اوراق خاصة

نشر ملفات إبستين.. صدفة قانونية أم قرار استخباراتي؟

post-img

منذ يوم الجمعة الماضي، يتصدر اسم جيفري إبستين الملياردير ورجل الأعمال الأميركي منصات التواصل الاجتماعي في العالم. هذا بعد أن كشفت وزارة العدل الأميركية، في 30 كانون الثاني 2026، ملفات إبستين الجديدة، والتي تضم أكثر من 3 ملايين صفحة، إلى جانب تفاصيل ومعطيات غير مسبوقة، توجّه إليه تهم تتعلق بإدارة شبكة للدعارة، واستغلال منازله وجزيرة كان يملكها لارتكاب جرائم جنسية ضدّ فتيات قاصرات (13 - 17 سنة) وتجنيد أخريات لتوسيع شبكته.

ظهرت القضية إلى العلن، في العام 2005، عندما حوكم إبستين بتهمة ممارسة الدعارة مع قاصر، فكشفت وثائق أثبتت تورطه برفقة شخصيات سياسية وفنية أميركية وعالمية في شبكة للدعارة واستغلال القاصرين. على الرغم من شبهة وفاته، عقب اعتقاله للمرة الثانية في العام 2019، فإن القضية بقيت متفاعلة بعده، وأحدثت ضجة في المجتمع الأميركي.

من هو جيفري إبستين؟

ولد الملياردير ورجل الأعمال الأميركي جيفري إبستين في نيويورك، في العام 1953، وعمل في عدة مهن منها التدريس والاستثمار المصرفي، وكان معروفًا بقربه من العديد من النجوم والساسة. هو يعد من الشخصيات التي تتمتع بشبكة علاقات واسعة مع النخبة في المجتمع الأميركي، كما كان معروفًا بقربه من الرئيس الحالي دونالد ترامب، والذي وصف إبستين مرة بأنه "رجل رائع".

ما القضية التي تلاحقه؟

من منزله الذي اشتراه، في العام 1990 في "بالم بيتش" في ولاية فلوريدا، بدأت الشرطة المحلية تحقيقها مع إبستين بعد تلقيها شكاوى من جيرانه الذين لاحظوا كثرة توافد فتيات صغيرات السن إلى منزله باستمرار.

لاحظت الشرطة فورًا قوة نفوذه والخوف الذي جعل كثيرًا من الفتيات يرفضن الإدلاء بشهاداتهن، فعملت بسرية ولسنوات محاولة اختيار الوقت الأنسب لتفتيش منزله، ثمّ اعتقاله. أحس المحققون أنهم مراقبون على مدار الساعة، ووجدوا أن قمامتهم أيضًا تفتش، ما اضطرّ فريق التحقيق لتغيير إستراتيجيته وآلية حفظ بياناته للإيقاع به.
أوقفت السلطات الأميركية إبستين عن العمل، في العام 2005، بتهمة الاستغلال الجنسي لقاصرة لم تتجاوز 14 عامًا، والاستعانة بخدمات غير مشروعة لعشرات القاصرات في منزله في فلوريدا.

على الرغم من إدلاء عدة فتيات بشهادات بشأن اعتداء إبستين وأصدقائه عليهن، لم تؤكد المحكمة سوى وقوع اعتداء واحد، في العام 2008، واتهم فقط بـ"الحث على الدعارة"، وحكمت عليه بـ13 شهرًا، بعدما توصل لاتفاق مع الادّعاء العام حماه من إجراء المزيد من التحقيقات.

بموجب الاتفاق اعترف إبستين بأنه رتب لقاءات لعملاء لديه مع فتيات قاصرات لممارسة الجنس، وحظي بظروف مخففة داخل السجن خلال اعتقاله، حتّى إنه سمح له الذهاب لمنزله في "بالم بيتش" عدة ساعات في اليوم.

عادت قضية إبستين للتداول عقب مقال نشرته الصحيفة الأميركية "ميامي هيرالد"؛ أشارت فيه إلى ضحايا إبستين والمتورطين في تخفيض العقوبة ضدّه، فأعاد مدعون فدراليون مراقبته والتحقيق في القضية، فاكتشفوا أنه يدير شبكة للدعارة، فاعتقل من مطار تيتربورو في نيوجيرسي في السادس من تموز 2019.

عقب سماع أقواله، حكمت عليه محكمة في مانهاتن "بالحجز من دون الإفراج بكفالة". في العاشر من آب 2019 عثر على إبستين ميتًا في زنزانته إثر إصابة في رقبته، وبسبب توسع شبكة الدعارة ووصولها إلى أفراد بارزين رأى البعض أنه قد قتل للتغطية على المتورطين معه، لكن الشرطة أعلنت في ما بعد انتحاره.
علاقة إبستين بترامب

كان ترامب صديقا لإبستين على مدى سنوات عدة، لكن العلاقة بينهما توترت، وحضر ترامب مناسبات اجتماعية مع إبستين في التسعينيات من القرن الماضي وأوائل العقد الأول من القرن الـ21.

على الرغم من نفي ترامب علمه بأي مخالفات ارتكبها إبستين، فقد وجد نفسه مجدّدًا داخل دوامة الجدل، ليعود مع تصاعد الضغوط إلى وصف الملف بأنه "مطاردة ساحرات"، قبل أن يأمر بإعادة فتح القضية والتحقيق في صلات شخصيات ديمقراطية بارزة بإبستين، منها الرئيس الأسبق بيل كلينتون ووزير الخزانة في عهده لاري سامرز وآخرون.

جاء طلب ترامب التحقيق مع الديمقراطيين عقب نشرهم رسائل بريد إلكتروني من تركة إبستين؛ تتضمن إشارات إليه، وتفترض أنه كان يعلم بالاعتداءات التي ارتكبها إبستين على فتيات قاصرات، ما أثار ضجة إعلامية على الرغم من غياب معلومات حاسمة.

قال الديمقراطيون، في لجنة الرقابة في مجلس النواب في بيان: "كتب إبستين، في مراسلات خاصة مع ماكسويل في العام 2011، أن ترامب قضى ساعات في منزله مع إحدى ضحايا الاتجار الجنسي".

ما السبب في توقيت نشرها الآن؟

كان أحد أكثر الأسئلة تداولًا بين رواد الفضاء الافتراضي يدور عن توقيت نشر هذه الملفات: لماذا الآن؟ وما الهدف من فتح هذا الأرشيف الثقيل في هذه اللحظة بالذات؟

يتفرع عن ذلك سؤال أكثر إلحاحًا: هل يمكن أن يكون نشر هذه الفضائح الكارثية، والتي يرد فيها اسم ترامب في عدد من المراسلات، جزءًا من حملة منظمة للضغط عليه ودفعه للتعجيل بتوجيه ضربة عسكرية ضدّ إيران؟.

السؤال هنا: لماذا قررت أجهزة الاستخبارات أن تفتح هذه الكنوز مجانًا للقارئ العادي؟ وهل هو حبّ في الشفافية والمتابع؟ بالتأكيد لا. 

يبدو أن هناك ارتباط بين توقيت نشر الوثائق وسياسة الرئيس ترامب إزاء إيران، في ولايته الثانية، إذ مثلت الولاية الأولى إحدى أدوات "الضغط السياسي" لحضّ البيت الأبيض على المضيّ قدمًا نحو خطوة عسكرية ضدّ إيران، وفقًا لما تشتهيه حكومة بنيامين نتنياهو. 

في هذا الصدد، رأى الناشط القومي المسيحيى نيك فوينتس، خلال إحدى إطلالاته عبر برنامج البودكاست الخاص به، أن: "ملفات إبستين تُعد بمثابة خنجر مُسلّط فوق رأس ترامب"، مضيفًا: "تنشر ملفات إبستين اليوم، ونحن مستعدون لحربنا الثانية مع إيران. يا لها من مصادفة. أي إذا لم يُدخِلنا ترامب في حرب مع إيران فسيسقط الخنجر. وإذا لم يتعاون ترامب مع اللوبي "الإسرائيلي"  أو المليارديرات فسيسقط الخنجر".

فضيحة إبستين وتصدع "القوّة الأخلاقية" لـ"إسرائيل" لم تعد قضية إبستين مجرد ملف جنائي يخص مليارديرًا ومنحرفًا جنسيًا، لقد تحولت في العام 2026 إلى واحدة من أعقد الأزمات الدبلوماسية والاستخباراتية التي تواجه "إسرائيل" منذ عقود. 

أعادت الوثائق الجديدة إحياء "نظرية الابتزاز"، إذ تشير شهادات مخبرين سريين وملفات استخباراتية رُفع عنها السجن مؤخرًا إلى أن إبستين ربما لم يكن مجرد "وسيط نفوذ"، بل كان "أصلًا استخباراتيًا" مرتبطًا بدوائر معينة في الموساد.

التأثير هنا لا يقتصر على الجانب القانوني، إنما يمتد لضرب "القوّة الناعمة" لـ"إسرائيل". إذ إن صورة "الدولة" التي تقوم على قيم ديمقراطية مشتركة مع الغرب، بدأت تحل محلها في العقل الجمعي الغربي صورة "دولة الابتزاز" التي تستخدم غرف النوم لتوجيه السياسات الدولية. هذا التحول هو الوقود الذي يغذي اليوم الحركات المناهضة لـ"إسرائيل" في الجامعات والعواصم الغربية.

في الولايات المتحدة، أصبحت "ملفات إبستين" خنجرًا في الصراع السياسي الداخلي. مع بروز تساؤلات من إعلاميين بارزين عن مدى تأثير "الكومبرومات" (المواد الابتزازية) "الإسرائيلي" على قرارات واشنطن، تجد "إسرائيل" نفسها في وضع دفاعي غير مريح.

الخشية الحقيقية في "تل أبيب" تكمن في أن يؤدي هذا "الشك الأخلاقي" إلى فرض قيود شعبية أو قانونية على التعاون الاستخباراتي الوثيق بين الـ CIA والموساد، خشية أن يكون هذا التعاون قد استُخدم غطاء لأنشطة إبستين المظلمة.

إذًا، إن فضيحة إبستين، في العام 2026، لم تعد تتعلق بالجنس والمال، أصبحت تتعلق بـ "الشرعية". "إسرائيل" اليوم ليست أمام تحدٍ أمني، هي أمام تحدٍ وجودي لسمعتها الدولية. فهل تتمكّن "إسرائيل" من فصل نفسها عن إرث إبستين، أم أن الوثائق القادمة ستكشف أن "جزيرة الموت" كانت في الواقع "مكتبًا متقدمًا" لسياستها الخارجية؟
 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد