حمزة البشتاوي/ كاتب وإعلامي
يواجه النازحون، في الخيم داخل مساحة ضيقة من قطاع غزة، أحدث ما أنتجته مصانع القتل الغربية التي تختبر أسلحتها فوق سماء القطاع والخيم ورؤوس الأطفال، بتوقيع واضح وصريح يؤكد بأن الإدارة الأمريكية هي شريك مباشر بالحرب، وليس وسيطًا كما يدعي كثيرون.
في غزة وصل التوحش والإجرام، في حرب الإبادة، أن تقوم طائرات أف 35 الممتلئة بالقوة بقصف خيمة ضعيفة مصنوعة من قماس مهترئ بصفتها هدفًا استراتيجيًا مرتبط بالعداء لشعب يواجه ثقافة محمولة على صواريخ طائرات تكلف مئات الملايين من الدولارات، تقوم بمطاردة الأطفال داخل أو بالقرب من خيمهم في حرب غير أخلاقية وغير إنسانية، تستخدم فيها طائرة أف 35 المنتج الثقافي الأميركي المتطور، والذي يعمل على إثبات التفوق العسكري على الدم الفلسطيني المسفوك في خيمة اللجوء والنزوح والحصار.
تحلق طائرات أف 35 في السماء؛ لكنها تفشل على الأرض، وفي اختراق الوعي والذاكرة والمعنى، وتهزم أمام صرخات شعب لم يختر الخيمة والجوع والحرب، لكنه استطاع بمعجزة فلسطينية أن يفتح نافذة أمل على معنى البقاء والمقاومة في معركة الصمود ضد ثقافة آلة الحرب والموت الإسرائيلية الأمريكية المتوحشة.
بعد عدم الالتزام بالمرحلة الأولى لاتفاق وقف الحرب والوقوع في فخ المرحلة الثانية تستمر عمليات القتل الإسرائيلية وخروقات وقف إطلاق النار، في إشارة إلى أن إعلان وقف الحرب على غزة لم يكن سوى محاولة أمريكية إسرائيلية لتهدئة التضامن الدولي الرافض للإبادة والتجويع...
لكن القتل والحصار ما يزال مستمرًا؛ والاحتلال الذي فشل في تحقيق أهداف الحرب، وما تزال سماء قطاع غزة تحت سيطرة الطائرات التي لم تتوقف عن القصف. هذا يؤكد بأن خطة ترامب التي تحولت إلى قرار في مجلس الأمن يحمل الرقم 2803، وإعلان ما يسمى "مجلس السلام"، ما هي إلا تغطية على الجريمة واستمرار للهيمنة والقهر تحت سقف الطائلرات وهديرها الذي تحول إلى موسيقى تصويرية لفعاليات ما يسمى "مجلس السلام" برئاسة دونالد ترامب الشريك المنحاز للرواية الإسرائيلية التي ترى بأن السلام لا يعني إنهاء الاحتلال أو معالجة جذور الصراع، بل وسيلة لفرض وقائع جديدة تحت عناوين تضليلية براقة مثل الإستقرار والإزدهار، بديلًا عن السيادة والحقوق السياسية والقانونية والاقتصادية، وصولًا إلى التعامل مع قطاع غزة بوصفه عقار أو بقعة جغرافية يمكن إحتوائها والسيطرة عليها أمنيًا وعسكريًا عن طريق الوصاية والانتداب تحت شعار إنهاء الحرب وتحقيق السلام الأميركي بقوة الصواريخ والطائرات.
يؤدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دوره على أكمل وجه، على إيقاع صوت هدير الطائرات، سمسار عقارات ينظر إلى الفلسطينيين على أنهم عبء سياسي يمكن احتواءه عن طريق الخداع، والحديث عن مشاريع اقتصادية ووعود بالاستثمارات ومؤتمر مانحين وناطحات سحاب، وكأن القضية الفلسطينية ليست قضية شعب تحت احتلال استيطاني قائم على المجازر، بل قضية مجموعة من السكان الفقراء والمساكين لا مانع من أن تقصف خيامهم بطائرات أف 35 بدقة عسكرية فاقدة للإنسانية.
هذا ما يمكن وصفه بالمنتج الثقافي الأميركي المتجذر في عقلية الهيمنة والسيطرة كونه نظامًا تسعى الولايات المتحدة إلى ترسيخه إنطلاقًا من غزة ثم إلى المنطقة والعالم على قاعدة أن طائرة أف 35 المصنوعة من حقد ومعدن أعمى تمثل ثقافة وفكرة إخضاع الشعوب بالقوة والضغط العسكري والاقتصادي والسياسي بوسائل منزوعة من الإنسانية وقيم العدالة، من خلال تحويل الأطفال والنساء والشيوخ ومنازلهم ثم خيامهم في قطاع غزة إلى مجرد أضرار جانبية لهذه الثقافة الغاشمة بعد أن تحول قطاع غزة إلى مرآة كاشفة لها ولاستهدافها للأطفال في الخيم هدفًا واضحًا للحرب والجريمة المستمرة ضد الإنسانية والضمير.