اوراق خاصة

الديمقراطية تحت القصف.. كيف تحارب واشنطن خيارات الشعوب باسم الحرية؟

post-img

خالد حسن/ صحافي مصري

ما جرى في فنزويلا لا يمكن قراءته على أنه حادثة أمنية عابرة، ولا حتى حلقة تقليدية في سلسلة الصدام الطويل بين واشنطن وأنظمة تصنفها خارجة عن الطاعة.. هو تطور نوعي يكشف تحوّلًا عميقًا في بنية النظام الدولي نفسه.

نحن أمام لحظة تُسقط ما تبقى من ورقة التوت القانونية التي حاول النظام الدولي الاحتماء بها لعقود، وتعيد تعريف السياسة العالمية بوصفها مجالًا تحكمه القوة المجردة لا القواعد، وتُدار فيه الشرعية بمنطق الأمر الواقع لا بمنطق القانون. العملية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجه ونقلهما إلى نيويورك، خلال نحو ساعة ونصف، لم تكن مجرد إسقاط نظام، بل إعلانًا فظًا بأن مفهوم السيادة الوطنية بات معلقًا ومشروطًا، يسقط فور تعارضه مع الإرادة الأمريكية.

دلالة الزمن هنا ليست تفصيلًا تقنيًا، هي جوهر الرسالة، تسعون دقيقة كانت كافية لاختراق الأرض، وشلّ القيادة السياسية، ونقل رأس الدولة إلى داخل الولايات المتحدة..!

لسنا أمام حرب تقليدية ولا غزو شامل، نحن أمام نموذج جديد يمكن تسميته بـ«الضربة السيادية القاتلة»، حيث لم يعد تغيير الأنظمة يحتاج إلى تعبئة جيوش أو احتلال طويل، إنما إلى قرار تنفيذي سريع يُنفَّذ كعملية جراحية، ويُقدَّم للعالم أمرًا واقعًا.. الرسالة تتجاوز فنزويلا إلى الأنظمة كلها غير المنسجمة مع واشنطن: لا حصانة، لا خطوط حمراء، لا وقت طويل للرد.

من الناحية القانونية، لا بد من ضبط الصورة بدقة حتى لا يتحول النقد إلى تبسيط. المادة الثانية، من الدستور الأمريكي، لا تمنح الرئيس حق إعلان الحرب رسميًا، لكنها تمنحه هامشًا واسعًا لاستخدام القوة العسكرية من دون الرجوع المسبق إلى الكونغرس.. هو هامش استُخدم تاريخيًا أداة التفاف على الرقابة التشريعية. غير أن ما حدث في فنزويلا يتجاوز حتى هذا الهامش، لأنه لا يتعلق فقط بتجاوز الكونغرس، هو بتجاهل القانون الدولي برمته، في هجوم عسكري مباشر على دولة ذات سيادة من دون أي تفويض أممي أو غطاء من مجلس الأمن. هنا؛ لم تعد الولايات المتحدة تتصرف بصفتها دولة داخل نظام دولي، بل قوة فوق النظام، تنصّب نفسها مرجعية وحيدة للشرعية، وتختزل القانون في إرادة الرئيس.

خطورة هذا السلوك لا تكمن في كونه استثناءً، إنما في تحوّله إلى نمط. ترامب لم يلجأ إلى الكونغرس عندما نفذ العملية الفنزويلية، كما لم يفعل عندما وجّه ضربات للمنشآت النووية الإيرانية خلال حرب الاثني عشر يومًا التي اندلعت على خلفية العدوان الإسرائيلي. نحن أمام أسلوب حكم لا يرى في المؤسسات سوى عوائق، ويحوّل الاستثناء إلى قاعدة، ويؤسس لمرحلة يصبح فيها القرار العسكري الخارجي شأنًا شخصيًا أكثر منه مؤسسيًا.

تاريخيًا، لم تبدأ الولايات المتحدة، اليوم، في استخدام القوة خارج القانون، العراق سُحق بذريعة أسلحة دمار شامل لم تُعثر عليها، وسوريا ضُربت بذريعة السلاح الكيماوي ودعوى النظام الدكتاتوري من دون أي أدلة حاسمة، وتعرض قاسم سليماني الإيراني لعملية اغتيال بصفته مسؤولًا رسميًا في دولة ذات سيادة.. لكن الجديد في فنزويلا هو الانتقال من منطق الاغتيال إلى منطق الاختطاف القضائي، أي استخدام القضاء الأمريكي أداة استعمارية عابرة للحدود. هنا لا تُنفَّذ الجريمة فقط بالقوة، هي تُغلف بخطاب العدالة، وتتحول المحاكم المحلية إلى منصات لمحاسبة دول العالم متى شاءت واشنطن.

هذا التطور يعكس ما يمكن وصفه بالفرعونية السياسية، ليس بوصفه استعارة بلاغية، لكن بوصفه عقيدة حكم كاملة، قوامها أن ما تراه الولايات المتحدة هو الحقيقة الوحيدة، حتى لو ناقض الوقائع. في هذا المنطق، يصبح الاتهام بديلًا عن الدليل، والقرار بديلًا عن التحقيق، العراق قُدِّم للعالم على أنه خطر نووي، ثم تبيّن لاحقًا، باعترافات أمريكية وبريطانية، أن الذريعة كانت كذبة كبرى. إيران تُقدَّم على أنها على وشك امتلاك قنبلة نووية، فيسوغ استهداف منشآتها السلمية، ثم يُعاد إنتاج الذريعة ذاتها لاحقًا. الحقيقة هنا لا قيمة لها، لأن القوة قادرة على فرض سرديتها بأثر رجعي.

فنزويلا لم تكن استثناءً عن هذه القاعدة. النظام هناك سُوِّق على أنه «نظام مخدرات»، في حين تتغاضى واشنطن عن دول تُعد المصدر الأكبر لتهريب المخدرات إليها. المعيار ليس الجريمة، إنما موقع الدولة من خريطة المصالح. عند تفكيك الحالات الثلاث: العراق، إيران، وفنزويلا، يظهر القاسم المشترك الحقيقي: النفط. العراق يمتلك نفطًا، إيران تمتلك احتياطات هائلة، وفنزويلا تمتلك أكبر احتياطي مؤكد في العالم. ما تراه واشنطن ليس الصواب بالضرورة، إنما ما يخدم مصالحها الاستراتيجية، حتى لو بُني على الأكاذيب.

هذا المنطق يتجلى أيضًا في سوريا... رُوّج لإسقاط نظام بشار الأسد تحت لافتة محاربة الديكتاتورية، لكن النتيجة لم تكن ديمقراطية ولا استقرارًا، إنما إعادة إنتاج الاستبداد في صورة أكثر فجاجة. الشخصية التي كانت واشنطن ترصد مكافأة لمن يدلي بمعلومات عنها، أبو محمد الجولاني، أُعيد تدويرها باسم وهوية جديدة، لتُقدَّم لاحقًا رئيسًا لأمر واقع. من كان إرهابيًا بالأمس يُغسل اليوم إذا اقتضت المصلحة، ومن كان ديكتاتورًا يُستبدل بآخر أشد قمعًا. لا معيار ثابت سوى الإرادة الأمريكية.

الذريعة الفنزويلية المتعلقة بالمخدرات تكشف هذا التناقض بوضوح. المكسيك تُعد المصدر الأكبر لتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة،ومع ذلك لم تفكر واشنطن يومًا في إسقاط نظامها السياسي. الفرق ليس أخلاقيًا ولا قانونيًا، هو اقتصادي وجيوسياسي. فنزويلا تمتلك نفطًا ضخمًا، ونظامًا خارج المنظومة الغربية، وتحالفات مع الصين وروسيا وإيران.. المخدرات هنا ليست سببًا، هي غطاء أخلاقي لعملية اقتصادية – استراتيجية.

موقف الصين وروسيا من الحدث يمثل اختبارًا حقيقيًا لمرحلة ما بعد الهيمنة. الصين ترى في فنزويلا شريكًا نفطيًا طويل الأمد وجزءًا من معركة كسر الاحتكار الأمريكي للطاقة. صمتها سيكون إشارة ضعف، وأي رد سياسي هو محاولة لإعادة التوازن. هذا ما انعكس في إدانتها الصريحة للعملية بوصفها انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي. روسيا بدورها ترى ما حدث سابقة خطيرة يمكن أن تُستخدم ضدها مستقبلًا، وتهديدًا مباشرًا لحلفائها، ومن المرجح أن تتعامل معه على أنه إنذار مبكر لتوسيع المواجهة غير المباشرة مع واشنطن، حيث طالبت الخارجية الروسية بالإفراج عن الرئيس الفنزويلي المخطوف.

الإشكالية الكبرى، في هذه السياسات، أن إسقاط الأنظمة الخاطف لم يعد يُقرأ على أنه رسالة ردع، هو إنذار وجودي لكل رؤساء الدول. حين يصبح اختطاف رئيس دولة ممكنًا، خلال ساعة ونصف، بقرار تنفيذي أحادي، فإن الخوف يتحول سريعًا إلى نقمة، ثم إلى استعداد للتحصن أو المواجهة. هذه السابقة لا تُنتج طاعة طويلة الأمد، بل تسرّع البحث عن مظلات بديلة وتحالفات مضادة وسباقات تسلح سياسي وأمني.

على المدى البعيد، قد تتحول هذه السياسات إلى رصيد سلبي استراتيجي ضد الولايات المتحدة نفسها، لأنها لا تراكم تحقيق الاستقرار بل الأعداء، وتقصّر عمر الهيمنة بدل أن تطيله. الأخطر أن هذا النمط من الاستهداف لا يضرب دولًا معزولة، إنما حلقات في شبكة دولية متشابكة ترأسها قوى عالمية أخرى( روسيا والصين: سوريا عقدة نفوذ روسية، إيران قوة إقليمية) على تماس مع المصالح الصينية والروسية. وفنزويلا بصفتها خزان طاقة خارج المدار الغربي. ومع تداخل المصالح النفطية والتجارية والملاحية وسلاسل الإمداد، يصبح أي تصعيد غير محسوب قابلًا للتحول من أزمة إقليمية إلى مواجهة دولية واسعة.

بهذا المعنى، فإن ما يُقدَّم اليوم بوصفه استعراض قوة قد يُترجم غدًا إلى تسريع تفكك الهيمنة الأمريكية نفسها. القوة التي تُستخدم بلا ضوابط لا تُنتج نظامًا مستقرًا، بل عالمًا أكثر فوضوية، تُدار فيه التوازنات على حافة الانفجار لا على طاولة القانون، وتُعاد فيه كتابة السياسة الدولية بمنطق القوة لا بمنطق الشرعية.

في النهاية لا تكمن فقط الخطورة الحقيقية في السلوك الإمبراطوري الأمريكي الراهن في إسقاط أنظمة سياسية لا تنسجم مع مصالحه، إنما في توسيع دائرة الاستهداف لتشمل إرادة الشعوب نفسها. واشنطن لم تعد تتعامل مع الخلاف بكونه صراعًا مع أنظمة بعينها، باتت تضرب بعرض الحائط حتى حقيقة أن قطاعات واسعة من الشعوب المحلية تؤيد هذه الأنظمة، أو ترى فيها تعبيرًا، كاملًا أو جزئيًا، عن خياراتها السياسية أو هواجسها السيادية.

لا يمكن إنكار أن هناك شعوبًا تساند مادورو في فنزويلا، ولا ننسى دعم الأخير للقضية الفلسطينية، وأخرى وقفت – وما تزال – خلف النظام في سوريا، وثالثة ترى في النظام الإيراني تعبيرًا عن مشروع وطني أو عقائدي أو مقاوم للعدو الصهيوني..إن تجاهل هذه الحقيقة لا يمثل فقط إنكارًا للواقع، هو يشكّل كارثة ديمقراطية مكتملة الأركان، لأن ما يجري لم يعد تغيير أنظمة، هو مصادرة لحق الشعوب نفسها في الاختيار، حتى لو كان اختيارًا لا يرضي الإمبراطورية.

بهذا المعنى، لم تعد الولايات المتحدة تناقض خصومها فحسب، هي تنسف من الأساس أي ادعاء أخلاقي أو ديمقراطي، لأنها تحوّلت من قوة تزعم الدفاع عن إرادة الشعوب إلى قوة تعمل على تدجينها أو تجاوزها بالكامل، وهو تطور بالغ الخطورة يهدد فكرة السيادة الشعبية عالميًا، لا سيادة الأنظمة فقط.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد