لم تعد الرواية الإسرائيلية المحكمة، والتي بُنيت على مدار عقود في أروقة السياسة الغربية ومنابر الكنائس البروتستانتية بمنأى عن التفكك خلف الجدران العالية لـ”أيباك”.
تناولت حلقة (2026/1/8) من برنامج "المقاطعة"، على قناة الجزيرة القطرية، التحولات الجوهرية في الوعي العالمي تجاه القضية الفلسطينية، مسلطة الضوء على تصدع الرواية الإسرائيلية التقليدية داخل مؤسسات لاهوتية وسياسية عريقة في الولايات المتحدة، وبروز حراك جديد يربط بين المبادئ الأخلاقية والقرارات السياسية والمالية.
من قلب "أيباك" إلى الاستقالة
استعرضت الحلقة قصة ليلي غرينبرغ، والتي تُعد أول مسؤولة يهودية تنسحب من إدارة الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن احتجاجا على الدعم العسكري لـ"إسرائيل" في حربها على غزة.
غرينبرغ، التي نشأت سياسيا في أروقة "أيباك" (اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة)، أوضحت أن المفاهيم التي تربت عليها مثل فكرة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" كانت مجرد "اختراع" يتجاهل حقوق الفلسطينيين وتاريخ تهجيرهم.
أكدت غرينبرغ أن استقالتها جاءت نتيجة قناعة بأن التغيير من الداخل بات متعذرا في ظل تجاهل القيادة السياسية لأصوات المعارضة داخل الحكومة، مشيرة إلى أن الدعم الأميركي المطلق للاحتلال الإسرائيلي لا يساهم في أمن المنطقة، بل "يستنزف الداخل الأميركي ويصادر الأخلاق".
سلاح المال والضغط السياسي
ناقشت الحلقة نفوذ منظمة "أيباك" بوصفها المحرك الذي يحول "الإيمان إلى سياسة"، حيث تمتلك المنظمة شبكة واسعة من لجان العمل الانتخابي التي تسيطر من خلالها على قرارات أعضاء الكونغرس عبر تمويل حملاتهم.
لفتت "المقاطعة" إلى أن المنظمات الداعمة للاحتلال، ومنها "مسيحيون موحدون من أجل إسرائيل" (CUFI)، تستخدم ثقلها المالي للضغط على المشرعين ومنع أي مساءلة للدعم العسكري غير المشروط.
حراك الكنائس
في المسار الديني، أشار القس والأكاديمي في الكنيسة المشيخية الأميركية هانتر فاريل إلى وجود حراك منظم داخل الكنائس منذ نحو 20 عاما لاتخاذ مواقف علنية ضد الاحتلال.
أوضح أن الكنيسة نجحت في سحب استثماراتها من شركات تتربح من الاحتلال، معتبرا أن الربح من سندات تمول العمليات العسكرية هو أمر "غير أخلاقي".
من جانبه، شدد القس منذر إسحاق راعي الكنيسة اللوثرية في بيت لحم على أن مقاومة الظلم هي "واجب على كل إيمان حقيقي".
وصف إسحاق حركة سحب الاستثمارات والمقاطعة "بي دي إس" (BDS) بأنها أداة فعالة وشرعية للـ"مقاومة اللاعنفية" في مواجهة نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد)، مؤكدا وجود مسؤولية مضاعفة على القادة الدينيين لرفض التواطؤ بالصمت.
جيل الحقيقة الرقمية
خلصت الحلقة إلى أن موازين القوى الإعلامية تغيرت لصالح جيل جديد يعتمد على "الكاميرا" في منصات "تيك توك" و"إنستغرام". وهو الجيل الذي يشاهد وقائع الحرب مباشرة دون وسيط إعلامي، كسر احتكار الرواية الرسمية للحقيقة.
أسهم هذا الضغط الشعبي، الذي تقوده منظمات مثل "كود بينك" (Code Pink) برئاسة ميديا بنجامين، في كشف الفجوة بين تطلعات الشارع الأميركي الذي تؤيد أغلبيته وقف إطلاق النار بنسبة 66%، وبين القرارات التي تتخذها السلطة السياسية في واشنطن.