منذ بداية الحرب؛ كان هناك سؤال يفرض نفسه على حركة النفط أكثر مما تفرضه أرقام الأسعار نفسها؛ وهو : كيف يمكن لاضطراب يطال مضيق هرمز، والذي كانت تعبره قبل الحرب كميات تقترب من عشرين مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات، ألّا يدفع السوق إلى انفجار في الأسعار يكون بحجم الصدمة؟
تعطيل نصف هذه الكمية يعني إبعاد نحو عشرة ملايين برميل يوميًا عن المسار المعتاد. هي كمية كان يفترض أن تدفع عدد البراميل إلى مستويات تتجاوز كثيرًا ما وصل إليه قبل الحرب، حين تجاوز سعر برميل النفط 120 دولارًا من دون حرب.
جزء من الإجابة كان موجودًا في السوق قبل اندلاع الحرب. المخزونات المتراكمة، خلال الأشهر السابقة، والبراميل الموجودة على الناقلات والقدرة على إعادة توجيه بعض الصادرات والإنتاج الإضافي من خارج المنطقة، كلها أعطت السوق هامشًا لامتصاص الصدمة. لهذا؛ لم يتحول كل برميل تعطل في هرمز إلى برميل مفقود من الاستهلاك العالمي في اليوم نفسه، وظلت كميات من النفط تجد طريقها إلى الأسواق عبر مسارات بديلة.
الصين كانت تحمل إلى هذه المعادلة شيئًا لا يظهر في رقم استيرادها وحده. دخلت الحرب بمخزونات ضخمة، في حين كان استهلاكها للنفط يتراجع. كما تشير تقديرات وكالة رويترز إلى انخفاض الطلب الصيني بنحو 600 ألف برميل يوميًا، خلال العام الحالي (2026)، مع تراجع استهلاك البنزين والديزل، فيما تقدر المخزونات الصينية بنحو 1.17 مليار برميل.
هذا يعني أن بكين لم تكن مضطرة إلى الدخول إلى السوق بالمستوى نفسه الذي تدخل بها دولة لا تملك مخزونًا كافيًا، ولا بدائل واسعة. تستطيع تأجيل بعض المشتريات عندما يكون السوق مذعورًا، واستخدام ما لديها من مخزون بدل المنافسة الفورية على البراميل المتاحة، فلا تضيف إلى أزمة العرض أزمة طلب جديدة.
القدرة على تأجيل الشراء ليست منفصلة عن التحول الذي يجري داخل الاقتصاد الصيني نفسه. إذ إن الصين تعمل منذ سنوات على تقليص اعتمادها على النفط، خصوصًا في النقل. هذا؛ وتقدر أبحاث سينوبك أن السيارات الكهربائية والهجينة القابلة للشحن ستزيح نحو 1.2 مليون برميل يوميًا من الطلب الصيني على النفط، خلال العام 2026، فيما وصلت حصة هذه المركبات إلى 65% من مبيعات السيارات في يوليو/تموز.
المسألة إذًا؛ تتجاوز السيارات إلى طبيعة القوة الاقتصادية نفسها. الدولة التي تحتاج إلى كل برميل معروض في السوق تصبح أكثر تعرضًا لتقلبات السعر، في حين تزداد مساحة مناورة الدولة التي تستطيع خفض حاجتها، وتخزين ما تحتاج إليه، وتنويع مصادرها، وتأجيل جزء من مشترياتها عندما تكون السوق في ذروة التوتر.
المخزون، في هذه الحال، لا يكون احتياطًا للطوارئ فقط، وإنما يكون وقتًا إضافيًا؛ وبكين التي تستطيع الانتظار عندما تكون الأسعار مرتفعة، والشراء عندما تهدأ، والسحب من مخزوناتها عندما تضيق الإمدادات، تملك قدرة لا يملكها المستورد الذي يدخل السوق تحت ضغط الحاجة الفورية.
لكن السوق كشفت، في الأسابيع الأخيرة، الوجه الآخر لهذه القدرة. عندما احتاجت الصين إلى تعويض نقص الإمدادات الإيرانية والروسية، عادت مصافيها إلى السوق بقوة، واشترت كميات كبيرة من خامات غرب أفريقيا وكندا وأمريكا الجنوبية. هذا؛ وتحدثت وكالة رويترز عن أكثر من 20 مليون برميل اشترتها المصافي المستقلة الصينية، خلال أسابيع، فيما ارتفعت علاوات بعض الخامات نتيجة المنافسة على البراميل المتاحة.
تبدو صورة الواقع أكثر أهمية من رقم المشتريات نفسه. الصين تستطيع أن تكون عامل تهدئة عندما تؤجل الشراء وتستخدم مخزوناتها، لكنها تستطيع أيضًا أن تصبح عامل ضغط إضافي عندما تدخل السوق بكل ثقلها، في وقت تكون فيه الإمدادات محدودة. لهذا؛ فإن وزن الصين في سوق النفط لا يقاس بعدد البراميل التي تستوردها، إنما بالقدرة على تحديد توقيت الحاجة إليها.
هذا يمس الولايات المتحدة مباشرة. واشنطن تستطيع التأثير في جانب العرض بالقوة العسكرية والعقوبات والسيطرة على أمن طرق الملاحة، لكنها لا تستطيع التحكم منفردة في الطلب العالمي. وسعر النفط المرتفع لا يبقى في شاشة التداول الأمريكية، بل ينتقل إلى محطات الوقود والنقل والتضخم وتكلفة المعيشة، ثم إلى الحسابات السياسية الداخلية. لقد تجاوز برنت مجددًا حاجز 100 دولار في ظل اضطراب الإمدادات المرتبط بمضيق هرمز.
الصين ليست محصنة من ارتفاع النفط، فهي ما تزال أكبر مستورد عالميًا، وأي ارتفاع طويل في الأسعار يضغط على اقتصادها. لكن الفرق أن بكين تعمل في الاتجاه الآخر أيضًا، أي على تقليل مقدار الألم الذي يستطيع النفط أن يسببه لها. إذ كل انخفاض في استهلاك الوقود، وكل توسع في النقل الكهربائي، وكل برميل يضاف إلى المخزون، وكل مصدر جديد للإمداد، يمنحها هامشًا أكبر في مواجهة أي صدمة تأتي من الخارج.
لذلك؛ تكشف أزمة مضيق هرمز شيئًا يتجاوز المضيق نفسه. القوة في سوق النفط لم تعد مرتبطة بمن يملك الآبار أو يستطيع حماية طرق النقل وحسب، أيضًا بمن يستطيع التحكم في درجة حاجته إلى البرميل. الولايات المتحدة تملك أدوات ضخمة للتأثير في مسارات الإمداد، في حين تملك الصين قدرة متزايدة على التأثير في حجم الطلب وفي توقيت دخوله إلى السوق.
لا تحتاج بكين إلى خوض حرب أسعار مع واشنطن حتى تستخدم هذه القدرة. يكفي أن تختار متى تشتري، وكم تشتري، ومتى تسحب من مخزوناتها. في سوق تعاني أصلًا من نقص الإمدادات، قد يكون دخول أكبر مستورد في العالم بكل ثقله عاملًا يرفع الضغط على الأسعار، في حين يؤدي تأجيل مشترياته إلى منح السوق مساحة للتنفس.
لذلك؛ ربما،ا كانت أزمة مضيق هرمز كاشفة أكثر مما كانت مجرد أزمة إمداد. المضيق يختبر قدرة المنتجين والدول الكبرى على حماية تدفق النفط، لكن الصين تختبر شيئًا مختلفًا: قدرة أكبر مستورد في العالم على تقليل حاجته إلى النفط، ثم اختيار اللحظة التي يعود فيها إلى السوق.