أوراق ثقافية

مشروع قانون يادان لتجريم انتقاد إسرائيل في فرنسا

post-img

في 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أودعت النائبة الفرنسية كارولين يادان، المعروفة بصلتها الوثيقة بإسرائيل وسياساتها، مشروع قرارٍ في الجمعية الوطنية (البرلمان) بباريس يحمل عنوان "مكافحة الأشكال المتجددة من معاداة السامية". بقي النصّ حبيس الأدراج أكثر من عام، ولم يوازِ الصمتَ الذي أحاط بولادته، إلا الجدل الكبير الذي رافق عودته أخيرًا إلى الواجهة، بالتزامن مع مناقشته المقرّرة في الجمعية الوطنية اليوم الخميس، وغدًا الجمعة. ففي أقلّ من شهرين، جمعت عريضة إلكترونية مناهضة له في فرنسا نحو 700 ألف توقيع (694 ألفًا حتى لحظة كتابة هذه الأسطر)، وهو رقمٌ يشرح المخاوف التي يبديها معارضو النصّ إزاء استخدامه وسيلةً قانونية لتجريم كلّ نقد لإسرائيل وسياساتها أو كلّ دعمٍ للقضية الفلسطينية.

محامية صهيونية في برلمان فرنسا

القانون المؤلّف من أربع موادّ، يهدف بشكل أساسي إلى تشريع أمرين. أولًا، توسيع النطاق الذي تغطّيه جريمة "تمجيد الإرهاب" لتشمل الأشكال الضمنية والتلميحية، لا الصريحة فحسب، وكذلك تجريم "التخفيف" من جسامة أعمال إرهابية أو تقديمها بوصفها "مقاومة". مع العلم أن تهمة "تمجيد الإرهاب" تُوَجَّه في العديد من الأحيان إلى المدافعين عن حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم، كما هو الحال مع النائبة في البرلمان الأوروبي ريما حسن التي ستحاكَم في يوليو/تموز المقبل بهذه التهمة. أما ثاني التغييرات التي يسعى قانون يادان إلى إحداثها في نظام العقوبات الفرنسي، فتتمثل باستحداث جريمة الدعوة إلى دمار دولة تعترف بها الجمهورية الفرنسية، في إحالة لا يخطئها أحد إلى إسرائيل، المذكورة أكثر من عشر مرات في مقدمة النص.

الحال أن يادان لم تصل إلى مشروع القانون هذا بالصدفة. فهذه المحامية، المولودة في عام 1968 لعائلة يهودية بالقرب من باريس، قضت سنوات من العمل والنشاط في مؤسسات مثل "كونّكت ـ صهيون"، و"الرابطة الدولية ضد العنصرية ومعاداة السامية"، قبل أن تُنتخَب نائبةً عن الدائرة الثامنة للفرنسيين في الخارج، وهي دائرة تضمّ دولًا من بينها إسرائيل. ع

ُيّنت يادان عام 2023 أمينة سر لـ"مجموعة الصداقة الفرنسية الإسرائيلية" الناشطة في البرلمان الفرنسي، وأوكلت إليها في عام 2024 مهمّة تقديم تقرير حول "الانحرافات الإسلامية" في مجال الرياضة، وهو، أي الإسلام والمسلمين والمسلمات، موضوعٌ تُظهر إزاءه هوسًا خاصًا من نوعه تشهد عليه مقالاتها في موقع "تايمز أوف إسرائيل". وفي أكتوبر/ تشرين الأول 2023، وبعد أيام من السابع منه، كانت يادان في طليعة النواب الفرنسيين الذين توجّهوا إلى تل أبيب بدعوةٍ من منظمة "إيلنت"، وهي جماعة ضغط موالية لإسرائيل تنشط في الأروقة السياسية الأوروبية لاستمالتها نحو إسرائيل.

حين أقدمت حكومة إيمانويل ماكرون في يوليو 2025 على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، أعلنت يادان انسحابها من الأغلبية البرلمانية الحاكمة، من دون انفصالها عنها تمامًا. علمًا أن يادان، التي تصفها صحيفة "يسرائيل هيوم" بأنها "صهيونية يهودية"، دخلت البرلمان منتمية إلى حزب ماكرون، النهضة، وهي حين فازت بانتخابات 2024 المبكرة، خلفت ماير حبيب، المعروف بعدائه الشديد للفلسطينيين، وتصريحاته العنصرية والمتطرفة والمثيرة للجدل تجاههم.

هولاند يخرق الرفض اليساري

غير أن خصام يادان مع "النهضة"، لن يحرمها، كما يبدو، من تصويت الأغلبية، ولو جزئيًا، لصالح قانونها الذي يحظى أيضًا بدعم اليمين واليمين المتطرّف. فعددٌ من زملائها السابقين في الأغلبية، شاركوها في التوقيع على المشروع بصيغته الأولى، ومنهم النائب المعروف أيضًا بمواقفه المدافعة عن إسرائيل، سيلفان مايّار. في حديث إلى "العربي الجديد"، قال مكتب مايّار، إن الأخير سيصوّت لصالح القانون، "خصوصًا أنه يشكّل امتدادًا لقرار شبيه كان قد تقدّم به في العام 2019 وصُوّت عليه في الجمعية الوطنية". وانتقد المصدر "الضجيج الكبير" الذي يثيره قانون يادان في وقت "تشهد فيه فرنسا صعودًا كبيرًا للأفعال والتصريحات المعادية للسامية"، مذكّرًا بأن مشروع القانون يتأتى من هذه "البيئة المعادية للسامية"، لا من رغبة في تجريم انتقاد إسرائيل.

خطابٌ لا يختلف كثيرًا عمّا تحاجج به الشخصيات والمؤسسات المدافعة عن مشروع القانون، ومن بينها "المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا"، ذي النفوذ السياسي المتزايد، وكذلك "الرابطة الدولية ضد العنصرية ومعاداة السامية".

أما الرئيس الاشتراكي السابق فرنسوا هولاند، فقد كان من بين اثنين فقط من نواب اليسار المساندين للقانون، وقد وقّع عليه في صيغته الأولى، لكنه طالب الأحد الماضي بإدخال "تصليحات" عليه، وهي إن حصلت، فإن "على القرار أن يمرّ"، بحسب ما قاله في مقابلة تلفزيونية. ويشترط هولاند، على وجه التحديد، أن يكون القرار أكثر وضوحًا في ما يخص حرّية التعبير، وخصوصًا حينما تمسّ البحث العلمي أو العمل الصحافي، لكنه أكّد أنه مع تجريم الدعوات إلى تدمير دولة ما.

قلّةٌ هم المتردّدون مثل هولاند. فالقانون، بطبيعته الإشكالية، قسّم الرأي العام بشكل حاد بين مدافعين عنه لم يعودوا يطيقون أن يسمعوا عبارات مثل من "النهر إلى البحر"، وبين معارضين له وقّعوا بشكل كثيف على عريضة ضده ونزلوا إلى الشارع رفضًا له وخشيةً من أن يخسروا فرصة الدفاع عن القضية الفلسطينية: حرّية التعبير عن الرأي بالقول "لا" في وجه إسرائيل. حتى مجلس الدولة الفرنسي، وهو أعلى هيئة تشريعية وإدارية في البلد، أشار في رأي قدّمه حول مشروع القانون، إلى أن النصوص التشريعية القائمة في فرنسا تشمل أساسًا مجمل التهم التي يتحدث عنها قانون يادان، بما فيها تجريم معاداة السامية وتمجيد الإرهاب.

معارضة مشروع القانون لم تقتصر على أحزاب اليسار، من "فرنسا الأبية" و"الاشتراكي" إلى "الخضر" و"الشيوعي"، ومنظّمات بارزة مثل رابطة حقوق الإنسان وجمعية أتاك، بل ضمّت أيضًا جهات يهودية بارزة، وعلى رأسها "الاتحاد اليهودي الفرنسي من أجل السلام". وفي حديث إلى "العربي الجديد"، يعيد بيار أبيكاسيس، وهو من المتحدثين باسم "الاتحاد"، التذكير بموقف المنظمة الرافض للقانون. وقال: "نعتقد في الاتحاد أن هذا القانون يستند إلى مقولة مفادها أن انتقاد السياسات الإسرائيلية يعني، بالضرورة، تصريحًا بكراهية اليهود. من غير المقبول إطلاقًا التفكير بهذه الطريقة. مشروع القانون يريد أن يفرض على جميع اليهود في فرنسا نوعًا من الدعم الإجباري لإسرائيل، من خلال المماهاة بين الهويّتين، وهو ما نعارضه تمامًا.

عبر التفكير بهذه الطريقة، يسهم مشروع القانون في تأجيج معاداة السامية بدلًا من مكافحتها". واستطرد: "أضيف إلى ذلك أن هذا القانون يضعنا، نحن اليهود المعادين للصهيونية، في الخانة ذاتها مع اليهود الداعمين للصهيونية، وهذا ما لا يمكن التسامح معه. دعني أذكّر أن معاداة السامية جريمة يعاقب عليها القانون، وأن معاداة الصهيونية رأي. ونحن نجمع بين كوننا يهودًا ومعادين للصهيونية، لا للسامية أو الدين اليهودي".

لا شكوك لدى أبيكاسيس في أن مشروع القانون الذي يحمل اسم يادان يمثّل هدية من نائبة فرنسية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قائلًا: "لا تخفي يادان هذا التوجّه. إنها تبدو أقرب إلى أن تكون نائبة إسرائيلية في فرنسا من كونها نائبة فرنسية في فرنسا. ويمكن للبعض في البرلمان أن يلحظوا أنها تدافع عن إسرائيل من وجهة نظر إسرائيلية بدلًا، على سبيل المثال، من وجهة نظر يهود فرنسا، الذين يفترض أنها تمثلهم".

يتكوّن المجلس الوطني الفرنسي من 577 نائبًا، لكنّ حضورهم جميعًا في وقتٍ واحدٍ لمناقشة قانون أو التصويت عليه يبقى أمرًا نادرًا، وهو ما يترك الباب مفتوحًا على حظوظ مرور قانون يادان أو عدمه، وفقًا لعدد النواب الحاضرين في جلسة التصويت عليه رسميًا، والتي من المتوقّع أن تُعقد في 5 مايو/ أيار المقبل. صحيحٌ أن القانون خسر في الساعات الأخيرة حظًّا إضافيًا في الحصول على الضوء الأخضر من الجمعية العمومية، مع إعلان حزب "مودم" الوسطي نية نوّابه الـ37 عدم التصويت لمصلحة المشروع، إلا أن حظوظ القانون، على الورق، ما تزال قائمة.

إذ تأمل النائبة يادان إقناع نوّاب اليمين المتطرّف (نحو 140)، أو قسم منهم على الأقل، لضمّهم إلى الـ111 نائبًا (من اليمين والوسط) الذين وقّعوا عليه في صيغته الأولى. لكنّ حضورًا واسعًا لنواب المجموعات اليسارية الأربع، الذين يناهز عددهم الـ187، يرافقه غيابٌ لنواب من الصف الآخر، قد يخلط الأوراق ويحول دون مرور القانون.

عشية التصويت على القانون، تختلف خشية كلّ طرف عن الآخر. فالمدافعون عن القانون يخافون من الحشد الشعبي الواسع ضدّه وتأثير ذلك على تصويت النواب، وهو ما يسرّ به المصدر المقرب من النائب مايّار. أما الطرف الآخر، فخشيته تتمثّل، بحسب أبيكاسيس، "في أن غيابًا كبيرًا في صفوف النواب"، خصوصًا اليساريين، "قد يترك الباب مفتوحًا للوصول إلى أغلبية من المصوتين لصالح القانون".

أمرٌ سبق أن حدث أكثر من مرة في السنوات القليلة الماضية، خصوصًا إبان التصويت على قرار إعادة تعريف معاداة السامية ومماهاتها مع معاداة الصهيونية الذي تقدّم به النائب مايّار عام 2019، والذي جرى اعتماده استنادًا لـ154 صوتًا ضد 72، من أصل 577 نائبًا، كان أغلبهم غائبًا، رغبةً في عدم الخوض في هذا الموضوع الحسّاس أو إزعاج الأطراف المعنية به، وفق تحليل أبيكاسيس.

من نحن

موقع اعلامي يهتم بالشؤون السياسية والقضايا الاجتماعية والشؤون الثقافية في لبنان والمنطقة العربية والعالم ويناصر القضايا المحقة للشعوب في مواجهة الاحتلال والاستبداد