لماذا تتحدث طهران وواشنطن لغتين سياسيتين مختلفتين؟

post-img

فادي الحاج حسن/كاتب لبناني

لم يكن الخلاف بين واشنطن وطهران يومًا مجرد نزاع مصالح جيوسياسية عابر يمكن حلّه بجولة تفاوض أو تفاهم دبلوماسي. بحسب قراءة مقارنة لأسس الشرعية السياسية في النظامين، فإنّ العداء الممتدّ منذ عقود يضرب بجذوره في تصوّرين فلسفيين متعارضين كليًا لسؤال واحد: من يحقّ له أن يحكم، ولماذا؟

في واشنطن، تُستمَدّ شرعية الحكم من عقد بشري بحت يوقّعه الأفراد فيما بينهم. وفي طهران، تُستمَدّ من نيابة فقهية عن إمام غائب. بين هذين القطبين، لا تبدو المسافة مؤسسية فحسب، أيضًا تكاد تكون ميتافيزيقية.

الأساس الفلسفي المتضاد

في القرن السابع عشر، رسم الفيلسوف الإنكليزي توماس هوبز، في كتابه الشهير Leviathan "الصورة التأسيسية للدولة الحديثة الوضعية"، كيان اصطناعي "يخلقه" البشر بأنفسهم، لا نسب يسوغه ولا سند ديني يسنده. تنشأ هذه الدولة، بحسب هوبز، حين يتنازل الأفراد عن حقّهم في حكم أنفسهم بأنفسهم لمصلحة سلطة واحدة جامعة، هربًا من "حال طبيعية" وصفها بــ"حرب الكل ضد الكل" تجعل حياة الإنسان "وحيدة، فقيرة، بغيضة، وحشية وقصيرة". هذا المنطق، أي الدولة نتاج عقد بشري بحت، هو الأساس الذي قامت عليه لاحقًا الجمهوريات الدستورية الحديثة، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة.

في المقابل، حين صاغ الإمام الخميني نظرية "ولاية الفقيه"، في كتابه الحكومة الإسلامية، لم يكن يبحث عن عقد بين أفراد متساوين، إنما عن نيابة: نيابة الفقيه الجامع لشرطين لا ثالث لهما، وهو العلم بالشريعة والعدالة بالنيابة عن الإمام المعصوم الغائب. يرى الامام الخميني هذا المبدأ بأنّه يستدعي "موافقة فورية" من كل من له إلمام بعقائد الإسلام، فالشريعة نفسها لا تترك "موضوعًا في الحياة الإنسانية" من دون تعليمات، ما يجعل فصل الدين عن الحكم، من هذا المنظور، تفريغًا للدين من مضمونه لا حيادًا منهجيًا.

لا يترك الامام الخميني صفة "الفقيه الجامع للشرائط" مبهمة؛ فمعرفة طبائع الملائكة أو تفاصيل الغيب "لا أهمية لها ولا صلة" بأهلية الحاكم في نظره؛ ما يهمّ هو الفقاهة الشاملة والعدالة وحدهما. بهذا تتحدَّد شرعية شاغل الولاية بمعيارين موضوعيين سابقين على أي تفويض، لا بالتفويض الانتخابي وحده كما في المنطق الهوبزي، حين تكفي صحة الإجراء التأسيسي نفسه بصرف النظر عن أي معيار أخلاقي مسبق في شخص الحاكم.

نقطة التقاء نادرة وسط اختلاف جذري

على الرغم من وجود هذه الهوّة الفلسفية، تكشف المقارنة عن نقطتي التقاء لافتتين. الأولى أنّ كلا النموذجين يرفض الاستبداد الفردي المطلق: كما رفض هوبز حكم الفرد خارج إطار التفويض، رفض الامام الخميني صراحة "الملكية والتوريث"؛ لأنّه "لا مكان لهما" في الحكم الإسلامي. الثانية أنّ كلا النموذجين يفترض وجود "شخص" جامع تتوحّد فيه الإرادة، جمعية منتخبة هنا، فقيه جامع للشروط هناك...كما أنّ هناك تقاطعًا إجرائيًا يكاد يكون مفاجئًا: مفهوم "البيعة" في الفكر السياسي الشيعي، وهو عقد كان سائدًا بين القبائل العربية قبل الإسلام قبل أن تمنحه سيرة النبي شرعيته، يحمل شبهًا بنيويًا بمفهوم "الميثاق" عند هوبز. كلاهما عقد ينشئ التزامًا متبادلًا. لكنّ الفارق الجوهري يبقى قائمًا في مصدر شرعية هذا العقد: عرف أقرّته الشريعة في حال، وإرادة بشرية مجرَّدة في الحال الأخرى.

لماذا لا يعني التشابه المؤسسي شيئًا كبيرًا؟

قد يظن المراقب من بعيد أنّ وجود دستور ومؤسسات منتخبة، في كلا البلدين، يقرّبهما أكثر. لكنّ المقارنة تكشف أنّ هذا التشابه الشكلي يخفي وظيفة مختلفة تمامًا لكل مؤسسة. "المحكمة العليا" في واشنطن، وهي هيئة رقابة دستورية علمانية بحتة، في حين تضيف الهيئة الموازية في طهران (مجلس صيانة الدستور) إلى الرقابة الدستورية وظيفة التحقّق من مطابقة كل تشريع للشريعة الإسلامية. المؤسستان تحملان الاسم الوظيفي ذاته تقريبًا، لكنّهما تجيبان عن سؤال مختلف جوهريًا: هل هذا القانون دستوري؟ أم هل هذا القانون إسلامي أيضًا؟

حين يتحوّل الخلاف الفلسفي إلى خطاب سياسي يومي

هذا التباين لا يبقى حبيس الكتب. حين وصف الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش (الابن) الحرب على الإرهاب بأنها أشبه بـ"حرب صليبية"، عُلّق على ذلك في الخطاب الإيراني الرسمي بأنّ "الصراع الشرّير، لكنّه كان محقًّا" في وصفه، أي أنّه صراع بين مرجعيتين لا مجرّد نزاع مصالح. كما يُصوَّر العداء المعلن للسياسات الأمريكية بأنّه "نابع عن معرفة تجربة" امتدّت أكثر من سبعة وثلاثين عامًا، لا عن تعصّب عابر.

يذهب هذا الخطاب إلى ما هو أبعد من التنظير المجرَّد، إذ يوظِّف الفجوة الفلسفية ذاتها في نقد أخلاقي مباشر لما يراه ازدواجية في المعايير الغربية، من ذلك التساؤل: إن كان لـــ"إسرائيل" حق الدفاع عن نفسها، أفلا يملك الفلسطينيون الحق ذاته؟ وهو تساؤل يُستخدم حجّة على أنّ تطبيق المرجعية الوضعية للقانون ليس محايدًا كما تدّعي نظريًا، بل يخضع لمعايير القوة.

المفارقة أنّ هذا الخطاب لا يرفض أدوات المرجعية الوضعية جملة وتفصيلًا، إنما يعيد توظيفها ضمن منظومته الخاصة. حين يُسأل الخطاب الرسمي الإيراني عن موقع مفاهيم الحرية وحق الشعب في الاختيار في الفكر الإسلامي، لا يأتي الجواب بنفيها، بل بردّها إلى مصدر مختلف عن مصدرها الوضعي: فهي، كما يُصاغ رسميًا، "برامج" تتفرَّع من "الرؤية التوحيدية" ذاتها لا من افتراض استقلال الإرادة الفردية بذاتها. بعبارة أخرى: المفردات السياسية قد تتشابه، لكنّ القاموس الفلسفي الذي تُستمَدّ منه مختلف كليًا.

الدين والدولة.. انفصال أم اندماج؟

يكمن جوهر الافتراق في موقع الدين من السياسة. المرجعية الوضعية تفترض إمكان، بل ضرورةـ الفصل بين الحقلين. أمّا في الخطاب الإيراني، فهذا الفصل غير قائم من الأساس؛ إذ تُوصَف التجربة الإيرانية بأنها "الدين هو عين السياسة، والسياسة هي عين الدين". يستند هذا الموقف إلى قناعة الامام الخميني نفسه بأنّه "لا يوجد موضوع في الحياة الإنسانية إلا وقد قدَّم الإسلام فيه تعليمات ووضع له قاعدة"، وأغلب الأحاديث النبوية تتعلّق بالشؤون الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لا بالعبادات وحدها. من هذا المنظور، فإنّ إبعاد الدين عن الدولة ليس حيادًا منهجيًا كما تفترض المرجعية الوضعية، هو تعطيل لجزء جوهري من الدين ذاته.

إلى أين؟

ما تكشفه هذه المقارنة ليس مجرَّد اختلاف أكاديمي مجرَّد، هو تفسير بنيوي لصعوبة أي تقارب دائم بين واشنطن وطهران. التشابه المؤسسي الشكلي بين النظامين (دستور، مؤسسات، آليات شبيهة بالتمثيل الشعبي) لا يخفي أنّ كل طرف يستمدّ شرعيته من مرجعية تنكر، في المبدأ وأساس شرعية الطرف الآخر. إذ طالما بقيت المعادلة على هذا النحو، فإنّ أي انفراج سياسي، نوويًا كان أو إقليميًا، سيظل محكومًا بسقف هذا التناقض الفلسفي العميق، لا بمجرَّد توازن المصالح اللحظي.

لذلك؛ يطرح السؤال: هل يمكن لمرجعيتين تنطلقان من تصوّرين فلسفين متناقضين لمصدر السلطة أن تتعايشا يومًا ضمن نظام دولي واحد؟

يبقى هذا السؤال مفتوحًا على سيناريوهات متعدِّدة: من احتواء متبادل هشّ قائم على توازن الردع إلى مواجهة متجدِّدة كلما استحضر أي طرف الأساس الفكري الذي يرفضه أصلًا في الطرف الآخر.. فما لم تُفهم جذور هذا الخلاف الفلسفية، سيبقى أي حديث عن "تطبيع" العلاقة بين البلدين حديثًا عن الأعراض لا عن الجذر.

المصادر والمراجع

أمريكا في فكر الإمام الخامنئي. (2021). مركز المعارف للتأليف والتحقيق (إعداد). دار المعارف الثقافية الإسلامية.

الموسوي، علي عباس. (2013). الدين وسؤال السياسة. في: مجموعة من الباحثين، الفكر السياسي عند الإمام الخامنئي (ص. 5-12). دار المعارف الحكمية.

حاجي صادقي، عبدالله. (2013). مباني فلسفة الإسلام السياسية في رؤية الإمام القائد الخامنئي (ترجمة نوال خليل). في: مجموعة من الباحثين، الفكر السياسي عند الإمام الخامنئي (ص. 41-76). دار المعارف الحكمية.

واعظي، أحمد. (د.ت). الحكومة الإسلامية: دروس في الفكر السياسي الإسلامي.

Hobbes, T. (1651). Leviathan.

Khomeini, R. (2008). Islamic government: Governance of the jurist (H. Algar, Trans.; 3rd printing). The Institute for Compilation and Publication of Imam Khomeini's Works.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد