اوراق خاصة

سوسيولوجيا الصمود في مواجهة الحروب الوجودية حين تتحول المجتمعات إلى جبهات

post-img

فادي الحاج حسن/ كاتب لبناني

في سياقات التوترات الحادة واحتمالات الحرب الشاملة، لا يُقرأ المشهد فقط من زاوية القدرات العسكرية أو ميزان القوى الصلبة، إنما تُقرأ البنية الاجتماعية - السياسية التي تُنتج أنماط الاستجابة الجماعية. الحرب، كما يبيّن علم اجتماع، هي صراع، وليست مجرد مواجهة بين جيوش، هي عملية اجتماعية كلية تعيد تشكيل الهوية والشرعية وأنماط التضامن. من هذا المنطلق، يمكن تحليل آليات مواجهة الشعوب الواقعة تحت التهديد أو الهيمنة في مقاربات نظرية متعددة تفسّر كيف تتحول المجتمعات من وضع التلقي إلى الفعل التاريخي.

أولًا- إعادة إنتاج المعنى والشرعية في زمن التهديد

أول رد فعل، عند المجتمعات المستهدفة، هو إعادة تأطير الصراع بوصفه صراعًا وجوديًا لا مجرد نزاع سياسي. هنا تتجلى فكرة "الحرب امتداد للسياسة" بوسائل أخرى؛ كما صاغها كارل فون كلاوزفيتز( 1)؛ لكن على مستوى المجتمع لا الدولة فقط. إذ تتحول السرديات الجماعية إلى أدوات تعبئة، فيُعاد تعريف الهوية الوطنية أو الدينية  المهددة، ما يعزز التماسك الداخلي ويحدّ من الانقسامات.

هذه العملية تُنتج ما يسميه علماء الاجتماع "الشرعية التعبوية"، أي شرعية تستند إلى الدفاع عن الوجود، لا إلى الأداء الاقتصادي أو الديمقراطي. في مثل هذه اللحظات، يصبح الخطاب الرمزي (الشهادة، الصمود، الكرامة) جزءًا من البنية المعنوية للحرب، ويؤدي دورًا حاسمًا في تحمّل الكلفة البشرية والمادية.

ثانيًا- اقتصاد المقاومة وإعادة تنظيم الموارد

من منظور سوسيولوجيا الدولة والحرب، يشير تشارلز تيلي(2 ) إلى أن الحروب تعيد تشكيل العلاقة بين المجتمع والموارد عبر ما يسميه "استخراج الموارد القسري". غير أن المجتمعات الواقعة تحت الضغط الخارجي تطوّر شكلًا مقابلًا يمكن تسميته "اقتصاد المقاومة"، فتُعاد هيكلة الإنتاج والاستهلاك وفقًا لأولويات البقاء.

يتجلّى ذلك في:

1.    الاقتصاد الموازي: شبكات تمويل غير رسمية، تحويلات، وتكافل اجتماعي.
2.    المرونة المجتمعية: قدرة المؤسسات غير الحكومية والعائلية على سدّ الفراغ الخدمي.
3.    التقشف التعبوي: تحويل الحرمان إلى قيمة أخلاقية مرتبطة بالصمود.

هذه الآليات لا تقل أهمية عن القدرات العسكرية، لأنها تضمن استمرارية المجتمع حاضنًا للصراع، وهو ما يجعل الحرب طويلة الأمد ممكنة اجتماعيًا.

ثالثًا- المقاومة إنتاج للذات السياسية

في تحليل الحركات التحررية، يقدّم فرانز فانون تصورًا مركزيًا مفاده أن العنف الاستعماري يولّد ذاتًا مقاومة تعيد اكتشاف نفسها في الفعل الجماعي. المواجهة لا تُفهم على أنها وسيلة ردع وحسب، هي أيضًا عملية إعادة بناء للكرامة والوعي. وفقًا لهذا المنظور، تتبلور ثلاث ديناميات:

1.    تسييس الحياة اليومية: يصبح السلوك اليومي (الاستهلاك، اللغة، التعليم) جزءًا من فعل المقاومة.
2.    تقديس التضحية: تحويل الخسارة إلى رأس مال رمزي يعزز الاستمرار.
3.    تدويل القضية: نقل الصراع إلى المجال الإعلامي والحقوقي العالمي لكسر العزلة.

هذه العناصر تُحوّل المجتمع من موضوع للهيمنة إلى فاعل تاريخي، حتى في ظل اختلال موازين القوة.

رابعًا- السلطة والانضباط في زمن الحرب

تُظهر مقاربة ميشيل فوكو أن الحروب الحديثة لا تُدار فقط بالقوة النارية، إنما في أنظمة تحكمها المعرفة والانضباط. في السياق المقابل؛ تطوّر المجتمعات المستهدفة أشكالًا مضادة من "المعرفة الشعبية" (شبكات معلومات محلية، إعلام بديل، وخطابات مضادة للسردية المهيمنة).

هذه المواجهة المعرفية تؤدي إلى:

1.    تقويض احتكار الرواية.
2.    تعزيز الثقة الداخلية مقابل التشكيك في مصادر الخارج.
3.    خلق فضاء رمزي موازٍ يتيح الاستمرار النفسي في ظروف الخطر.
4.    تصبح الحرب أيضًا صراعًا على تعريف الحقيقة، لا فقط على السيطرة المادية.

خامسًا- التضامن العابر للحدود وبناء الحلف الاجتماعي

من منظور سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية، تعتمد المجتمعات الواقعة تحت الضغط على توسيع شبكات التضامن خارج حدودها، سواء عبر الشتات أم الرأي العام العالمي. هذه الاستراتيجية تقلّص فجوة القوة عبر تحويل الصراع إلى قضية أخلاقية دولية.

يظهر ذلك في:

تعبئة الجاليات في الخارج.
بناء تحالفات مع حركات اجتماعية عالمية.
استخدام القانون الدولي أداةً رمزية للشرعية.

في هذا السياق، يتحول المجال العالمي إلى ساحة صراع موازية، حيث تؤدي الصورة والخطاب دورًا لا يقل أهمية عن السلاح.

سادسًا- المرونة المجتمعية استراتيجية للبقاء

تشير أدبيات علم اجتماع الكوارث والحروب إلى مفهوم "المرونة" (Resilience)، أي قدرة المجتمع على امتصاص الصدمة وإعادة التكيف. في حالات التهديد الوجودي، تتجسد المرونة في:

1.    شبكات دعم محلية غير رسمية.
2.    قيادة مجتمعية لا مركزية.
3.    قدرة نفسية جماعية على التكيف مع الخطر المستمر.

هذه العناصر تفسّر كيف يمكن لمجتمعات تعاني ضغطًا عسكريًا أو اقتصاديًا شديدًا أن تستمر في أداء وظائفها الأساسية، بل وأن تطوّر أشكالًا جديدة من التنظيم الاجتماعي.

في الختام

من منظور علم اجتماع الحرب، يتضح أن مواجهة الهيمنة أو التهديد لا تجري فقط مع التوازن العسكري، أيضَا هي تنتج المعنة في منظومة اجتماعية مركّبة، وتعيد توزيع الموارد، وتبني الشرعية، وتخلق تضامنًا داخليًا وخارجيًا. المجتمعات المستهدفة لا تبقى في موقع الضحية السلبية، هي تتحول إلى فاعل جماعي يعيد تشكيل ذاته وهويته تحت ضغط الصراع.

الحرب، في هذا الإطار، تصبح لحظة كاشفة للبنية العميقة للمجتمع: درجة تماسكه وقدرته على إنتاج السردية ومرونته المؤسسية. كلما نجحت هذه الآليات، زادت قدرة المجتمع على تحويل اختلال القوة إلى صراع طويل الأمد يستنزف الخصم، سياسيًا وأخلاقيًا، حتى لو بقي التفوق العسكري قائمًا.

المراجع

1.    كلاوزفيتز، ك. ف. (2010). عن الحرب (ترجمة عربية). القاهرة: المركز القومي للترجمة. 
2.    فانون، ف. (2004). معذبو الأرض. بيروت: دار الفارابي.
3.    فوكو، م. (2009). يجب الدفاع عن المجتمع. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.
4.    تيلي، ت. (2015). الحرب وبناء الدولة في أوروبا (ترجمة عربية). الدوحة: المركز العربي للأبحاث.
 

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد