حسين كوراني
لم تكن المقاومة الإسلامية في لبنان وليدة أحداث عابرة، هي امتداد لجذور تاريخية عميقة، كما أنها ليست مشروعًا قتاليًا إسبارطيًا هدفه حب القتال، إنما هي مشروعٌ إلهي يصبو إلى حماية العقيدة والمبدأ والدين أولاً، والحفاظ على الوجود والأرض والسيادة ثانيًا..
لما كان هذا البلد الصغير لبنان قد اكتوى بنيران حروب المستعمرين والمحتلين، كان لا بُدّ أن ينبري أبناؤه للدفاع والاستشهاد والاستماتةُ، وما اعلان استقلاله عن فرنسا في العام 1943، واندحار الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب في العام 2000، والصمود الأسطوري في عداوني 2006 و2024، إلا ثمرة جهاد قرون عديدة من الزمّن، بدأها أجدادنا بمقارعة المعتدين والغزاة والمُفترين منذ أيام حملات الصليبيين والمغول، وغذّاها وباركها علماء أبرار أطهار وقادة مخلصون، وحققها مجاهدون أخيار.
الاستعمار الفرنسي والاستقلال
لم ينظر المسلمون في لبنان إلى فرنسا على أنها المنقذ لهم من اضطهاد العثمانيين، ولا من الفقر الذي يعيشونه، لقد رأوا فيها دولة احتلال أجنبية، شاركت قديمًا في الحروب الصليبية على بلاد الشام، وسعت لفصلهم عن محيطهم العربي ضمن دولة "لبنان الكبير"، وجعلت نفسها الوصي عليهم بكل مفاصل حياتهم، من فرض لغتها على مناهج التعلم، إلى وضع دستور جديد للبلاد يحجّم من صلاحياتهم ويميّزهم عن غيرهم من أبناء الوطن الجديد على الصّعد كافة. من أجل ذلك، قاطع المسلمون العديد من المؤسسات التي أنشأها "الانتداب"، وقاموا بانتفاضات وتحركات شعبية ومقاومات مسلّحة ضد الفرنسيين في المناطق كافة، حيث برزت مناطق ذات أغلبية سنية وشيعية ودرزية كقلاع للمقاومة، وشهدت مواجهات دامية مع قوات الاحتلال الفرنسية، وكان أعنفها ثورة أهل جبل عامل التي قادها المرجع الديني السيد عبد الحسين شرف الدين الذي ترأس مؤتمر وادي الحجير في نيسان 1920 بحضور لفيف من العلماء والزعماء ووجهاء جبل عامل.
يومها، دعا إلى نبذ التفرقة الطائفية والمذهبية، وأفتى بوجوب محاربة المحتل الفرنسي، ما أدى بالاحتلال الى إصدار حكم الإعدام بحقه مع 33 شخصية من ثوار جبل عامل، وحرق داره ومكتبته النفيسة في صور، ونفاه إلى سوريا وفلسطين. كما برزت أسماء قادة كبار في حركة المقاومة ضد الاحتلال الفرنسي؛ أمثال الثائرين أدهم خنجر وصادق حمزة الفاعور، وكانا قد شكّلا فرقًا مسلحة سُمّيت بالعصائب العاملية، وفرق أخرى، مثل جماعة محمود أحمد بزي في بنت جبيل، وفرقة أبو زكلي وفرقة شبلي.
هذه الفرق كبدت المحتل الفرنسي خسائر كبيرة؛ لكن استطاع فيما بعد الفرنسيون اعتقال أدهم خنجر في منزل قائد الثورة السورية سلطان باشا الأطرش في جبل الدروز، في أثناء انتظاره للاجتماع به وتنسيق شؤون الثورة معه. كان ذلك بعد محاولته اغتيال الجنرال غورو، فأعدموه رميًا بالرصاص قبالة صخرة الروشة، في العام 1922، في حين أغتيل صادق حمزة على نهر الأردن في العام 1926.
الاحتلال الإسرائيلي والانسحاب
مع وصول اليهود إلى فلسطين وقيام العصابات الصهيونية بارتكاب المجازر بحق أهلها العزّل، التحقت أعداد كبيرة من المسلمين في لبنان بجبهات فلسطين، وشاركت في معارك ضارية ضد العدو الإسرائيلي. لقد كان لثورة الشيخ عزالدين القسّام، في العام 1936، وقعٌ كبير في شحن همم المسلمين اللبنانيين وتوافدهم إلى فلسطين. وكانت مشاركة أهالي الجنوب وعدد كبير من أهالي بعلبك والبقاع لافتة ضمن مجموعات قتالية، خاصة أن السيد عبد الحسين شرف الدين حمل السلاح، وأفتى بوجوب مقاتلة الصهاينة. إذ إن دوره لم يقتصر على القتال المباشر، لقد كان مرجعاً دينياً وفكرياً وثوريًا وسياسياً يوجه بوصلة المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني والفرنسي والبريطاني في المنطقة، وكان من أبرز العلماء المحاربين للهجرة اليهودية بين الأعوام 1949-1919، حين عدّها خطراً استعماريًا استيطانيًا.
بعد نكبة فلسطين، في العام 1948، وإعلان كيان العدو دولته المزعومة، ومع تسلل الجنود الإسرائيليين إلى القرى اللبنانية الحدودية وارتكابهم أفظع المجازر بحق أهلها، بدأت المجموعات الإسلامية تتصدى للاحتلال ضمن إمكاناتها المتواضعة. بعد قدوم السيد موسى الصدر إلى لبنان؛ أعلن تشكيل تنظيم إسلامي شيعي مسلّح، أسماه "حركة المحرومين"، ثم "أفواج المقاومة اللبنانية" المعروفة بــ"حركة أمل"، في العام 1975، والتي انضم إلى صفوفها غالبية المسلمين الشيعة في الجنوب والبقاع. بدأت، بعد ذلك، بتنفيذ عمليات ضد العدو، ودعا الإمام الصدر جميع اللبنانيين إلى مقاتلة الصهاينة مطلقًا مقولته الشهيرة "إسرائيل شر مطلق.. والتعامل معها حرّام". لم يمر بعد الاجتياح الإسرائيلي، في العام 1978، لجنوب الليطاني إلا مدة وجيزة، حتى أخفي السيد موسى الصدر في ليبيا، أعقب ذلك انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني في العام 1979، فترك ذلك انعكاسًا إيجابيًا على الحركة الإسلامية في لبنان، فنمت وتصاعدت هذه الحركة حتى الاجتياح الإسرائيلي الكبير في العام 1982، فخرجت حينها حركة إسلامية شبه سرية أعلنت فيما بعد باسم حزب الله والمقاومة الإسلامية.
إنّ مراجعة سريعة لمسار تطوّر وصعود حركة المقاومة الإسلامية في لبنان، تفيد بأنّ حزب الله قد حقق، من دون أدنى شك، إنجازات عديدة على أرض الواقع. لقد خاض مواجهات عنيفة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي، طوال العقود الأربعة الماضية، تمثلت بالعمليات العسكرية النوعية التي قام بها رجال المقاومة. كان أبرزها العمليات الاستشهادية التي استهدفت مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور في العام 1982، وغيرها من العمليات ضد القوات الغازية، وراح ضحيتها مئات القتلى والجرحى من الغزاة، ما أجبر "إسرائيل" إلى الانسحاب من بيروت، في العام 1985، ليتحقق الانتصار التاريخي عليها، في العام 2000، بدحرها مهزومة عن الجنوب والبقاع الغربي.
بعد ذلك بسنوات؛ وقعت حرب تموز في العام 2006، والتي كان فيها صمود لبنان البطولي، شعبًا وجيشًا ومقاومة، ومن قبلها تحرير الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية في 2004. بالفعل؛ فإن نجاح العمل الذي قامت به المقاومة الإسلامية لم يرجع فقط إلى صمود مقاتليها في وجه إرهاب العدو، أيضًا إلى صمود السكان وتأييدهم لها، فالتكامل والتناغم بين المقاومين وأهلها، أمّن لها الملاذ والدعم الآمن؛ لأن هؤلاء المقاتلين يضربون العدو ثم يختفون ويذوبون في الشعب الذي أصبح بكامله مقاتلاً متمسكاً بأرضه.
إن الضغوط كافة التي مارسها الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب اللبناني، في المناطق المحتلة، من قمع وسجن وتعذيب واضطهاد، وفي المناطق المحررة من قصف للجسور ومحطات الكهرباء وغارات مستمرة، لم تنفع في توجيه غضبه ضد المقاومة.. بل العكس ما حصل، هناك علاقة مقررة بين مقاومة الشعب ومقاومة المقاتلين. وبما أن المقاومة والتحرير والدفاع عن النفس ضد اعتداء أو احتلال خارجي هو حق من الحقوق البديهية الذي شرّعته الاتفاقيات والمواثيق والقانونين الدولية، ولما لم تكن الدولة اللبنانية تملك الوسائل من جيش نظامي قوي وأسلحة متطورة لمقاتلة "إسرائيل"، فقد تولّى رجال المقاومة الإسلامية هذه المهمة.
نجحت هذه المقاومة بالفعل في التحوّل إلى ظاهرة راسخة وفعلاً يوميًا ثابتًا ومتعددًا، ما جعلها تفرض احترامها على الجميع، خاصة وأن من قادها هم رجال عظام، أمثال الشهداء الشيخ راغب حرب والسيد عباس الموسوي والسيد هاشم صفي الدين والحاج عماد مغنية والسيد فؤاد شكر وغيرهم، وقد كان للشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله، والذي قادها لأكثر من ثلاثة عقود، الدور الأقوى في صعود المقاومة والتفاف الناس حولها.
في المحصلة، المقاومة الإسلامية في لبنان ليست حالة عابرة ولّدها الاحتلال الإسرائيلي للبنان، هي مشروع إيماني ومسيرة جهادية هدفها حماية الدين والدفاع عن الأرض، حمل رايتها علماء عظام على مر التاريخ حتى وصلت إلى ما وصلت إليه. هي لم تكتسب شرعيّتها من المواثيق الدولية فقط، إنما من الوقوف في وجه الظلم والقهر من أي محتل كان؛ بعدما عجزت الدولة عن حماية مواطنيها، وما انضمام المزيد من الناس إلى صفوفها إلا الدليل الواضح على نجاحها وعدالة قضيتها.