اوراق مختارة

هل تصحّ ملاحقة المقـاومين قانونيًا؟

post-img

جهاد إسماعيل/جريدة الأخبار

بعد قرار الحكومة في 2 آذار 2026، في ظل العدوان الإسرائيلي الواسع على لبنان، حظر الأعمال العسكرية للمقاومة، أُوقف مقاومون يجري التحقيق معهم أمام القضاء بتهمة خرق الفقرة الأولى المادة 288 من قانون العقوبات التي تنص على أنه «يعاقب بالاعتقال المؤقت من خرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب»، فهل ارتكب المقاومون جريمة وفق هذه المادة؟

لا شكّ في أن أيّ جريمة، من منظور قانون العقوبات، تقوم على أركان تحدّد عناصر التجريم، ومن بينها الركن المادي، أي اقتراف الفعل الذي خالف تدابير اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب. واذا سلمنا جدلًا بأن الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية تندرج ضمن إطار المادة 288، فيعني أن الدولة اتخذت تدابير حيادية من الحرب المشكوّ منها كي تشكّل موضعًا للتجريم فور مخالفتها هنا أو هناك.

إلا أن الدولة اللبنانية، حينما أقدم المقاومون على إطلاق الصواريخ تجاه «اسرائيل»، لم تكن، حينها، قد اتخذت قرارات أكدت حيادها، وانما عبّرت عن تمنيات أو مواقف سياسية لا ترقى إلى مستوى التدابير، وبالتالي فعناصر التجريم غير مكتملة.

علاوة على أن علّة المادة 288 تكمن في الحفاظ على العلاقات الدولية مع الدول المتحاربة، في حين أن «اسرائيل»، بصرف النظر عن الواقع المطروح، تعتبر، وفق المادة الأولى من القانون الصادر في 23 حزيران 1955، عدوًا لا يجوز التعامل معه بأي طريقة من الطرق، مما يعني أن مقاصد المادة 288 لا تشمل دولة عدوة تبعًا للعلاقة الدولية المحظورة قانونًا في الأصل، لا سيما أن هذا الفعل، موضوع التجريم، جاء في سياق دفع تعرّض متكرر من «اسرائيل»، وهو سبب من أسباب التبرير للفعل وإباحته إن كانت هناك نيّة للوصف الجرمي، طبقًا لقواعد قانون العقوبات، لأنه يندرج ضمن دائرة الدفاع المشروع وفاقًا للمادة 184 من قانون العقوبات التي تنصّ على أنه «يُعد ممارسة حقّ كلّ فعل قضت به ضرورة حالية لدفع تعرّض غير محق ولا مثار على النفس أو الملك... ويستوي في الحماية الشخص الطبيعي والشخص المعنوي»، بحيث أن أيّ إدعاء بأن هذه المادة تخاطب فعلا فرديًا لا جماعيًا، يُرد عليه بالمادة نفسها لجهة المساواة في الحماية بين الشخص الطبيعي والشخص المعنوي، إن قاربنا على أن الفعل صدر عن مؤسسة أو هيئة جماعية.

من الثابت أنّ اتفاقية لاهاي لعام 1907 كمصدر هام من مصادر القانون الدولي الإنساني العرفي، والتي نظّمت مبدأ الحياد الوارد في قانون العقوبات، ترسم واجبات على الدولة المحايدة، ومنها الامتناع عن الاشتراك في الحرب وعدم السماح باستخدام أراضيها ومعاملة جميع أطراف النزاع على قدم المساواة.

في المقابل، تفرض حقوقًا لا يجوز المساس بها، ومنها التزام الدول المتحاربة احترام سيادة الدولة الحيادية وعدم القيام بأيّ أعمال عدائية على أراضيها، وموافقة دول الجوار، وهذا ما لا يمكن تأمينه بسبب انتهاج «إسرائيل»، كدولة من الجوار، العدوان المتكرر على لبنان وأراضيه.

هذه الواجبات تعني أنّ التزام لبنان الحياد مقابل عداء دولة من الجوار يخلّ بحق الدولة المنصوص عنه في الاتفاقية الدولية، فضلًا عن أنّ السير بنص المادة 288 بمعزل عن أحكام اتفاقية 1907، يعطّل دور الدولة بالدفاع عن المجتمع. ويصبح هذا الموضوع أكثر إلحاحًا في ظروف استثنائية كالحرب، على اعتبار أن زمن الحرب يستوجب تدابير أو مسؤوليات استثنائية وإضافية لا التخلّي عن مسؤوليات تعتبر، أصلًا، طبيعية في الزمن العادي.

إعمال النصوص، يعني منحها كلّ مفاعيلها، وهذه المفاعيل لا تتوقف عند حدود مادة قانونية بمعزل عن مواد أخرى، بحيث أنّ المادة الثانية من أصول المحاكمات المدنية تنصّ على أنّ المحاكم ملزمة بالتقيد بمبدأ تسلسل القواعد، بحيث أن تعارض أحكام المعاهدات مع أحكام القانون العادي، تتقدّم في مجال التطبيق، الأولى على الثانية.

على هذا النحو استقرّ التطبيق في القضاء العدلي بسمو المعاهدة على القانون، مما يعني أنّ أحكام اتفاقية لاهاي للعام 1907، الملزمة أساسا للبنان و«إسرائيل»، تُفرض على تفسير أحكام المادة 288 من قانون العقوبات عدا عن أن الاتفاقية المشار إليها، تتضمّن أحكامًا تفسيرية لا متعارضة إن جاز التعبير، الأمر الذي يؤدي إلى استبعاد الصفة الجرمية عن سلوك المـقـاومين الذين صدّوا عدوانًا قرّرت الدولة، أصلًا، بقواها الذاتية عدم مواجهته، بل بإزالة كلّ وسائل الدفاع بوجهه، عوضًا عن دفعه بالوسائل القانونية المكفولة في قانون الدفاع الوطني وأحكام المرسوم الاشتراعي رقم 52/ 1967.

على قاعدة «إعمال النص خير من إهماله»، لا يجوز، بحسب المادة الثانية من الدستور اللبناني، التخلي عن أحد أقسام الأراضي اللبنانية أو التنازل عنه، وبالتالي فإنّ تطبيق الحياد بشكله المطلق، وبمعزل عن المادة الثانية من الدستور أو اتفاقية لاهاي، أو بمعزل عن واقع الاحتلال في أجزاء من الجنوب اللبناني، يقود إلى سلخ سيادة الدولة عن جزء من الأرض اللبنانية، وهو أمرٌ حظّرته المادة 302 من قانون العقوبات بعقوبة الاعتقال المؤبد، ما يعني أنّه لا تجوز مقاربة قانون العقوبات من مادة بشكل مستقل تمامًا عن سائر المواد، بحيث أنّ حياد الدولة يجب أن يتوقف عند حدود مزاحمتها على أرض من أراضيها، وفي حال قرّرت التخلي عنها، ولو ضمنيًا، فيعني أنّها تتخلّى عن بسط سيادتها على كلّ الأراضي اللبنانية، عندئذٍ يحقّ للشعب، وهو الأصيل وصاحب السيادة بحسب الفقرة «د؛ من مقدمة الدستور، أن يتولى الدفاع عن حقّه الأصلي الّذي تنازل عنه الوكيل (المؤسسات الدستورية) من خلال إزالة وسائل الدفاع عن السيادة.

بمنطق الفقرة «د» من مقدمة الدستور ، الّتي ميّزت بين الأصيل (الشعب) الذي يعتبر صاحب السيادة، وبين الوكيل (المؤسسات الدستورية) الذي يمارس هذه السيادة وكالةً، فإنّ فكرة الدولة، نشأت، إلى حدٍ ما، بحسب ما يراه جانب كبير من الفقه الدستوري، من خلال العقد الإجتماعي الذي يقوم بين شعبٍ تنازل عن جزء من سيادته لصالح حاكم يتولى الدفاع عن سيادته.

بالتالي إن تقاعس الحاكم، وفقًا للنظرية، عن السبب الأساس الّذي جعل الشعب يتنازل عن سيادته، أيّ في الدفاع عن السيادة، عندئذ يتحقق الإخلال بالعقد الاجتماعي، بحيث يستطيع الشعب الدفاع عن نفسه ريثما تتأمّن ظروف ممارسة الحاكم للدفاع عن السيادة، وهذا حالُ النظرة للمقاومة كإستثناء لا يظهر الا عندما تعجز الدولة عن دورها.

جرّاء ما تقدّم، لا يمكن تطبيق المادة 288 على أفعال أخرجتها سائر النصوص من التطبيق، سواء بقوة الدستور والإتفاقيات الدولية، أو بقوة الإستثناءات التشريعية وقواعد العقد الاجتماعي.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد