اوراق مختارة

منظور اليوم التالي للحرب.. المسألة اللبنانية كمحدِّد جيوسياسي

post-img

ورد كاسوحة/جريدة الأخبار

قبل انقضاء الأعمال القتالية وإبرام الهدنة المؤقّتة بين إيران والولايات المتحدة، كان ثمّة عقدة رئيسية تتحكّم بمسارات الحرب جميعها، بما في ذلك الصراع العسكري نفسه، وهي العقدة الجغرافية التي يمثّلها مضيق هرمز. الأمر لم يكن مقتصرًا على تعطيل الملاحة ومسارات الشحن والتدفّقات النفطية، عبر المضيق، بل تعدّاها جميعًا، كمؤشّرات على أزمة اقتصادية عالمية مقبلة، إلى جعل الموقع الجغرافي للمضيق أداةً من أدوات الحرب غير المتناظِرة التي أجادت إيران استخدامها ببراعة، إلى جانب السلاح الصاروخي والمسيّر، لتعديل موازين القوى التي كانت راجحة بقوّة في الثقل العسكري، لمصلحة التحالف الأميركي الإسرائيلي.

المضيق كحقيقة جيوسياسية مطلقة

هذا جَعَلَ مسألة معاودة فتح المضيق أمام تدفّقات النفط والتجارة محورية في المحادثات التي تقرَّرَ إجراؤها لإنهاء الحرب، بوساطة باكستانية معلَنة، وبإسناد مصري من الخلف. اشتراطات الطرفين الإيراني والأميركي، بدت بمعظمها متمحورة حول هذه النقطة، مع كلّ الثقل الذي مثّلته أثناء الحرب وما بعدها، مسائل أساسية أخرى، كانت في صُلب قيام الحرب أكثَرَ من إغلاق المضيق نفسه، مثل تخصيب اليورانيوم وبرنامج الصواريخ الباليستية ودعم الحلفاء في الإقليم ورفع العقوبات وسواها.

الحال أنّ الثِقَل الجيوسياسي الذي انتقَلَ إلى عقدة إقفال المضيق، لم يكن بفعل الموقع الجغرافي نفسِه، بقدر ما كان نتاج استخدامه سياسيًا، من جانب إيران، في لحظة بدت فيها كلّ الظروف الجيوسياسية المحيطة وكأنها تعمل ضدّ طهران، لا سيّما في الأيام الأولى التي شهدت اغتيال معظم القادة السياسيين والعسكريين.

ما أعقَبَ ذلك من ضربات متبادَلة، بالصواريخ الباليستية والطيران الحربي والقاذفات الجويّة والمسيّرات، كان بمثابة تأكيد على الحقيقة الجيوسياسية الوحيدة تقريبًا لهذه الحرب، حيث كانت أهميّة إقفال المضيق وعرقلة حركة التجارة الدولية عبره تتزايد مع كلّ تصعيد إضافي في الأعمال القتالية. إلى أن تبيَّنَ لاحقًا، مع إقرار الهدنة، أن البند الخاصّ بفتح المضيق مجددًا أمام التدفّقات النفطية والسلعية، ليس الأهمّ فحسب من بين البنود الأخرى، في كلتا الورقتين الإيرانية والأميركية، بل أيضًا هو المدخل، من حيث القدرة الفائقة على استخدامه كأداة في الصراع غير المتناظر، لحقائق جيوسياسية أخرى لا تقلُّ أهميةً عنه، وقد تكون هي المحور الجديد للصراع، في مرحلة الشدّ والجذب الشديدين حول الهدنة والتفاوض والتأويلات المختلفة لبنود اتفاق وقف إطلاق النار.

عُقدة لبنان في صراع اليوم التالي

التفسيرات المختلفة والمتبايِنة لبنود الهدنة تمحوَرت، بدورها، مثلما حصَلَ مع المضيق أثناء الحرب، حول شمول الجبهة اللبنانية في الهدنة من عَدَمها. الاستناد إلى الورقة الإيرانية كأساس للتفاوض، كان في صُلب بدء المباحثات حول الهدنة، وهو ما أكّدته المواقف الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل أن يتغيّر موقفه لاحقًا تحت ضغط الموقف الإسرائيلي، الرافِض، ليس فقط لشمول لبنان بالهدنة بل أيضًا لإنهاء الحرب، عبر التفاوض.

المواقف المتباينة هذه أحدثت فرزًا واضحًا بين الأطراف، وقد وصَلَ الفرز، على خلفية الموقف من شمول لبنان بالهدنة، إلى حدّ حصول اصطفافات حتى ضمن فريق الوسطاء، إذ بدا الموقف الباكستاني الذي كان له الفضل الأكبر في إقرار الهدنة، ومن ورائه دائمًا مصر، منحازًا بوضوح إلى الطرف الإيراني، بينما تقارَبَ الموقفان الأميركي والإسرائيلي إلى حدّ التطابق، مثلما كان عليه الحال أثناء الحرب، وظهرا كتعبير عن الأقلّية الصغيرة المعرقِلة لاستمرار الهدنة، والمؤيّدة، بشكل أو بآخر، للعودة إلى الحرب، كما تفهمها وتريدها إسرائيل.

هذا جَعَل التفاوض يبدو وكأنه يدور بين أطراف تمثّل أكثرية دول المنطقة الساعية لإنهاء الحرب بالوسائل السلمية، وأخرى تمثّل أقلية معزولة ومعرقِلة للتفاوض، حتى ضمن الغرب نفسه، الذي صدَرَت عنه مواقف، لا سيما من إسبانيا وفرنسا، تعبّر بوضوح عن تأييد شمول لبنان في التهدئة. وهو ما يجعلها كتعبيرات سياسية غربية أقرَبَ إلى مواقف دول المنطقة التي تحاول عبر بسط مظلة الحماية الرمزية حول لبنان، كبح جماح الفريق الآخر، الأقلّوي والمعزول، على مستوى العالم برمّته، وليس على صعيد المنطقة فحسب.

التزايُد في حدّة هذا الصراع السياسي حول المسألة اللبنانية، إذا صحّ التعبير، يؤكّد، ليس فحسب على محورية العقدة اللبنانية في إنهاء الحرب عمومًا، بل على أهميّة الموقع الجيوسياسي لهذا البلد، حيث بدا في ظروف الانتقال من الصراع العسكري إلى نظيرِه السياسي، وكأنه يرِث المركزية الجغراسياسيّة لمضيق هرمز، في تحديد الشكل الذي ستنتهي إليه الحرب، في ظروف الصراع السياسي، وباستخدام أدوات التفاوض، الخاصّة بتأويل السرديات المختلفة والمتباينة.

على أنّ الأساس في الأمر، ليس التفاوض بحدّ ذاته، بل موقع الأحقّية فيه، والتي تبدو، حتى لو رجحت الكفّة لحساب الأقوى مرحليًا، في مصلحة الأكثرية العربية والإسلامية، الراغِبة في إنهاء الحرب، عبر تأكيد شُمول لبنان بالتهدئة، ليس فقط كمدخل لحسم الموقع التفاوضي للأكثرية المؤيّدة للسلام، بل كذلك كحقيقة جيوسياسية لا يمكن القفز فوقها، ولا تقلُّ أهميةً عن عقدة مضيق هرمز، خلال مجريات الحرب.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد