أوراق سياسية

لقاء ترامب نتنياهو: الطاغية والجلاد

post-img

بثينة عليق (الميادين)

جاءت مشهدية نهاية العام في واشنطن شبيهة بما كان سائدًا في القرون الوسطى، حين كان الملوك الطغاة يستدعون وكلاءهم الجلادين ليثنوا على ما أنجزوه من أعمال قذرة في خدمتهم، ولتجديد منحهم الوكالة في استمرار التسلّط على الضحايا.

هكذا بدا لقاء ترامب ونتنياهو شكلًا ومضمونًا. فاللقاء لا يشبه البتة لقاءات الرؤساء والمسؤولين الحكوميين بين بلدين، إذ جرى خارج أي بروتوكولات دبلوماسية معروفة للاجتماعات الرسمية.

ان المديح الخاص الذي أغدقه ترامب على نتنياهو، وعبارات التخاطب بينهما، أظهرت بوضوح صورة "المعلّم والتلميذ". كما أن المؤتمر الصحافي المشترك كشف أن ترامب كان صاحب القرار، فهو من حدّد المهل الزمنية والشروط والقيود والضوابط، في مقابل نتنياهو المنتشي بمديح ترامب، والمكتفي بتعليقات تؤكد تأهبه لتلبية ما يُطلب منه، مع محاولات حذرة لتوجيه حديث ترامب نحو ما يراه أولويات ومصالح ذاتية.

وقد أكدت هذه الصورة التسريبات الإعلامية "الإسرائيلية" والأميركية حول نتائج اللقاء، والتي أكثرت من استخدام مصطلحين لافتين: "الطلب" و"المنح".

فترامب يطلب من نتنياهو الانتقال إلى تنفيذ خطوات جديدة في غزّة، كفتح معبر رفح وبدء عملية الإعمار، ويمنحه في الوقت نفسه الضوء الأخضر للعمل العسكري في حال انقضاء مهلة الشهرين دون نزع السلاح.

أما في الحالة الإيرانية، فيقيّد ترامب نتنياهو انطلاقًا من قاعدة "لم يثبت لدينا"، وفي الوقت نفسه يسمح له بالبقاء في حالة تأهّب "في حال ثبت لديه".

وفي لبنان، لا يزال ترامب في موقع "الانتظار والترقّب"، بينما يُمنح نتنياهو هامش حرية للتحرّك ضمن فترة الانتظار الممنوحة للحكومة اللبنانية لتنفيذ الأوراق الأميركية.

إن ما كشفته المصادر والتسريبات حول نتائج اللقاء ينسف ما حاول نتنياهو التباهي به في مقابلته مع قناة "فوكس نيوز"، حين اعتبر "إسرائيل الدولة الأقوى في الشرق الأوسط"، في محاولة للظهور بموقع المقرّر على مستوى الفعل والعمل، غير أن الحقيقة تكمن في مكان آخر؛ فالكيان "الإسرائيلي"  ليس سوى كيان مصطنع ومؤقت، وبقاؤه مرهون بالحماية والدعم الأميركيين، وهو ما لم يُخفه ترامب، بل عبّر عنه صراحة في المؤتمر الصحافي المشترك حين اعتبر أن "شجاعة" نتنياهو هي التي أبقت "إسرائيل" موجودة.

وهذا يدل على أن "إسرائيل" كيان مضطرب ومهدَّد وجوديًا بشكل دائم. صحيح أن المديح وُجّه إلى "شجاعة" نتنياهو المزعومة، لكن جوهر المسألة أن هذه الشجاعة لا قيمة لها من دون الحماية الأميركية، التي تُجدد سيف العقوبات حتّى ضدّ المحكمة الجنائية الدولية، لحماية رئيس حكومة "إسرائيل" من الملاحقة القانونية، وهو لا يزال يعتمد مسارات جوية بعيدة للوصول إلى واشنطن، خشية المرور في أجواء دول أصدرت بحقه مذكرات توقيف بوصفه مرتكبًا لجريمة إبادة.

إن إدراك واقع الكيان "الإسرائيلي"  يشكّل الأساس في رسم مقاربة التعامل مع التحوّلات. فـ"إسرائيل" ما كانت لتحقق أيًّا من إنجازاتها لولا الدعم والحماية الأميركيين، ولولا صمت واشنطن عن الإبادة الجماعية في غزّة، وما رافقها من تجويع وتدمير ممنهج واستهداف للمستشفيات والمؤسسات الدولية، إلى جانب التهجير الجماعي للسكان.

وقد ترافق هذا الصمت مع خطوط تسليح مفتوحة بين واشنطن و"تل أبيب"، ومع منظومات دفاع نشطة في مواجهة المسيّرات والصواريخ الإيرانية واليمنية.

إن عامين من القتال ما كان لـ"إسرائيل" أن تحقق خلالهما ما حققته لولا الولايات المتحدة الأميركية، التي تمسك صفارة البداية والنهاية، بما يكرّس "إسرائيل" ككيان وظيفي مرتبط وجوديًا بالدعم والحماية الأميركيين.

هذه الحقيقة يدركها القادة الصهاينة في العمق، كما يدركون أنه بقدر ما يُظهرون قدراتهم وسطوتهم كجلادين، فإنهم يحافظون على الوكالة التي منحتهم إياها الدولة العظمى. ووجودهم مرهون بالحفاظ على المعادلة التي عبّر عنها المستشار الألماني حين أشار إلى قيام "إسرائيل" بـ"الأعمال القذرة" التي لا يستطيع الأوروبيون القيام بها.

من هنا، يمكن اعتبار أن اعتماد دول المنطقة لسياسة التنازل هو الخدمة الأكبر التي تُقدَّم للجلاد ال"إسرائيلي". فكلما قدّم العرب تنازلات إضافية، شعر المشغّل الأميركي بجدوى هذا الجلاد وفعاليته.

وللأسف، هذا ما فعله العرب على مدار أكثر من سبعين عامًا من الصراع؛ فبدل تدفيع الجلاد ثمن أفعاله، وإشعار الراعي الأميركي بكلفة استخدامه كعصا غليظة في المنطقة، جرى تنكيس الرؤوس والانحناء، وصولًا إلى فقدان تدريجي لعناصر الأمن القومي العربي.

وفي هذا السياق، تُعدّ مسألة الاعتراف "الإسرائيلي"  الأخير بأرض الصومال دليلًا إضافيًا على فشل سياسة التنازلات في مواجهة الأداء ال"إسرائيلي". فقد شكّل هذا الموقف توسعًا إسرائيليًا غير تقليدي، مسّ بأمن السعودية أولًا ومصر ثانيًا وفي الصميم.

ويدلّ هذا المساس على عدم اكتراث "إسرائيل" بمسارات التطبيع واتفاقات أبراهام، إذ ترسم وتفرض، بقوتها وبالحماية الأميركية المفتوحة، ما تريده دون الحاجة إلى تقديم أي مقابل.

وحده خيار المقاومة استطاع أن يرسم حدودًا ل"إسرائيل"، وأن يجبر واشنطن على تقييد نشاط "تل أبيب" في المنطقة. ومن يعتقد أن ما حدث خلال العامين الماضيين أطاح هذه الحقيقة فهو مخطئ تمامًا، بل على العكس، جاءت الممارسات الأميركية و"الإسرائيلية" لتؤكد أن أمن جميع دول المنطقة، سواء تلك التي دعمت المقاومة أو التي لم تدعمها، قد تأثّر سلبًا وبقوة بما تعرّضت له ساحات المقاومة خلال العامين الماضيين.

لقد كانت هذه الساحات تشكّل رافعة للأمن القومي لكل الدول العربية والإسلامية في المنطقة، بغضّ النظر عن مواقف هذه الدول منها؛ فغزّة كانت سندًا للقاهرة، ولبنان شكّل عمقًا داعمًا للمجال العربي من دمشق إلى بغداد، واليمن جزء من قوة الخليج. أما إيران فهي عضد للجناحين العربي والتركي في المنطقة.

والخطيئة الكبرى التي ارتُكبت بحق هذه الساحات تمثّلت في الصمت والتخلّي من قبل دول المنطقة، التي تركت المستهدَفين وحدهم في معركة شرسة خاضها ضدّهم المشروع الأطلسي بكلّ مكوّناته وقدراته.

اليوم، وأمام مشهد لقاء ترامب نتنياهو، تصبح جميع دول المنطقة مدعوّة إلى إجراء مراجعة عميقة وجذرية لسياساتها وإستراتيجياتها، بما يتيح لها استعادة ولو جزء من قدرتها على تقرير مصيرها، وهو مصير لا يجوز أن يُترك تحت رحمة الجلاد ال"إسرائيلي"، الذي لا يقيم أي اعتبار لأمّة كاملة، والذي يتلاعب بمصائرها من البحر الأبيض المتوسط إلى القرن الإفريقي، وصولًا إلى آسيا الوسطى وباكستان.

يقول الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين إن العالم الإسلامي مهدَّد في ظل تشكّل عالم متعدّد الأقطاب، إذا لم يبادر إلى توحيد جهوده والدفاع عن أمنه القومي. ومن المؤكد أن دوغين محق في هذا الطرح؛ فردّ الفعل على اعتراف "إسرائيل" بأرض الصومال يجب ألا يقتصر على بيانات إدانة، كما أن الردّ على غطرسة "إسرائيل" في الضفّة الغربية وسورية ولبنان وغزّة لا يمكن أن يكون بمزيد من الصمت والتنازل.

إن الوقوف بشجاعة، والصمود، والوحدة، هي وحدها السبل الكفيلة باستعادة الأمن القومي لدول المنطقة، وكسر معادلة الطاغية والجلاد.

وإن بناء التفاهمات على مستوى العواصم المركزية الأربع: القاهرة، والرياض، وطهران، وأنقرة، بات مسألة مصيرية لهذه الدول، وضرورة ملحّة لكل دول المنطقة. وعبر هذه التفاهمات، ينبغي صياغة مقاربة عميقة لمعالجة الخلافات والتباينات، وإطفاء ساحات الاقتتال الداخلي من السودان إلى اليمن وليبيا، واستبدال سياسات نزع سلاح المقاومة بالعمل على تكبيل العدوان ومنع الاحتلال من تحقيق أهدافه.

إن واشنطن، في ظل الصراع الدولي المتصاعد على النفوذ مع القوى الصاعدة من الصين إلى روسيا، يجب أن تدرك أن مصالحها في المنطقة ليست بخير، ما دامت تمنح الجلاد تفويضًا مفتوحًا لاستباحة الأمن القومي العربي. وينبغي أن تصل رسالة واضحة إلى الإدارة الأميركية مفادها أن كلفة اعتمادها على "تل أبيب" باتت أعلى بكثير من كلفة احترام حقوق شعوب المنطقة. 

وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا عبر ثلاثة مسارات أساسية:

أولًا: توحّد دول المنطقة.

ثانيًا: الصمود ووقف سياسات التنازل.

ثالثًا: الثقة بالقدرات الذاتية، وفي مقدمتها قدرة المقاومة.

أما غير ذلك، فسيُبقي المنطقة تحت رحمة الطاغية والجلاد، وسيستمر تآكل الأمن القومي العربي، وصولًا إلى تهديد الجغرافيا السياسية لكل بلدانها.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد