اوراق مختارة

شهيدُ القُرى ..!

post-img

فاروق شويخ* /جريدة الأخيار

1.

كان والده، الحاج أبو مالك، درّاجًا في قوى الأمن الداخلي، في زمنٍ كان فيه راتب الموظّف يؤمّن كرامته، وكانت للمهنة، آنذاك، هيبةٌ تعادل مرتبة الشرف. لم يكن أبو مالك مجرّد رجل أمن، بل صورة للانضباط والقوّة، يمشي في الشارع فتتسع له الأرصفة، وتتحاشى الفوضى طريقه. كان جادًّا، ملتزمًا، مُهابًا، يعامل الناس بالحق، ويؤمنُ بأن وظيفتَه جزء من ضمير الوطن، لا من روتين الدولة.

بيتُهم كان يقع على مفرق مخيّم برج البراجنة، هناك حيث تختلط الهُويات، وتمتزج الحكايات، وتبقى الذاكرة مفتوحة على احتمالاتٍ لا تنتهي. المخيّم ظلّ دائمًا جدارًا مفتوحًا على الألم. ومحمد، الطفل آنذاك، لم يكن يرى فيه إلا وجوهًا تقاتل كي تحيا، وعيونًا تلمع رغم الغبار. كان يرى الفقر بكرامة، والبؤس بمعنى، وتشكّلت داخله مبكرًا فكرة الانتماء لمن لا صوت لهم. أبو مالك كان كثير التعب.

يخرج باكرًا ويعود متعبًا، لكن عينه لا تنطفئ. كان يشبه ضوءًا متواصلًا، رغم عبسات الغروب. وربّى أبناءه، لا بالكلام، بل بالمثال. تعلم محمد من والده الصدق الصامت، والقوّة الهادئة، وصرامة الحق، وحبّ العمل، وكرامة النفس. كان بيتًا متواضعًا، لكنه قائم على قيَم راسخة، وعلى حضور أبٍ لم يكن غائبًا لحظة عن روح أبنائه.

هكذا.. بين الأب القويّ، والمخيّم القريب، وذاكرة المكان المزدحمة، تشكّل قلب محمد، واكتسب منذ طفولته صلابة الرجل الذي لا تذروه رياح الدنيا، ولا تغويه خطوات الزيف.

2. «هالولد قلبه كبير»

كان بيت الحاجة أم حكمت، الفلسطينية الطيبة، جارتهم اللصيقة، بمثابة الملاذ الدافئ الذي يلجأ إليه محمد، كلما اختفى فجأة من عيني والدته. فما إن يُفقَد من البيت، حتى يكون قد تسلل بصمت إلى بيت الجارة، حيث يجد في حضنها الطيب حنانًا يشبه حنان الأم، وفي حديثها دفئًا فلسطينيًا أصيلًا.

كانت الحاجة أم حكمت تقول: «هالولد قلبه كبير»، وتحرص أن تقدّم له شيئًا يأكله، أو أن تحكي له قصّةً من فلسطين، وهو يصغي بعينين واسعتين وذهن يقظ، كأنه يخزّن الحكايات للزمن البعيد.

3. ابن الناس

لم يكن «ابن البلدة» فحسب، بل كان ابن الناس جميعًا، يعرفهم، ويعرفونه، يحبّهم، ويحبّونه، وكان لذلك سرّ.

ما زلت أذكر يوم مشينا معًا في سوق صور. لم نكد نكمل عشر خطوات حتى ناداه أحدهم باسمه الكامل، وقف وعانقه بحرارة. بعد ثلاث دقائق، أوقفنا رجل مسنّ وسأله عن بعض الأشخاص. ضحكت، وقلتُ له ممازحًا: «هل تعمل في قلم نفوس صور؟».

ضحك، وقال لي بهدوئه المعهود: «لا، بس الناس بتضل بقلبي». أجل، لم يكن يعرفهم بعينه، بل بقلبه. كان يحفظ الأسماء، والأحوال، والقصص الصغيرة التي لا نكترث لها عادةً.

في كل قرية له صديق، وله حكاية. وكلما التقيتُ بصديقٍ له عليَّ أن أستعدّ وأتوقّع سماع نادرةٍ ما.

4. وجودٌ يرمّم الفقد

لم يكن اجتماعيًا فقط، بل كان حارسًا للنبل الاجتماعي. كان يعرف أن الكلمة الطيبة أقوى من السلاح، وأن الوجود في فرح أو حزن لا يعوَّض برسالة ولا بمكالمة.

لهذا، كان أول الحاضرين في كل مناسبة. وكان من القلائل الذين يُنتظَرون، لا لأنهم أصحاب سلطة، بل لأنهم أصحاب قيمة.

في الجنوب، في كل قرية، له أثر. لا يُذكَر اسمه إلا ويُردَف بشيءٍ جميل: «كان وفيًا»، «أنقذ موقفًا»، «ساند في محنة»، «حضر من دون أن يُدعى».

كان يدرك تمامًا أن العزاء ليس طقسًا اجتماعيًا فقط، بل واجب وفاء. لم يكن يفوت مناسبة عزاء، ولا يغيب عن واجب، حتى لو لم يكن يعرف الفقيد معرفة شخصية

كان يقول لي: «بهاللحظات، الناس بتذكر مين وقف، مش مين كان مشغول». وكأنه كان يعدّ المواساة فرضًا، لا مجاملة، ووجوده بلسمًا في لحظة الوجع.

أتذكّر كيف كان يعود متعبًا بعد يومٍ طويل، لكنه لا يرتاح إلا بعد أن يبدّل ثيابه ويذهب إلى واجب عزاء. كنت أحيانًا أطلب منه أن يرتاح، أن يؤجّل. لكنه كان يبتسم ويقول: «في ناس بحاجة تشوفك بهيك وقت، مش بعدين». كان يعي أن الوقت في الحزن مقدّس، لا يعوّض.

كان وجوده يرمّم الفقد، حتى في اللحظات التي لا تكفي فيها الكلمات.

5. قُبلة وقِبلة

في لحظة وجدانية ما تزال ترتجف في ذاكرتي كنبضةٍ دافئة، كنتُ أمامه... لا كأخٍ فقط، بل كمرآة لما كنتُ أريد أن أكون. كانت عيناي تمتلئان به، وكان هو واقفًا بهدوئه الصاخب، بسمته الوادعة، ووجهه الذي يشبه صلاة قديمة.

قلتُ له كأن قلبي هو الذي يتكلم، لا لساني: «أنتَ مثلي الأعلى».

كنتُ قد قلتُ ذلك مرّةً أمام زوجته، فابتسمت بفرحٍ داخليٍّ شفيف، كأنها لطالما عرفت، لكنها انتظرت أن تسمع.. ثمّ نظرتُ إليه وكررتها، وجهًا لوجه، بعينين لا تخجلان من الحبّ: «أنتَ مثلي الأعلى».فقال لي، بصوته الذي يعرف كيف يصمت داخل الكلام: «والمرحوم أبي؟».

ابتسمت، وقلبي يرتجف بحنينٍ طويل، وقلت: «أبونا ساكن داخلي، لا يموت. حكايته لا تنتهي، لكنها ممتدّة فيك. أما أنت.. فأنت المثل، المثال الذي أطمح أن أبلغه».

لم يقل شيئًا، فقط اقترب، وأمسك رأسي بكلتا يديه كما لو كان يباركني، وقبّلني على جبيني، قُبلة لم تكن مجرّد قُبلة، بل كانت قِبلةً لصلاح الضمير، وختمًا على أخوّة لا يشبهها شيء، على محبّةٍ تعمّدت بالصدق، وعلى حياةٍ رائعةٍ من نور اسمه محمد.

6. الشهادة

كان الليل يقشر جلده البارد عن سفوح المنصوري، وكانت الضحكة الأخيرة لمحمد تطوق الدائرة... كأنها تبرم اتفاقًا سرّيًا مع الوداع. في الليل، شواء السهرة مع الأصدقاء على نارٍ لم تعلم أنها ستلد نارًا أكبر، أحاديث كأنها تُقال للمرّة الأخيرة من دون أن يشعر بها أحد، ومحمد، دائم الإصغاء والانتباه، بدا وكأنه يملأ ذاكرته برائحة الرفاق، وملحهم، وخبزهم، ونكاتهم المتأخرة.

في تلك الليلة، لم يكن محمد يصعد إلى منزله، بل كان يصعد إلى ما فوق اللغة. فاضَ عن حاجتنا طهارةً، لم تعد تحتمله الأزقة التي أحبّها.

نهض عن الطاولة كما ينهض شبح أدّى مهمته. ودّعهم، وكان في صوته شيء يشبه الرجوع الذي لن يحدث. صعد في طريقه إلى البيت، لا يرافقه أحد سوى أنفاس الليل... كان وحده تمامًا، كما يكون الأنبياء في اللحظة التي تسبق الوحي، أو في اللحظة التي تسبق الذبح.

عند المنعطف، حيث الطريق يعرف قدميه أكثر مما يعرفها الناس، فوقه، انقضّت السماء كأنها تعرفه بالاسم. الطائرة لا تبحث عن سيارة، بل عن محمد بالضبط، باسمه، بوجهه، بكل ما فيه. صاروخان... لم يُطلقا فقط، بل زأرا باسمه. ارتجف الإسفلت، ثمّ صار كل شيء دخانًا ونارًا وغيابًا.

النار التهمت السيارة، والسيارة كادت أن تلتهم الجسد، والجسد ارتجف لحظةً، ثمّ تعلق بشقّ نجاة. هرع الشباب إليه، كانت أطرافه بين الحياة واللاعودة، أنفاسه متقطعة كأن كل شهيق يحمل اعترافًا، وكل زفير يطرد ما تبقّى من هذا العالم.

كانت السيارة تصارع صاروخين، حمل كل منهما أقصى درجات الحقد والانتقام، فتحولت بين رمشة عين إلى قطعة حديد مشوّهة، ومع لهيب النيران التي التهمت كل ما حولها، لم يمُت جسد محمد في اللهب، فقد حمله أصدقاؤه في لحظة صمتٍ لا تُنسى، سحبوه خارج الجحيم الذي أراد العدو أن يغلق عليه الأبواب فيه.

أجل، فاضَ عن حاجتنا طهارة، لم يعد يتّسع له المكان ولا الزمان! لم يعد قابلًا للاحتواء، كان نورًا انفجر في الصمت، أخرسَ الكلام، وبقيت روحه تدافع عن الأرض، حينما تخلى الوجود عن صوته.

لا عودة لتلك اللحظة، لا مجال للأحلام القديمة، الموت عند محمد لم يكن إلا عبورًا إلى خندقٍ من نور، حيث الشهادة بداية، والنار ليست إلا مسارًا، تتسرّب عبره الحياة في العروق، ترسم للغد نبضًا جديدًا لا ينطفئ.

لم يتكلم. لم يكن بحاجة إلى الكلمات. كانت الدماء تتكلم، وكانت عيناه ترمشان كأنهما تكتبان شيئًا أخيرًا: أنا ذاهب... لكنني سأبقى.

* نصوص من كتاب يحمل العنوان ذاته، صدر حديثًا عن «دار البيان العربي للثقافة والنشر» في بيروت، للشاعر فاروق شويخ، يتضمّن حكايات ونصوصًا وجدانية عن شقيقه الشهيد محمد شويخ، مدير «مدرسة المنصوري الرسمية»، الذي اغتاله العدو الإسرائيلي باستهداف سيارته بصاروخين من طائرة مسيّرة مساء 16 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025 في بلدته المنصوري (جنوب لبنان).

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد