نقاشات صندوق النقد المكثّفة: الفجوة والإطار المالي

post-img

صحيفة المدن 

بدأت بعثة صندوق النقد الدولي، اليوم الثلاثاء، جولتها في بيروت، باجتماعاتٍ ذات طابع تقني في وزارة الماليّة. وكما بات واضحاً اليوم، ستتركّز اجتماعات البعثة طوال الأسبوع على ملفّين أساسيين: أولاً، التحديثات والتعديلات المطلوبة على مشروع قانون الفجوة الماليّة، المُقر من قبل مجلس الوزراء، والذي يفترض أن يخضع لمناقشات داخل لجنة المال والموازنة خلال الفترة المقبلة. وثانياً، الإطار المالي المتوسّط الأجل، الذي طُرح على طاولة مجلس الوزراء سابقاً، والذي سيخضع لتعديلات في ضوء تأثيرات الحرب على ماليّة الدولة وإيراداتها. 

نقاشات الفجوة الماليّة

مصادر "المدن" أفادت بأن الصندوق يحمل في يده مجموعة من الأسئلة المرتبطة بمشروع قانون الفجوة الماليّة، ومنها تأثير الحرب على حجم الاحتياطات الموجودة، والتدفّقات النقديّة التي سترِد إلى مصرف لبنان خلال الفترة المقبلة. وعلى هذا الأساس، يرغب الصندوق بمراجعة كفاية هذه الاحتياطات والتدفّقات المستقبليّة، لتسديد كل وديعة لغاية مئة ألف دولار أميركي، وفقاً لمقاربة مشروع القانون المُعد من قبل الحكومة. ويرى الصندوق أنّ المعيار الأساسي الذي يفترض أن يتم الاحتكام إليه، عند تقييم هذا الجانب من المشروع، هو واقعيّة الفرضيّات التي يقوم عليها، وقدرة مصرف لبنان على تلبية الموجبات المنصوص عنها.

عند هذه النقطة، يحمل مصرف لبنان في جعبته ما يتوافق مع شكوك الصندوق ومطالبه. إذ بات من المعلوم أن حاكم المصرف المركزي طرح مجموعة من النقاط المكتوبة، ومنها ما يطالب بتمديد المهلة الممنوحة لتسديد كل وديعة لغاية مئة ألف دولار، بالإضافة إلى زيادة المهلة الممنوحة لتسديد السندات الطويلة الأجل. وبهذا الشكل، يحاول مصرف لبنان تخفيف الضغط على سيولته، مع الإبقاء على الحد الأدنى من الاحتياطات المتوفرة حتّى خلال فترة السداد. 

لكن في المقابل، يحمل صندوق النقد أولويّات مختلفة عن تلك التي يحملها حاكم مصرف لبنان. فبعثة الصندوق ما زالت ترى ضرورة لتحديد مسؤوليّة الدولة في تسديد خسائر مصرف لبنان بشكلٍ أدق، وبطريقة تحد من تحميل المال العام كلفة إعادة هيكلة القطاع. أمّا الحاكم، فيصر -وعلى العكس تماماً- على زيادة حصّة الدولة من هذه الكلفة، لتصل إلى قرابة 24 مليار دولار أميركي. مع الإشارة إلى أنّ مشروع قانون الفجوة، في صيغته الحاليّة، يكتفي بذكر مسؤوليّة الدولة في إعادة رسملة مصرفها المركزي، من دون تحديد نطاق هذه المسؤوليّة بشكلٍ واضح. 

على مستوى آليّات توزيع الخسائر، بات ثمّة إجماع محلّي على اتباع تراتبيّة الحقوق والمطالب، التي تبدأ بتحميل أصحاب الأسهم في المصارف الشريحة الأولى من الخسائر، قبل التدرّج في تحميل المودعين أي خسائر على قاعدة "الأصول غير المنتظمة". إلا أنّ مصرف لبنان ما زال يطالب باحتساب الرساميل الجديدة، التي أمّنها أصحاب المصارف بعد حصول الأزمة، ضمن تقديمات إعادة الرسملة الحاليّة، ما يحيّد هذه الرساميل عن تحمّل أي خسائر مستقبلاً. 

الإطار المالي المتوسّط الأجل

رغم غيابه عن التداول الإعلامي، يُعد الإطار المالي المتوسّط الأجل أحد ركائز مسار التعافي المالي، وفق رؤية صندوق النقد الدولي. وهذا الإطار، يفترض أن يقدّر إيرادات الدولة للسنوات الخمس المقبلة، في مقابل نفقاتها المتوقّعة. كما يجب أن يحدد هذا الإطار حصّة كل باب من أبواب النفقات، من إجمالي الموازنة العامّة، كقيمة وكنسبة من الناتج المحلّي. وعلى هذا الأساس، سيكون بإمكان الدولة تقدير حجم الفوائض التي سيتم تحقيقها خلال الفترة المقبلة، وهو ما يسمح بالتفاوض مع الدائنين لإعادة هيكلة الدين العام على أساس واقعي.

وتجدر الإشارة إلى أنّ وزارة الماليّة كانت قد أعدت هذا الإطار قبل الحرب، على أساس المعطيات التي كانت المتوفّرة في ذلك الوقت. غير أنّ اندلاع الحرب الأخيرة فرض على الدولة كتلة من النفقات المستجدة، وخصوصاً في ما يتّصل بحاجات ترميم البنية التحتيّة والتعامل مع الأضرار. كما أثّرت الحرب، من جهة أخرى، على حجم الإيرادات المتوقعة خلال الفترة المقبلة. وهذا ما فرض إعادة النظر في الأرقام والتوقّعات، ومن ثم العمل على صيغة جديدة للإطار المالي المتوسّط الأجل. 

 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد