في ظل التصعيد بين حزب الله وكيان الاحتلال وما عقبه من اعتداءات إسرائيلية طالت مختلف المناطق اللبنانية بما فيها مناطق في الشمال وجبل لبنان وليس فقط في الضاحية الجنوبية او الجنوب، أطلق الاحتلال الإسرائيلي تهديدًا مباشرًا باستهداف كامل الضاحية الجنوبية لبيروت، مترافقًا مع تصريحات لوزير المالية الإسرائيلي المتطرف سموتريتش قال فيها إنهم سيجعلون الضاحية "مثل خانيونس". ولكن بالغالب تظهر هكذا تصريحات بعدما تصل العمليات العسكرية إلى حدودها. ويفشل العدو في كسر خصمه ميدانيًا أو تحييد قدراته، فيبدأ بالبحث عن أدوات ضغط غير مباشرة عبر استهداف البيئة المدنية والاجتماعية. ولكن هذه المرة الإسرائيلي أطلق اعتداءاته على البنى المدنية منذ اليوم الأول.
خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية، كثّفت "إسرائيل" ضرباتها وعملياتها العسكرية مدعية أنها تمكنت من تقويض قدرات حزب الله أو الحد من فاعليته. غير أن التطورات الميدانية كشفت فجوة واضحة بين الخطاب والواقع. فمع اندلاع العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، فوجئت تل أبيب بعد فترة قصيرة بضربة استباقية من حزب الله أعلن فيها دخوله المواجهة، مؤكدًا أن المعركة لا تتعلق فقط بجبهة محدودة، بل بالدفاع عن لبنان واسترداد حقوق لم تنجح الدولة اللبنانية في حمايتها.
هذا التطور حمل دلالات استراتيجية واضحة: فبعد سنة و3 أشهر من الضغوط السياسية والإعلامية والعسكرية التي هدفت إلى نزع سلاح حزب الله أو تقليص دوره والطروحات التي أرسلت من الشرق والغرب لكيفية التعامل مع سلاح حزبالله، ظهر الحزب وهو يعلن جهوزيته الكاملة للمواجهة ويباشر عمليات مباشرة ضد الكيان المحتل. أي أن المسار الذي راهنت عليه "إسرائيل" – ومعها أطراف دولية وإقليمية – فشل ولم يؤدِّ إلى النتيجة المتوقعة.
في هذا السياق، يمكن تقديم التهديد باستهداف الضاحية الجنوبية كجزء من محاولة نقل المعركة من الميدان العسكري إلى المجال المدني. فالكيان يظن أن الضغط على المجتمع المقاوم قد يولد توترات أو يدفع نحو تحميل المقاومة مسؤولية كلفة المواجهة. غير أن هذه الاستراتيجية ليست جديدة؛ فقد جُرِّبت مرارًا في لبنان، وخصوصًا خلال حرب تموز 2006، عندما استهدف الاحتلال الجسور والمطار والبنية التحتية والأحياء السكنية. ومع ذلك لم تنجح تلك الضربات في تحقيق الهدف السياسي المتمثل بكسر إرادة المقاومة.
الأمر ذاته تكرر في غزة. فقد اعتمد الاحتلال سياسة التدمير الواسع للأحياء السكنية والبنى المدنية، على أمل أن يؤدي حجم المعاناة الإنسانية إلى انهيار البيئة الحاضنة للمقاومة أو إلى فرض معادلة سياسية جديدة. لكن النتائج لم تتطابق مع تلك التوقعات، بل تحولت سياسة التدمير إلى عامل إضافي في تعقيد الحرب وتعزيز حالة المواجهة.
انطلاقًا من ذلك، تبدو التهديدات الحالية تجاه الضاحية الجنوبية أقرب إلى تعبير عن مأزق استراتيجي. فحين تصبح الأحياء المدنية هدفًا، فإن ذلك يشير غالبًا إلى محدودية القدرة على تحقيق اختراق عسكري مباشر.
لو كان لدى الاحتلال أهداف عسكرية واضحة ومحددة كما يدّعي، لكان توجه إليها مباشرة منذ اللحظة الأولى للحرب -وهي بالمناسبة تحدث ضغطاً أكبر لأنها تحد فعلياً من القدرة-، بدل إطلاق تهديدات علنية باستهداف الأحياء السكنية والبنى التحتية. فالكيان الذي يزعم امتلاك تفوق استخباري وتقني كبير لا يحتاج إلى التلويح بضرب مناطق مدنية مكتظة. لكن ما يظهر أن الإسرائيلي بدأ يغرق في مستنقع لبنان ويلجأ إلى الضغط بأساليب غير فعالة بتهديد يطال بنى تحتية ليست خاصة بحزب الله أصلًا، بل هي بنية تحتية تعود للدولة اللبنانية بكل مؤسساتها وخدماتها. وهنا تبرز مفارقة أساسية فهذه البنى تقع ضمن مسؤولية الدولة التي يُفترض أن تتولى حمايتها والدفاع عنها، إلا أن تقاعسها المزمن عن أداء هذا الدور ترك فراغًا خطيرًا، ما دفع فئة من اللبنانيين إلى حمل عبء الدفاع عن البلاد كي لا يبقى لبنان ساحة مستباحة أمام الاعتداءات الإسرائيلية.