اوراق خاصة

بعد الانقلاب الأميركي الاستراتيجي على النظام الدولي.. المقاومة خيار  عالمي

post-img

إيهاب شوقي/ كاتب مصري

عندما لا تكون ردود الفعل بقدر الفعل؛ يحدث الخلل في الميزان، وعندما لا تكون الاستجابة بقدر التحديات تنهار الأمم والشعوب، وتقع في نير الاستعمار والاستعباد.

سنن الكون جرت وفقًا لهذه القواعد؛ فغربلت أحداث التاريخ لتفرز معسكرات متمايزة، منها معسكر للأحرار وذوي الكرامة والبأس والمقاومة، ومعسكر للطغاة وأعوانهم، ومعسكر للمستسلمين والعبيد، وربما بقي سواد عظيم تحت عنوان المستضعفين؛ تدور من حوله الصراعات وتتجاذبه أطراف المعسكرات الأخرى لضمه أو لإفنائه.

خلال مراحل التاريخ؛ تطورت المصطلحات والنظريات السياسية ونظم العلاقات الدولية، ولكنها بقيت محكومة لهذه السنن الكونية، وصاغ فلاسفة السياسة ومنظروها تعبيرات حديثة تتوافق ونمط المدارس الفلسفية والسياسية ومصطلحاتها.

انتقل العالم من واقع الإمبراطوريات التقليدية المتصارعة إلى واقع الدول القومية. هذا ما يؤرخ له في علوم السياسة بعقد صلح واتفاقيات وستفاليا، والتي وضعت الأساس للنظام العالمي الحديث وللدول القومية ولمفاهيم السيادة الوطنية، وكرست أسس القانون الدولي.

هناك فارق عملي بين النظام الدولي، بصفته وحدات ممثلة بالدول وتنظمه مؤسسات وقوانين، وبين النظام العالمي من موازين القوى وإدارة الصراع الدولي. إذ ظلت دومًا أشباح الإمبراطوريات تحاصر النظام الدولي الحديث، وتتحايل على قانونه، ما يجعل الواقع العملي أشبه بشرعنة الاستعمار والهيمنة، ويشكّل القانون مرجعية آمنة تحول دون الانفلات إلى حروب عالمية، أكثر من كونه ضامنا للعدالة.

مؤخرًا، بدأ تمرد الولايات المتحدة الأميركية على النظام العالمي، بهيكله المحفوظ شكليًا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بتجاوزها المؤسسات الأممية وانتهاك القانون الدولي وسيادة لغة القوة، وحماية الكيان الصهيوني أقذر ظاهرة استعمارية وتوفير الغطاء والحماية لمجازره وجرائم الإبادة التي اعتاد عليها.. هذا ما ينذر بالدخول لعصر جديد من العصور المظلمة التي تتصارع بها الإمبراطوريات، ولا تحترم بها الدول القومية، وتتحول هذه الدول إلى مجرد جبهات حربية للصراعات.

المنطقة العربية تعدّ مثالاً من أوضح الدلالات على نذر هذا العصر المظلم، بسبب فرض مشروع "إسرائيل الكبرى"، والمقترن دومًا بمشروع "الشرق الأوسط الجديد" المتلازم وسياسة الفوضى الخلاقة. هذا ما صُرّح عنه علنًا عند القول بانتهاء مفاعيل حدود "سايكس بيكو" الاستعمارية السابقة، والعمل على تجاوزها وانتهاكها وتغييرها عمليًا.

لم يكن حلفاء أميركا في مأمن من هذا الانقلاب الاستراتيجي الأمريكي على النظام العالمي، فقد طالت أوروبا أكبر الإهانات وأكبر التهديدات لأمنها الاقتصادي عبر التلويح بزيادة الرسوم الجمركية، ولأمنها القومي عبر التلويح الدائم برفغ الغطاء الدفاعي الأمريكي والاستهانة علنًا بحلف الناتو من دون أميركا.. لعل قضية غرينلاند تمثل أعلى درجات الاستهانة بأوروبا، عبر محاولة اقتناصها علنًا وبالقوة من دولة أوروبية حليفة وهي عضو في الاتحاد الأوروبي وفي حلف الناتو، وهي الدانمارك.

عندما وجدت الولايات المتحدة أن النظام العالمي، بقانونه ومؤسساته الراهنة، أصبح لا يصبّ في مستقبلها الذي تريده، بعدما شاخت وبدأت قوى صاعدة تشكّل إرهاصات لتعددية قطبية، تحاولت الولايات المتحدة، بهذا الانقلاب، وأد النظام المتعدد الأقطاب في مهده واستعادة الفتوة بتدمير النظام وتسييد شريعة الغاب إنقاذًا لعرشها المهدد.

هذا الخروج الأمريكي يهدد جميع دول العالم وتكتلاته وأممه؛ لأنه خرج بشعار صادق وليس مخادع كعادة الشعارات الأمريكية الزائفة.. هذا الشعار هو "أميركا أولا"، تاليًا؛ فإن هذه الهجمة الإمبراطورية تستدعي مقاومة عالمية من كل من يخشى على مفاهيم السيادة الوطنية، وكل من يخشى على أمنه ورزقه وكرامته وحياته.

هذه الهجمة لن تستثني حليفًا أو خصمًا، ولا يجب أن يستهين بها لأنها هجمة شخصية لقائد مجنون مثل ترامب..! هي مرحلة وستنتهي بولايته؛ لأن النخبة الحاكمة للولايات المتحدة لا ترهن مستقبل الهيمنة الأمريكية بشخص، الأدق أنها تصيغ استراتيجياتها وتجعل في واجهتها شخصًا يجيد التعبير عنها وعن تنفيذها.

تاليًا؛ إن ترامب وما يفعله هو قرار استراتيجي للإمبراطورية الأمريكية، والتي تخشى مواجهة مصير مماثل  لمصير الإمبراطورية البريطانية الآفلة.. لذلك؛ ما يطبقه ترامب من سياسات هي استراتيجيات صاغتها نخبة الهيمنة، وقامت بتصدير ترامب للواجهة ولأدائها على المسرح العالمي.

عبر قانون التحدي والاستجابة وقانون الفعل ورد الفعل؛ يصبح وجود المقاومة، هنا، حتمية تاريخية وليست خيارًا من مجموعة خيارات يُفاضل بينها، وليست وجهة نظر تحتمل الصواب والخطأ، وليست مغامرة أو مجازفة لا بدّ من التدقيق الجيد في حساباتها.. هي الخيار الوحيد، ليس فقط للكرامة والحرية والشرف، بل للبقاء والوجود.

إذ لا معنى لسيادة وطنية تعرف بأنها سلطة للدولة على إقليمها، من دون تدخل خارجي، في ظل تهديد مفهوم الدول القومية، وفي ظل انتهاك المرجعية الرئيسة لمفهوم السيادة، وهي القانون الدولي.. لذلك؛ المقاومة هي السيادة والدول غير المقاومة لن تكون سيدة، بل ولن تكون دولاً من الأساس، وهذا تجاوز منطقتنا المكلومة، لتصل إلى نطاق حلفاء الولايات المتحدة و"إسرائيل" التاريخيين في أوروبا.

بالطبع؛ من الصعب توجيه دعوة إلى تكتل هؤلاء مع حركات المقاومة في العالم، ولكن على الأقل يمكن توجيه الدعوة لعدم استهداف قوى المقاومة، كونها الدرع الأخير في مواجهة انقلاب دولي يحول العالم لغاية كبرى، ويعيد إحياء عصور الظلام.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد