محمد ديب/كاتب لبناني
لم تعد المواجهة، في منطقة غرب آسيا (الشرق الأوسط) مجرد صراع عسكري أو سياسي، لقد تحوّلت إلى صراع أعمق بين منطقين متناقضين: منطق يرى القوة أداةً لسيطرة مطلقة، ومنطق يرى الصراع مسارًا طويلًا يُدار بالصمود والإرادة.
في هذا السياق، يبرز سلوك الرئيس الأميركي دونالد ترامب نموذجًا واضحًا لما يمكن تسميته طغيان القوة؛ حين يتحول التفوق العسكري والاقتصادي إلى قناعة بأنّ العالم قابل للإخضاع الكامل. هذا النموذج لا يكتفي باستخدام القوة، هو يعيد تعريفها على أنها أداة فرض نهائي؛ وكأنّ النظام الدولي، بكل تعقيداته، يمكن اختزاله بقرار واحد.
أولًا- حين تتحول القوة إلى طغيان
في النص القرآني، لا يُقدَّم فرعون بوصفه رمزًا للضعف، إنما يقدمه رمزًا لقوة بلغت حد الطغيان: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ (القصص: 4). العلو، في هذا السياق، هو أكبر من تفوق القوة، هو تجاوز للحدود حين تتحول هذه القوة إلى قناعة مطلقة بسطوتها؛ فيظهر التشابه الرمزي في ذهنية ترى أن الإرادة الذاتية كافية لإخضاع الجميع.
هذا هو جوهر الطغيان: لا يكمن في امتلاك القوة، إنما في فقدان القدرة على إدراك حدودها. يعزز هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ (الكهف: 59) في إشارة إلى أن الطغيان لا يُنتج استقرارًا، بل يفتح مسارًا نحو الانهيار.
ثانيًا- حين تفشل القوة في إنتاج الحسم
على الرغم من التفوق الأميركي الواضح، لم تؤدِ سياسات الضغط والتصعيد إلى نتيجة حاسمة. لم يحدث: انهيار أو استسلام أو إعادة تشكيل نهائية للمشهد؛ إنما ما حدث هو العكس تمامًا، لقد تحول الصراع إلى حالٍ ممتدة مفتوحة وأكثر تعقيدًا. هنا؛ يظهر الحد الحقيقي للقوة: يمكنها أن تضغط… لكنها لا تضمن النهاية. حين تدخل القوة في مسار طويل من دون حسم، تتحول تدريجيًا من أداة سيطرة إلى عنصر استنزاف. هذا المعنى يقترب من الدلالة التي تقول بها الآية القرآنية: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ (الأنعام: 21)
ثالثًا- في المقابل عقيدة تقول "الله في الساحة"
على الضفة الأخرى، يبرز النموذج الإيراني بعقلية مختلفة جذريًا. هذا النموذج لا يقوم على الحسابات العسكرية وحسب، أيضًا تقوم على عقيدة تعبئة مستمدة من خط أهل البيت(ع)، حين يُطرح الصمود امتدادًا لمسار تاريخي في مواجهة الهيمنة. في هذا السياق، لا يُنظر إلى المواجهة على أنها صراع مصالح؛ بل هي معركة إرادة ومعنى. إن فكرة "الله في الساحة" هنا لا تُستخدم شعارًا، إنما هي إطار ذهني يعيد تعريف القوة نفسها: ليس أداة تفوق، بل قدرة على الثبات.
يُستحضر، هنا، قول الله تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: 249)؛ حيث يتغير ميزان المعركة.. إذ لم تعد مواجهة بين قوة وأخرى؛ إنما بين من يرى القوة في ذاته، ومن يراها جزءًا من منظومة أوسع.
رابعًا- صراع بين نموذجين لا بين جيشين
ما يجري اليوم ليس حربًا تقليدية، هو صراع بين نموذجين واضحين: نموذج طغيان القوة فرض الإرادة بالقوة، والإيمان بالحسم السريع والتعامل مع العالم بوصفه مساحة قابلة للإخضاع. أما نموذج عقيدة الصمود؛ تعتمد الصبر الاستراتيجي وإدارة الاستنزاف وتحويل الضغط إلى عبء على الخصم.
بين من يقول "نستطيع فرض كل شيء"، ومن يقول "لن ننكسر مهما طال الزمن"، يتحدد جوهر الصراع الحقيقي. وهنا؛ يبرز معنى آخر: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ (آل عمران: 139) إطارًا نفسيًا ومعنويًا للاستمرار.
خامسًا- بحر العرب حيث تُختبر الإرادة قبل القوة
من بحر العرب سيتحرك الجيش الأمريكي ليرسم نهاية المعركة بالدخول بريًا إلى إيران. من الممرات البحرية والتشابك الاقتصادي وطبيعة الصراع غير المتكافئ، كلها تجعل أي تحرك عسكري واسع مكشوفًا ومهددًا منذ لحظاته الأولى. بمعنى آخر: المعركة لا تبدأ عند الوصول… بل قبله. وهنا، لا تكون القوة وحدها كافية، إنما تصبح الإرادة والقدرة على التحمل عاملين حاسمين.
سادسًا- الاستنزاف معادلة نهائية
في هذا النوع من الصراعات، يُحسم بمسار طويل من الاستنزاف المتبادل لا بضربة واحدة. القوة التي تراهن على الحسم السريع، تجد نفسها في مواجهة واقع يفرض إيقاعًا مختلفًا هو إيقاع الزمن. إذ يتحول التفوق إلى عبء يحتاج إلى إدارة مستمرة. في هذه المرحلة، تبدأ المعركة الحقيقية على القدرة على الاستمرار.
حين تتجاوز القوة حدّها
القرآن الكريم وإن قدّم قصة فرعون على أنه حدث تاريخي، إلّا أنه يؤكد تكرار هذه القصة في كل زامن، كلما ظنت أي قوة أنها فوق كل حد.. ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾… ثم كانت النهاية نتيجة مسار، لا لحظة.
في عالم اليوم، قد تتغير الأسماء، لكن المنطق يبقى نفسه: قوة تعتقد أنها قادرة على فرض كل شيء، فتدخل في مسار تفقد فيه تدريجيًا قدرتها على التحكم بالنتائج. في المقابل، حين تتحول العقيدة إلى مصدر صمود، يتغير ميزان الصراع من مواجهة سريعة… إلى اختبار طويل.. فيّطرح السؤال الأهم: من هو الذي سيبقى.. ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: 128)