معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي
في اللحظة التي يرتفعُ فيها خطاب القوةِ إلى حافةِ الفناء الشامل، لا نكون أمام ذروة السيطرة، إنماأمام ارتباكٍ يحاول إخفاء نفسَه بالضجيج. هذه ليست مبالغة إنشائية، هي خلاصة تجربةٍ تاريخيةٍ ممتدةٍ منذ الحرب الباردة، حين تشكّلت قواعد الردع على أساسِ أن السلاح الأقصى يُمتلك كي لا يُستخدم، لا كي يتحول إلى أداة تهديدٍ يوميّ في خطابٍ سياسيٍّ متوتر.
المعضلة الجوهرية التي تُتجاهل قصدًا هي أن التفوق العسكريّ لا يُنتج تلقائيًا تفوقًا سياسيًا. هذا ليس تفصيلًا يمكن تجاوزه، هو مركز الأزمة. التجارب المعاصرة تقدّم أدلة قاسية على ذلك، من حرب العراق 2003 إلى حرب أفغانستان، حيث نجحت القوة الأعظم في العالم تحطيم الجيوش والأنظمة، لكنها فشلت في إنتاج نظام سياسيّ مستقر يخدم مصالحها. هنا لا يكونُ الخللُ في إدارةِ ما بعد النصر، بل في الوهم الذي يسبقُه، أي إن النصرَ العسكريَّ كافٍ بذاته.
حين تعجز القوة عن التحول إلى نفوذٍ مستدام تتحول إلى عبءٍ يتآكل من الداخل. تُصبح مكلفة اقتصاديًا ومُحرجةً سياسيًا ومُرهِقةً أخلاقيًا. من هذه النقطة؛ يبدأُ الانزلاق، حيث يُستبدل التفكيرُ السياسيُّ بمنطق التصعيد، وكأن رفع السقف قادر على تعويض هشاشة الأساس. لكن الحقيقةَ أكثرُ قسوة، كلما ارتفع السقفُ من دون قاعدةٍ صلبة ازداد احتمال الانهيار.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة التهديدِ باستخدام القوة القصوى، وما يُصنَّف ضمن أسلحة الدمار الشامل، على أنها دليل ثقةٍ بالنفس. على العكس، هو غالبًا تعبير عن بلوغ الأدوات التقليدية حدودها؛ لأن السلاح الذي لا يمكن استخدامه من دون كلفةٍ كارثية، يفقدُ قيمتَه كلما استهلك خطابيًا. هنا؛ تنقلب المعادلة، فالتهديد لا يعزّز الردع، بل يكشفُ هشاشتَه.
الأخطر من ذلك، هو التلاعب بالمفاهيم لتسويغ هذا التصعيد. توسيع تعريفِ "سلاحِ الدمار الشامل" ليشمل استهداف البنية التحتية الحيوية، مثل المياه أو الطاقة، ليس اجتهادًا، بل انزلاقٌ مقصود. وفقًا لمعايير التي أرستها الأمم المتحدة، هناك فصل واضح بين طبيعة السلاح وطبيعة الهدف. طمس هذا الفصل لا يخلق شرعيةً جديدة، إنما يمهّد لانهيار أي سقفٍ قانوني أو أخلاقي يضبطُ الصراع.
إذا كان هناك وهم أخطر من وهم القوة، فهو وهم القدرة على ضبط التصعيد. إذ إن التاريخ لا يدعم هذا الاعتقاد. الأزمات الكبرى لا تسير وفقَا لنوايا صانعيها، إنما وفقًا لتفاعلاتٍ معقدة سرعان ما تخرج عن السيطرة. كلُّ خطوةٍ نحو الحافة، تقلص مساحة التراجع، وتضاعف احتمالات الانفجار. هنا لا يعود القرار بيد طرفٍ واحد، إنما يصبح رهينة سلسلة ردودٍ متبادلةٍ يصعب كبحها.
في المقابل، يقدّم نمط الحروب غير المتكافئةِ فهمًا مختلفًا تمامًا لمعادلة القوة. الطرف الأضعف لا يحتاج إلى تحقيق نصر تقليدي، يكفيه أن يمنع خصمه من تحقيق نصرٍ نظيف. هذه المعادلةُ تُربك الحسابات الكلاسيكية، لأنها تنقل الصراع من ميدان الحسم إلى ميدان الاستنزاف؛ ثم لا يعودُ السؤالُ كم تملكُ من قوة؟ إنما كم تستطيع تحمّل كلفة استخدامها..؟
ضمن هذا الإطار، تتحول نقاط الاختناق الجيوسياسية، مثل مضيق هرمز، إلى أدوات ردع تتجاوز البعد العسكري المباشر؛ لأن أي اضطرابٍ فيها لا يبقى محصورًا في نطاقه، بل يمتدُّ إلى الاقتصاد العالمي بأسره. هذا يعني أن من يستخدمها أداةً للضغط، لا يستطيع عزل نفسَه عن تداعياتها. هنا تحديدًا، يتآكل وهم القدرة على التحكم في مسار التصعيد.
ما يُسمى "فائض القوة" يتكشف في هذه اللحظة على حقيقيته بأنه تصور هش. ذلك؛ لأن القوة التي لا تستطيع ترجمة نفسَها إلى نتائج سياسية مستقرة، ليست فائضًا، هي فائض توتر. وحين يتحولُ التهديدُ إلى أداةٍ مركزية، فذلك يعني أن الأدوات الأخرى فقدت فعاليتها، أو أُسيء استخدامها إلى حدّ الاستنزاف.
الخلاصةُ القاسية هي أن الخطاب الذي يراهن على التصعيد الأقصى لا يحمي الهيمنة، هو يكشف حدودها. القوة الحقيقية لا تُقاس بما تستطيع تدميره، إنما بما تستطيع تحقيقَه من دون أن تُدمّر كلَّ شيء. حين تغيبُ هذه المعادلة، يصبح التهديد علامة ضعفٍ مُقنّعة، لا دليلًا على السيطرة. في عالمٍ يتزايد فيه التعقيد، لا يكون أخطر ما في القوة محدوديتها، إنما هو رفض أصحابها الاعتراف بهذه الحدود.