع أحكام المرسوم رقم 9766 الصادر في 11 آذار 2003، والذي يفرض إخضاع الإسمنت المستورد للمواصفة القياسية اللبنانية NL 53، ويمنع تداوله قبل التحقق من مطابقته لها والحصول على إفادة رسمية من معهد البحوث الصناعية.
وعلى إثر ذلك، تدخّل وزير الصناعة جو عيسى الخوري، وطلب في 19 آب سحب الإفادة التي سمحت بإدخال الشحنة، وأبلغ المديرية العامة للجمارك بعدم العمل بها. وبرّر قراره بأن «إجراء معهد البحوث الصناعية يتعارض مع المراسيم المرعية ويخالف تعليمات وزارة الصناعة، ويمكن أن يتسبّب بمخاطر كبيرة، لا سيما على صعيد السلامة العامة في الأبنية والإنشاءات في حال عدم مطابقة الشحنة للمواصفات». وطلب الوزير من المدير العام لمعهد البحوث الصناعية فتح تحقيق فوري مع الموظفين المعنيين، واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة بحق المقصّرين، على أن يُزوَّد بكافة المستندات ونتائج التحقيق.
«خطأ مطبعي»... ثم مطابقة
وجاء ردّ معهد البحوث على طلب الوزير بسيطاً ومقتضباً، إذ أرجع الإفادة الأولى إلى «خطأ مطبعي»، مؤكداً أن الشحنة خضعت لاحقاً للفحوصات المطلوبة وجاءت نتائجها مطابقة. وبناءً عليه، دخل الإسمنت المستورد إلى السوق وبدأ بيعه اعتباراً من 26 آب.
إلا أن هذا التبرير يفتح بدوره باباً من الأسئلة: كيف يمكن لـ«خطأ مطبعي» أن يحوّل توصيف شحنة من «معفاة من الفحص» إلى شحنة «مطابقة للمواصفات»، بما يغيّر وضعها القانوني ويفتح أمامها باب الإفراج الجمركي؟ وتطرح المسألة سؤالاً آخر حول سرعة إعلان المطابقة، إذ إن الفحوص الأساسية المنصوص عليها في المواصفة اللبنانية NL 53 للإسمنت تشمل متطلبات ميكانيكية وفيزيائية وكيميائية، من بينها اختبار مقاومة الضغط الذي يحتاج إلى 28 يوماً. وقد حاولت «الأخبار» التواصل مع وزير الصناعة لطرح هذه التساؤلات عليه، وللاستفسار عن متابعته للملف الذي أثاره بنفسه، إلا أنها لم تتلقَّ رداً.
من جهته، يشرح المدير العام المالي والإداري في معهد البحوث الصناعية، سليم كفوري، لـ«الأخبار»، «أصل المشكلة»، عازياً إياها إلى «إصدار وزير الصناعة التعميم 53/1، الذي فتح باب استيراد الترابة من دون إبلاغ المعهد به». ويقول إن ذلك دفع المعهد، عند وصول الشحنة في 3 آب، إلى اعتبارها شحنة مماثلة لسابقاتها، أي غير خاضعة للمرسوم ومعفاة من الفحوصات الإلزامية. وأضاف أن المعهد تبلّغ لاحقاً، في 13 آب، بأن الشحنة تحتاج إلى فحص إلزامي، فجرى التواصل مع مديرية الجمارك والشركة المستوردة، وأُخذت عينات من الإسمنت وبوشرت الفحوصات. ولفت إلى أن «المرسوم لا يحمّل المعهد مسؤولية سحب العينات كما هو الحال في الحديد والألمنيوم، بل يقتصر دوره على فحص العينات الواردة إليه، ومع ذلك قمنا بسحب العينات وأجرينا الفحوصات الميكانيكية والفيزيائية والكيميائية».
«حق الاجتهاد» في مقابل المهل
في المقابل، يؤكد متابعون للقضية أن «عدم إبلاغ المعهد بفتح باب الاستيراد لا يشكل سبباً قانونياً لإعفاء الشحنة أو إدخالها إلى السوق من دون استكمال تقييم المطابقة». ويعتبرون أنه، في حال غياب آلية إدارية واضحة، «كان يفترض إبقاء الشحنة معلّقة وطلب توضيح رسمي بدل إصدار إفادة تعدّها معفاة». ويشكّك هؤلاء في التبرير القائل إن الإسمنت كان يُدخل سابقاً من دون فحوص، إذ لا يمكن، برأيهم، تعميم هذه السابقة من دون تحديد طبيعة المادة المستوردة وتصنيفها ورمز النظام المنسّق (HS Code) الخاص بها، وما إذا كانت إسمنتاً جاهزاً للاستعمال، فضلاً عن تحديد الكميات التي دخلت والمواصفة التي كانت تُطبّق عليها.
أما في ما يتعلق بإصدار نتائج الفحوص في 24 آب، أي بعد نحو أسبوع من أخذ العينة، وعدم الانتظار للمهلة التي تصل إلى 28 يوماً، فيوضح كفوري أنه «قانونياً وعلمياً لدينا الحق في إصدار النتيجة خلال يومين، لكننا ارتأينا الانتظار أسبوعاً للتأكد من مطابقتها. ولو كان هناك أدنى شك لكنا انتظرنا حتى 28 يوماً»، مؤكداً أن الخبراء المعتمدين في المعهد شددوا على صحة النتائج استناداً إلى أسس علمية. ويربط كفوري تسريع إعلان النتائج بـ«الخلل الإداري الذي رافق تخليص الشحنة وضرورة تدارك الوقت»، موضحاً أن ما جرى «ليس خطأ ولا حتى تجاوزاً للمرسوم»، بل يدخل ضمن ما يصفه بـ«حق الاجتهاد» الممنوح للمعهد.
ماذا تعني الأيام السبعة؟
يحيل هذا التبرير إلى إشكالية علمية وأخرى قانونية. علمياً، لا يتوافق ما أورده المعهد مع المعايير الدولية المعتمدة، ولا سيما المعيار الأوروبي الذي ينصّ بوضوح على أن مقاومة الإسمنت عند 28 يوما تُعدّ المرجع الأساسي لتصنيفه في معظم الاستخدامات. ويُعزى ذلك، بحسب مهندس مدني، إلى أن اختبار 28 يوماً يهدف إلى قياس قدرة الإسمنت على بلوغ فئة مقاومة الضغط المعلنة بعد اكتمال تفاعل الإماهة (التفاعل الكيميائي بين الإسمنت والماء)، في حين أن اختبارات اليومين أو السبعة أيام تقتصر على قياس المقاومة المبكرة، والتي تفيد في تقييم سرعة تطور القوة وفك القوالب وسير أعمال البناء، لكنها لا تُقدّم حكماً نهائياً على ما إذا كان الإسمنت قد بلغ فعلياً مقاومة 42.5 أو 52.5 ميغاباسكال.
أما قانونياً، فيتمثل السؤال في حدود صلاحية معهد البحوث الصناعية في تقييم المطابقة. فالمعهد جهة تنفيذية وتقييمية للمواصفات، وليس جهة مخوّلة تعديل المواصفة الإلزامية NL 53 أو إعادة تفسيرها بما يغيّر مضمونها. فهذه المواصفة تتضمن متطلبات ميكانيكية ومعايير تصنيف ملزمة تتعلق بمقاومة الإسمنت، ولا تنصّ على أي إمكانية لاستبدال نتيجة فحص 28 يوماً بنتائج الفحوص المبكرة (مثل 7 أيام) في ما يخص إثبات فئة المقاومة النهائية للشحنة. كما أن ما يُشار إليه بـ«هامش الاجتهاد» يفتقر بدوره إلى سند تشريعي أو نص صريح في المرسوم أو أي قرار إداري يحدّد نطاقه أو يجيز توسيعه بما يمسّ جوهر آلية المطابقة أو معايير التصنيف المعتمدة.
وأخيراً، تتجاوز هذه القضية كونها مخالفة قانونية أو إدارية، لتشكل خطراً مباشراً على السلامة العامة، إذ إن «استخدام إسمنت غير مطابق للمواصفات قد يؤدي إلى انخفاض مقاومة الخرسانة، وظهور التشققات، وتسرب المياه، وتسارع صدأ حديد التسليح، ما يضعف الأبنية والجسور مع مرور الوقت. وفي الحالات الخطيرة، قد يصل الأمر إلى فشل عناصر إنشائية أو انهيارها»، بحسب المهندس المدني نفسه.