اوراق خاصة

دلالات الاستيلاء الأمريكي على ثروات فنزويلا بعد اختطاف مادورو

post-img

معتز منصور/ باحث سياسي

ما جرى لم يعد قابلا للقراءة بوصفه تصعيدًا سياسيًا أو مغامرة خارجية، نحن أمام حدث مكتمل الأركان. اختطاف رئيس دولة ذات سيادة هو نيكولاس مادورو، نقله قسرًا إلى الأراضي الأمريكية لمحاكمته، ثم إعلان رسمي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاستيلاء على النفط الفنزويلي. هذا ليس ضغطًا ولا عقوبات ولا سياسة احتواء، هو إعلان انتقال من منطق التأثير إلى منطق المصادرة المباشرة للسيادة والموارد.

التحليل، هنا، لا يجوز أن يبقى عند حدود الصدمة الأخلاقية أو القانونية. الأهم هو تفكيك ما يعنيه هذا القرار في بنية النظام الدولي، وفي مفهوم الدولة، وفي مستقبل الصراع على الموارد.

أولاً- الدلالة البنيوية

ما فعلته الولايات المتحدة هو كسر علني لفكرة الدولة ذات السيادة. لم تعد السيادة محمية بالقانون الدولي، ولا بالاعتراف الأممي، ولا حتى بميزان القوى التقليدي. الرسالة الجوهرية هي أن السيادة أصبحت مشروطة بالامتثال. الدولة التي تفشل في الانخراط داخل النظام الامريكي، يمكن تفكيك قيادتها، مصادرة مواردها، وإعادة تعريف شرعيتها من الخارج. هذه سابقة أخطر من أي غزو عسكري تقليدي، لأنها تنزع الغطاء المفاهيمي عن فكرة الدولة نفسها.

ثانيا - النفط أداة حكم لا سلعة

إعلان السيطرة على النفط الفنزويلي لا يعني فقط التحكم في مورد اقتصادي؛ هو نقل مركز القرار السيادي من كراكاس إلى واشنطن. النفط هنا يتحول الى بنية حكم بديلة.. من يملك النفط يملك القدرة على تحديد شكل الدولة المقبلة، من يحكمها؟ كيف تمول؟ مع من تتحالف؟ هذا يعني أن أي سلطة ستنشأ لاحقا في فنزويلا ستكون سلطة وظيفية مرتبطة عضويًا باستمرار تدفق النفط وفقًا للشروط الأمريكية.

ثالثا- الداخل الفنزويلي

اختطاف مادورو لم يكن هدفه فقط إزاحة شخص؛ هو قطع الرأس الرمزي لفكرة الاستقلال السياسي. الأثر الحقيقي سيكون تفكيك الجهاز البيروقراطي وإعادة هيكلة الجيش وإعادة توزيع النخب الاقتصادية. النفط سيكون الرافعة التي يعاد عبرها تشكيل الطبقة الحاكمة. كل من يريد موقعًا أو نفوذًا أو موارد، سيمر عبر بوابة النفط التي تسيطر عليها الولايات المتحدة. بهذا المعنى، نحن أمام إعادة استعمار مقنع، ولكن بلا أقنعة خطابية.

رابعا- إقليميًا

السيطرة على النفط الفنزويلي تعني إعادة ضبط أمريكا اللاتينية بشكل كامل. دول؛ مثل كوبا ونيكاراغوا وبوليفيا، تفقد فجأة عمقها الاستراتيجي. ليس لأن فنزويلا سقطت، بل لأن نموذج التمرد على الهيمنة الأمريكية تلقى ضربة ردعية قاسية. الرسالة واضحة، من يخرج عن السقف المرسوم، لا يعاقب اقتصاديًا وحسب، إنما تنتزع منه موارده، ويعاد تعريف دولته.

خامسا- دوليًا وبلا مواربة

ما جرى هو تحدّ مباشر لروسيا والصين. الاستثمارات الروسية والصينية في النفط الفنزويلي صودت اقتصاديًا، قبل أن تصادر سياسيًا. الرسالة هي أن أي نفوذ اقتصادي لا يحميه ميزان قوة قادر على الرد، يمكن محوه بقرار أمريكي. هذا يضع بكين وموسكو أمام اختبار وجودي في النظام الدولي، هل تقبلان بنظام موارد تديره واشنطن بالقوة أم تنتقلان إلى مرحلة مواجهة مفتوحة بتكاليف عالية..؟

سادسًا- النظام الدولي

هذا الحدث يؤسس لمرحلة ما بعد القانون الدولي. ليس لأنه انتُهك، بل لأن الانتهاك أعلن وجرى تبنيه على أنه سياسة. لم يعد هناك حتى حاجة للتسويغ. هذا يعني أن دولاً كثيرة، لاسيما الدول الغنية بالموارد، ستعيد النظر في مفهوم التحالفات، وفي تسليح جيوشها، وفي تموضعها الاستراتيجي. النفط، الغاز، المعادن النادرة، كلها باتت أهدافًا مشروعة للاستيلاء المباشر إذا خرجت عن منظومة السيطرة.

سابعًا- ماذا بعد؟

الولايات المتحدة لن تكتفي بالنفط. النفط هو المدخل. بعده ستأتي إعادة هيكلة الاقتصادو التحكم بالموانئ وخطوط الشحن والنظام المصرفي، وربما فرض وصاية سياسية مقنعة.. ذلك كله تحت عنوان الاستقرار وإعادة الإعمار... فنزويلا لن تعامل بصفتها دولة محررة، بل هي ستضحي إقليم إدارة موارد.

الخلاصة التي يجب عدم الهروب منها؛ هو أن ما جرى في فنزويلا ليس حدثًا معزولاً ولا نزوة ترامب. هو لحظة كاشفة لنظام دولي دخل مرحلة العري الكامل. القوة لم تعد تختبئ خلف القيم. النفط لم يعد موردًا وطنيًا. السيادة لم تعد حقًا، بل امتيازًا يُمنح ويُسحب .. من لا يرى في فنزويلا إنذارًا مبكرًا، سيفهم متاخرًا أن الدور قد يأتيه بثوب مختلف، ولكن بالمنطق ذاته.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد