معتز منصور/ باحث سياسي
مع مطلع العام 2026؛ يبدو المشهد الإقليمي سلسلة اختبارات متزامنة لقدرة الدول على التكيف، داخل منظومات ضغط معقدة، وليس مقياسًا مباشرًا للتقدم أو الانكسار.
ما يتفكك، اليوم، ليس التحالفات نفسها، هي الافتراضات التي بنيت عليها. هذا فرق جوهري يمر، غالبًا، من دون ملاحظة في القراءات السطحية. خلال العقد الماضي، عدّ غرب آسيا (الشرق الأوسط) فضاءً قابلًا لإعادة التشكيل عبر المال والتحالفات المرنة، على فرضية أن الدول الوطنية المثقلة بالديون والاضطرابات ستقبل دورًا وظيفيًا مقابل الاستقرار الظاهري. اليوم، هذه الفرضية تنهار، ليس لأن الدول استعادت عافيتها، بل لأن كلفة استدامتها ارتفعت إلى مستويات تهدد من يديرها بقدر ما تهدد من يخضع لها، فيما تتآكل القدرة على الجمع بين التوسّع والضبط تدريجيًا، فيبرز فراغ استراتيجي جديد يفرض نفسه على كل مستوى من السياسة الإقليمية.
الفراغ الاستراتيجي ليس غيابًا للنفوذ، بل أداة ضغط غير معلنة تكشف هشاشة الافتراضات السابقة، وتعيد توزيع القوى بين الفاعلين. في هذا السياق، يمكن تصنيف الدول وفقًا لقدرتها النسبية على المناورة:
1. السعودية: دولة مركزية، تمتلك أدوات نفوذ سياسية ودبلوماسية واسعة: اقتصادًا ضخمًا وعلاقات استراتيجية تمكّنها من ضبط التحالفات الإقليمية، لا سيما في الخليج واليمن. قدرتها على المناورة عالية نسبيًا، لكنها تواجه قيودًا داخلية تجعل التحرك المباشر محدودًا، في بعض الملفات الحساسة، فيدفعها إلى استخدام أدوات غير تقليدية؛ مثل إدارة التحالفات من بعد أو التفاهمات الخفية مع الفاعلين الإقليميين.
2. إيران: مركزية أيضًا، قوة عسكرية وإقليمية تمتلك أدوات ردع متعددة وقدرة على التأثير في الخليج والعراق وسوريا، على الرغم من ضغوط اقتصادية داخلية وعقوبات أميركية متواصلة. مرونتها تكمن في استخدام النفوذ غير المباشر داخل الفضاء الإقليمي، واستغلال الفراغ الاستراتيجي الأمريكي لتوسيع حضورها، سواء عبر الحلفاء المحليين أم أدوات الضغط الرمزية.
3. مصر: دولة متوسطة، كبيرة حجمًا؛ لكنها تواجه ضغوطًا اقتصادية خانقة، في تراكم الديون وبيع أصول استراتيجية، ما يقلل من هامش تحركها المستقل. تحركاتها أكثر تكتيكية، تعتمد على إدارة التحالفات مع السعودية واستغلال الفراغ الإقليمي لمصلحة تعزيز نفوذها وإعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية والسياسية من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الفاعلين الكبار، مع توظيف ملفات رمزية، مثل غزة أو الدعم الإنساني لتخفيف الضغط الداخلي والخارجي.
4. الإمارات: دولة صغيرة نسبيًا، لكنها فاعل مؤثر اقتصاديًا واستراتيجيًا عبر المال والتحالفات العسكرية. هشاشتها تظهر عند رفض السلطات المحلية أو تعقيدات دبلوماسية في اليمن والسودان وقرن إفريقيا، ما يجعل نفوذها سريعًا؛ لكنه هش إذا لم يرافقه قبول سياسي محلي ودعم إقليمي. الإمارات تتحرك بسرعة، لكنها تواجه اختبار قبول كل خطوة قبل أن تتحول إلى مكسب مستدام.
التحالفات الإقليمية تتأثر مباشرة بهذا التوازن. حين يغيب القرار الحاسم، تظهر الفوارق في الرؤية بين من يرى التوسع ضرورة وجودية، ومن يرى الضبط شرطًا للبقاء. الشراكة تصبح مقياسًا لتحمل الكلفة عند التعثر، وليس مجرد التوافق في الرؤية.
يمكن ملاحظة ذلك في التحركات الإماراتية، في القرن الإفريقي، حيث دفعت المعارضة المحلية ورفض السلطات إلى تعديل الخطط، في حين استخدمت مصر الفراغ لإعادة ترتيب تحالفاتها مع السعودية، ما يعكس قدرة الدول المتوسطة على الإفادة التكتيكية من الفراغ الاستراتيجي من دون امتلاك أدوات الحسم المباشر.
النفوذ الاقتصادي، والذي بدا في مرحلة سابقة بديلًا ذكيًا عن القوة الصلبة، يواجه اليوم اختبارًا حقيقيًا. الاستثمار، في الموانئ والأصول الاستراتيجية، يمنح نفوذًا سريعًا لكنه مشروط بالقبول السياسي المحلي. عندما يتآكل هذا القبول؛ يتحول الاستثمار إلى عبء سياسي. الموانئ السودانية والصومالية مثال واضح، حيث ألغيت الشراكات الإماراتية بسبب اعتراض السلطات على انتهاك السيادة، ما أعاد تعريف ميزان القوة من دون إطلاق رصاصة واحدة، وبيّن أن أي مشروع اقتصادي لا يقترن بالقبول المحلي يصبح أداة ضغط مضادة.
الدول الهشة تؤدي دورًا أكبر مما يبدو، ليس بالقوة، بل بالقدرة على اختيار التوقيت المناسب لإعادة التفاوض أو تعديل الشراكة، ما يتحول فعلًا سياديًا مؤثرًا عندما يتزامن مع تصدعات أوسع في التحالفات. في المقابل، الدول المركزية مثل السعودية وإيران تستخدم الفراغ لتقليل الكلفة المباشرة على مصالحها وإعادة ضبط التحالفات، لكنها مضطرة لإدارة الضغوط الداخلية والاقتصادية لضمان استمرار النفوذ من دون مواجهة شاملة، وهذا يفرض عليها التوازن بين الرمزية والسيادة، بين التوسع والاستدامة.
في ضوء هذا السياق، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات قصيرة المدى للتطور الإقليمي، خلال الأشهر الستة القادمة:
1. التآكل المنضبط: تصاعد الضغوط السياسية والاقتصادية، مع بقاء التحالفات قائمة شكليًا، واستيعاب الأزمات عبر تسويات جزئية وتحركات تكتيكية. مصر قد تستخدم هذا السيناريو لإعادة ترتيب تحالفاتها مع السعودية وضبط علاقتها مع الإمارات، من دون مواجهة مباشرة، في حين إيران والسعودية تدير التحالفات لضمان استقرار المنطقة على المدى القصير.
2. الصدمات الموضعية: لجوء بعض الفاعلين إلى مناورات محدودة لإعادة رسم موازين القوى، مثل محاولة الإمارات إعادة تأمين مواقع نفوذها البحرية في القرن الأفريقي، أو إيران لتعزيز مواقعها في الخليج، مع الحفاظ على سقف واضح لتجنب تصعيد شامل، ما يعكس قدرة الدول المركزية على استخدام الفراغ لمصلحتها مع ضبط المخاطر.
3. التفكك الصامت وإعادة التموضع: اختيار بعض الدول تقليص الانخراط في الالتزامات المكلفة، مع الحفاظ على الشكل الظاهري للتحالفات، ما يقلل الكلفة المباشرة، لكنه يخلق فراغًا قد يسده فاعلون آخرون أقل انضباطًا. هنا تظهر قدرة الدول الهشة والمتوسطة على استثمار الفراغ لمناورات استراتيجية محدودة، لكنها مؤثرة.

تتحدد هذه السيناريوهات عبر ثلاثة عناصر أساسية: الغموض في القرار الدولي وتوزيع المخاطر وقدرة الاقتصادات الوطنية على تحمل الضغوط، وحدود صبر المجتمعات على إدارة الأزمات من دون أفق واضح. أي مشروع لا يبني تحركاته على توقعات متعددة المسارات هو معرض للاهتزاز عند أول اختبار حقيقي للتوازنات.
العام 2026 ليس نهاية ولا بداية، هو مرحلة كشف: كشف حدود القوة وهشاشة الافتراضات وتعقيد إدارة الإقليم، بما يفوق قدرة أي محور أو مشروع واحد على احتوائه. الغلبة ليست لمن يمتلك القوة الأكبر، بل لمن يعرف متى يستخدم قوته، ومتى يتراجع خطوة من دون إعلان هزيمة، ومن يستطيع توزيع المخاطر وتحويل الفراغات إلى فرص استراتيجية، ليصبح التحرك فنًا دقيقًا بين النفوذ والضبط، بين الرمزية والسيادة، وبين التوسع والاستدامة، مع تقديم أدوات عملية للتكيف مع المشهد، من دون انتظار قرار حاسم من المركز الدولي.