أوراق سياسية

ماذا لو أغلق باب المندب بالتزامن مع اغلاق مضيق هرمز؟

post-img

تشهد الساحة الإقليمية تصعيدًا متسارعًا مع اتساع رقعة المواجهة بين الولايات المتحدة وكيان الاحتلال من جهة وإيران من جهة أخرى، وهو تصعيد يصيب أحد أكثر مفاصل الاقتصاد العالمي حساسية. قرار طهران إغلاق مضيق هرمز، بالتوازي مع إعلان صنعاء استعدادها لفرض قيود على الملاحة في باب المندب، يضع النظام التجاري الدولي أمام اختبار قاسٍ يتعلق بقدرته على امتصاص صدمة مزدوجة تضرب الطاقة والتجارة في آن واحد، وقد تكون هي الأزمة الأعمق والأكثر فتكًا على مختلف المستويات الاقتصادية.

يمثل هرمز نقطة العبور الأساسية لنحو خُمس تدفقات الطاقة العالمية، بما يقارب 20 مليون برميل يوميًا من النفط، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. هذا الحجم يجعل التعطيل في المضيق ذا أثر فوري على الأسعار والتوازنات السوقية. في المقابل، يشكل باب المندب البوابة الجنوبية لممر البحر الأحمر المرتبط مباشرة بـقناة السويس، حيث يمر عبره ما يقارب 12% من التجارة العالمية، بما في ذلك جزء كبير من تدفقات السلع بين آسيا وأوروبا.

التطور الراهن يتعلق بتقاطع مسارين حيويين في لحظة واحدة. هذا التقاطع يعيد تعريف المخاطر من كونها اضطرابًا في سلاسل الإمداد إلى احتمال اختناق واسع في النظام التجاري العالمي. التجربة القريبة في البحر الأحمر خلال عام 2024 تقدم نموذجًا عمليًا لفهم ما قد يحدث. آنذاك، لم يكن هناك إغلاق رسمي لباب المندب، إلا أن استهداف السفن وارتفاع كلفة التأمين حوّلا الممر إلى بيئة غير جاذبة تجاريًا. كانت النتيجة تراجع حركة التجارة عبر قناة السويس بنسبة كبيرة، وانخفاض تدفقات الحاويات والطاقة، مع انتقال الملاحة نحو رأس الرجاء الصالح.

تظهر البيانات المرتبطة بتلك المرحلة أن تغيير المسار أضاف أكثر من عشرة أيام إلى الرحلات، ورفع استهلاك الوقود بنحو 40%، كما ضاعف تكاليف الشحن على خطوط رئيسية بين شرق آسيا وأوروبا. هذه المعطيات تقدم مؤشرًا دقيقًا إلى أن تعطيل الممر لا يحتاج إلى إغلاق كامل، بل يكفي رفع مستوى المخاطر لتغيير سلوك السوق. في حال تكرار هذا السيناريو بالتزامن مع إغلاق هرمز، فإن الأثر سيتجاوز بكثير ما شهده العالم قبل عامين.

يضغط إغلاق هرمز مباشرة على جانب العرض في أسواق الطاقة، عبر تقليص الكميات المتاحة ورفع الأسعار. في الوقت نفسه، يؤدي تعطيل باب المندب إلى رفع كلفة نقل ما تبقى من إمدادات، سواء من مصادر بديلة أو عبر مسارات أطول. هذا التفاعل بين الكلفتين يخلق حلقة تضخمية متسارعة، تنتقل من الطاقة إلى النقل ثم إلى أسعار السلع النهائية.

لا يتوقف الأثر عند الأسعار.اذ أن المسارات البحرية الأطول تعني تراجع كفاءة الأساطيل التجارية، حيث تبقى السفن في البحر لفترات أطول، ما يقلص القدرة الاستيعابية الفعلية للنقل العالمي. كما يؤدي ذلك إلى نقص في الحاويات وتأخير في جداول التسليم، وهو ما ظهر بوضوح خلال أزمة 2024. هذه العوامل مجتمعة تضغط على سلاسل الإمداد، وتفرض على الشركات الاحتفاظ بمخزونات أكبر أو تحمل مخاطر انقطاع الإنتاج.

الاقتصادات الصناعية ستكون في مقدمة المتضررين، خصوصًا في أوروبا التي تعتمد بشكل كبير على الواردات الوسيطة من آسيا عبر قناة السويس. تعطّل هذه التدفقات ينعكس مباشرة على قطاعات مثل السيارات والكيماويات والآلات. كما أظهرت التجربة السابقة أن تأخر المكونات كان كافيًا لتعليق خطوط إنتاج لدى شركات كبرى، ما يشير إلى حساسية هذه القطاعات لأي اضطراب لوجستي طويل الأمد.

تتخذ الأزمة في آسيا الشرقية، بعدًا أكثر تعقيدًا. المنطقة تعتمد على طاقة الخليج التي تمر عبر هرمز لتغذية صناعاتها، وتعتمد في الوقت نفسه على ممر البحر الأحمر لتصدير منتجاتها إلى أوروبا. هذا التداخل يجعلها عرضة لصدمة مزدوجة في المدخلات والأسواق، ما يضعف قدرتها التنافسية ويبطئ دورة الإنتاج والتصدير.

أما دول الخليج، فتواجه وضعًا دقيقًا يتعلق بازدواجية دورها كمصدّر رئيسي للطاقة ومستورد كبير للسلع الأساسية. إغلاق هرمز يقيّد الصادرات، وتعطيل باب المندب يضغط على الواردات، ما يخلق اختلالًا في التوازن التجاري وسلاسل التوريد. في المقابل، تتعرض مصر لضغط مباشر نتيجة تراجع إيرادات قناة السويس، وهو ما ينعكس على ميزان المدفوعات والاحتياطات النقدية.

تتجه المؤشرات نحو بيئة اقتصادية تتسم بارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو في آن واحد. ارتفاع كلفة الطاقة والنقل ينعكس على الإنتاج والاستهلاك، فيما يؤدي عدم استقرار سلاسل الإمداد إلى تقليص الاستثمار وزيادة المخاطر المالية. هذه المعادلة تعيد طرح سيناريو الركود التضخمي بوصفه نتيجة محتملة لتزامن الأزمات في هذين الممرين.

يمكن القول أن تداخل التوترات العسكرية مع نقاط الاختناق الجغرافية يعيد تشكيل المشهد الاقتصادي العالمي. ما يجري في هرمز وباب المندب يمثل اختبارًا لقدرة النظام الدولي على العمل تحت ضغط مزدوج يمس الطاقة والتجارة معًا، ويكشف حدود المرونة في بنية تعتمد على عدد محدود من الممرات الحيوية، خاصة اذا استمر العدوان الاميركي- الاسرائيلي على إيران لأشهر عدة.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد