"مع حسن في غزة"، فيلم وثائقي يقدم مقاربة فنية مختلفة لرواية العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، بحسب مخرج العمل المنتج الفلسطيني كمال الجعفري. أكد المخرج الفلسطيني قدرة السينما على أن تكون جسراً بين الذاكرة والسرد، وأداة مقاومة في وجه محاولات المحو والنسيان.
كمال الجعفري: أعمل مع هذا الأرشيف منذ سنوات طويلة. أؤمن بأن السينما تحتاج إلى مسافة زمنية كي تفهم ما حدث فعلاً. حين يشاهد المرء صوراً من عام 2001 يفهم كل ما حدث دون أي شرح أو تفسير. جاء ذلك في مقابلة على هامش مشاركة الفيلم في مهرجان الدوحة السينمائي قبل أيام، حيث نال جائزة أفضل إنجاز فني، وسط اهتمام نقدي واسع بتجربته البصرية والفكرية.
الفيلم يتكوّن من لقطات صوّرها الجعفري بنفسه في قطاع غزة عام 2001، قبل أن يعثر عليها ويعيد نشرها بعد أكثر من عقدين.
خلال العمل، يصطحب المخرجُ مشاهده في رحلة تمتد من شمال القطاع إلى جنوبه برفقة دليل محلي يُدعى حسن، فتتشكل صورة شاعرية عن الحياة اليومية للفلسطينيين، تتداخل فيها ملامح العيش العادي مع أجواء الحرب المستمرة.
أوضح الجعفري أن فيلمه يختلف عن كثير من الأعمال التي أُنتجت في السنوات الأخيرة عن فلسطين وغزة والتي اعتمد معظمها على السرد المباشر أو الدراما. وقال: “أعمل مع هذا الأرشيف منذ سنوات طويلة. أؤمن بأن السينما تحتاج إلى مسافة زمنية كي تفهم ما حدث فعلاً. حين يشاهد المرء صوراً من عام 2001 يفهم كل ما حدث دون أي شرح أو تفسير”.
في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بدأت إسرائيل حرب إبادة على قطاع غزة استمرت عامين، وتجاوزت حصيلة ضحاياها 71 ألف شهيد و171 ألف جريح فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، إلى جانب دمار هائل قدرت الأمم المتحدة كلفة إعادة إعماره بنحو 70 مليار دولار.
الذاكرة المقاومة
توقف الجعفري عند البعد السياسي والإنساني للعمل، معتبراً أن ما يتعرض له الفلسطينيون “مشروع محو شامل”، لا يقتصر على القتل، بل يمتد إلى محاولة إزالة الناس من الذاكرة الإنسانية. وأضاف: “نحن أمام تدمير جماعي غير مسبوق. الهدف ليس إنهاء الحياة فحسب، بل محو أثرها، كأن الفلسطينيين لم يكونوا هنا يوماً”. وأكد أن السينما والفن عموماً يؤديان دوراً حاسماً في مواجهة هذا المسار، موضحاً أن الصورة الفنية قادرة على تثبيت الوجود في الوعي الجمعي، وأن التعبير البصري أحد أشكال المقاومة الهادئة ضد الإبادة.
وعي المشاهد
في مقاربة لافتة، أشار الجعفري إلى أنه تعمّد عدم إدراج مشاهد العنف المباشر أو القتل في الفيلم، رغم معرفته بأن الجمهور بات يرى هذه الصور يومياً.
كما ذكر أن “تكرار صور العنف قد يرسخ صورة نمطية عن الفلسطيني بوصفه مجرد ضحية. أردت إظهار الحياة العادية اليومية، تلك التي تشبه أي مجتمع آخر”. وأضاف أن الفجوة بين صور الماضي وما يحدث اليوم يملؤها وعي المشاهد نفسه، ومعرفته المسبقة بما آلت إليه غزة، دون حاجة إلى خطاب مباشر أو مشاهد صادمة.
لحظات موجعة
تحدث الجعفري بتأثر عن مشاهد الأطفال التي تظهر في الفيلم، والتي رآها لأول مرة على شاشة سينما كبيرة بعد سنوات طويلة من تصويرها.
الجعفري: نحن أمام تدمير جماعي غير مسبوق. الهدف ليس إنهاء الحياة فحسب، بل محو أثرها، كأن الفلسطينيين لم يكونوا هنا يوماً. وقال: “لم أستطع منع دموعي. هؤلاء الأطفال كانوا يريدون فقط أن تُلتقط لهم صورة، أن يشعروا بالاهتمام. هذا احتياج إنساني بسيط، لكنه في فلسطين يصبح مشبعاً بالألم”.
شدد على أن تصوير الفلسطينيين بوصفهم بشراً عاديين، لا مجرد أرقام أو ضحايا، هو جوهر مشروعه السينمائي.
سينما ضد المحو
الفيلم الوثائقي “مع حسن في غزة”، الذي عُرض في عدد من المهرجانات السينمائية الدولية بينها لوكارنو، يقدم سردية خاصة عن غزة، حيث تتحول الصور القديمة إلى وثيقة فنية ترصد تلاشي المكان والزمان في مدينة تتعرض للتدمير المتكرر.
في هذا الفيلم، يختتم الجعفري عمله بتكريس السينما بوصفها أداة للذاكرة، تحفظ ما تحاول القوة الباطشة محوه، وتبقي الإنسان حاضراً في مواجهة العنف، ليس بالصراخ، بل بالصورة والزمن والذاكرة.