معتز منصور/ باحث سياسي
لم يكن اسم توم برّاك ليتقدم مجددًا إلى واجهة النقاش اللبناني لولا سلسلة تصريحات وإشارات أثارت جدلًا واسعًا، في نظرته إلى لبنان ودوره وحدوده في المعادلات الإقليمية. من حديثه عن هشاشة الكيان اللبناني، إلى مقاربته التي صرح فيها أن لبنان جزء من فضاء سوري أوسع، وصولًا إلى طرحه أفكارًا تُقرأ على أنها إعادة تعريف للسيادة والحدود ووظيفة الدولة في المشرق، بدا برّاك وكأنه يتعامل مع لبنان لا يصفته دولة مكتملة السيادة، بل بصفته ملفًا قابلًا لإعادة الهندسة ضمن ترتيبات إقليمية أكبر.
هذه التصريحات، والتي قوبلت بانتقادات حادة في الداخل اللبناني، لم تكن زلات لسان عابرة، بل عكست بوضوح الخلفية الذهنية والسياسية التي تحكم مقاربته للمنطقة.
بدءًا من هنا، يصبح التوقف عند شخصية برّاك ومسيرته وشبكات نفوذه ضرورة لفهم طبيعة الدور الذي يُراد له أن يؤديه في المرحلة المقبلة.
توم برّاك رجل أعمال ومستثمر أمريكي من أصول لبنانية، أصبح خلال إدارة ترامب شخصية محورية في السياسة الأمريكية إزاء منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط)، لاسيما في الملفات الحساسة المتعلقة بلبنان وسوريا وحزب الله وإسرائيل. خلف هذا الدور الرسمي؛ يكمن تاريخ مهني طويل يمزج بين الأعمال التجارية والاستثمارية والعلاقات السياسية، ما جعل منه جسرًا بين دوائر المال والنفوذ السياسي الأمريكي والخليجي.
بدأ برّاك مسيرته المهنية في قطاع العقارات والاستثمارات المالية، فأسس شركات متعددة ووسع شبكة علاقاته بين النخبة الاقتصادية والسياسية. قدرته على توليد الثروة وإدارة المشاريع الكبرى لم تكن هدفًا اقتصاديًا بحتًا، كانت أداة لتكوين نفوذ سياسي. لكن خلف واجهة النجاح، تبرز صورة أخرى في سجله المهني كثيرًا ما تناولتها الصحافة الاقتصادية الأمريكية. إذ اتُهم بإدارة استثمارات عقارية عالية المخاطر، عبر هياكل مالية معقدة، تضمن له المكاسب بينما تُلقي بالجزء الأكبر من المخاطر على المستثمرين. خلال اضطراب سوق العقارات الأمريكي، تكبد العديد من زبائنه خسائر كبيرة، في حين حافظ هو على موقعه المالي.
هذا النمط من هندسة النفوذ، عبر تدوير المخاطر على الآخرين، يجد تكراره لاحقًا في دوره السياسي، حين يدفع بمسارات عالية الكلفة في "الشرق الأوسط" تحت غطاء دبلوماسي، بينما تتحمل الأطراف المحلية تبعات تلك السياسات.
في العام 2017، انتقل برّاك رسميًا إلى العمل السياسي من بوابة إدارة ترامب، مستفيدًا من شبكة علاقاته الواسعة وخبرته في الاستثمار الدولي. موقعه الجديد، في دوائر صنع القرار الأمريكي، منحه فرصة الانخراط في ملفات الشرق الأوسط الحساسة، بأدوات تجمع بين النفوذ المالي والخبرة في قراءة خريطة التحالفات الإقليمية.
تاريخ برّاك الشخصي يثير علامات استفهام متعددة، تشمل القضايا القانونية والأخلاقية. في العام 2021، واجه اتهامات تتعلق بالعمل وكيلًا غير مسجل لدولة أجنبية، والتأثير على السياسة الأمريكية لمصلحة دولة الإمارات، والكذب على الـFBI في أثناء التحقيقات. على الرغم من تبرئته لاحقًا، إلا أن هذه التهم تركت أثرًا واضحًا في الانطباع العام، ورسخت صورة رجل قادر على استخدام نفوذه الشخصي لتحقيق أهداف تتجاوز القانون والأطر المؤسسية التقليدية.
إلى جانب ذلك، ورد اسم برّاك في ملفات جيفري إبستين، وهي مجموعة وثائق تشمل تحقيقات قضائية وسجلات سفر واتصالات وإفادات عن شبكة اتجار جنسي واسعة، كان يديرها إبستين. على الرغم من عدم توجيه أي اتهام رسمي إليه، فإن مجرد ورود اسمه في هذه الملفات يضيف بعدًا من الشبهة، ويثير تساؤلات عن طبيعة علاقاته وشبكة نفوذه، ويعزز الانطباع بأن حضوره في الصناعة السياسية الأمريكية ليس معزولًا عن شبكات مصالح رمادية.
تجمع هذه الوقائع نطاقًا واسعًا من الشبهات عن استقلالية دوره وأخلاقياته، ما يجعل أي تحرك له في لبنان وسوريا أو مواقفه إزاء حزب الله وإسرائيل قابلًا للقراءة على أنه أداة ضغط أمريكية وإقليمية أكثر من كونه مبادرة دبلوماسية محايدة.
في لبنان، يندرج نشاط برّاك ضمن الاستراتيجية الأمريكية الرامية إلى تعزيز سلطة الدولة على حساب سلاح حزب الله، في محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى الداخلية وتقليص قدرة الفاعلين المستقلين على تحديد مسارات القرار الوطني. إن أي خطة مرتبطة بإعادة هيكلة الأمن أو ضبط الداخل اللبناني تُفهم في هذا السياق، لاسيما مع الاقتراب الكبير بين أولويات واشنطن وتل أبيب. مع ذلك، فإن قدرة المقاومة على الصمود وامتدادها الشعبي تجعل من الصعب ترجمة هذه الضغوط إلى اختراقات حقيقية، ما يفسر محورية متابعة دور برّاك ضمن مسار الضغوط الدولية.
في سوريا، يظهر برّاك شخصًا قادرًا على فتح خطوط اتصال مع دمشق، لكن طبيعة هذه القنوات لا تنفصل عن استراتيجية أمريكية تهدف إلى إعادة ضبط النفوذ السوري بما يخدم مصالح خارجية أكثر من سعيها إلى استقرار فعلي. أما في ما يخص إسرائيل، فإن انسجامه مع الأولويات الأمريكية يجعل أي طرح يتعلق بلبنان جزءًا من منظومة دعم غير مباشر للمصالح الإسرائيلية، وإن حافظ على مظهر الوسيط الدبلوماسي.
على الرغم من الصورة التي يسعى برّاك لترسيخها خبيرًا قادرًا على إدارة ملفات معقدة، إلا أن مسيرته تكشف نمطًا واضحًا: رجل أعمال يوظف أدوات النفوذ المالي وشبكات العلاقات لتوجيه ملفات سياسية تتجاوز خبرته الرسمية.
هذا النموذج، والذي يدمج بين رأس المال والسياسة والتحالفات العابرة للحدود، يعكس إحدى أهم أدوات واشنطن في إدارة صراع النفوذ بالشرق الأوسط، خاصة عندما يتعلق الأمر بمحاولة إعادة هندسة موازين القوى في لبنان وسوريا.

ما يكشفه سجل برّاك، من تلاعبه بالمخاطر المالية إلى الاتهامات القانونية وصولًا لورود اسمه في ملفات إبستين الجنسية، لا يتعلق بشخصه فقط، إنما ببنية إنتاج النفوذ داخل النظام السياسي الأمريكي. إذ إن السياسات، في الشرق الأوسط، كثيرًا ما تُدار عبر شبكات مصالح لا تتقيد بمسارات المؤسسات التقليدية، بل بمزيج من المال والسياسة والعلاقات الخاصة.
من هذه الزاوية، يصبح برّاك مدخلًا لفهم الطريقة التي تُبنى بها السياسات الأمريكية في المنطقة: كيف تُستخدم شخصيات من هذا الطراز لقيادة ملفات حساسة تمس سلاح المقاومة في لبنان والمشهد السوري وعلاقة واشنطن بإسرائيل.
إن قراءة دوره، ضمن هذا السياق، تقدم رؤية أعمق لطبيعة المرحلة المقبلة، وتكشف ما وراء الأدوار المعلنة من شبكات وحسابات ونفوذ.