كتبت د. ليلى شمس الدين/باحثة في الأنثروبولوجيا والإعلام
في قرية حدودية، لا يُقاس الزمن بالساعات، إنما بعدد الغارات، تقول امرأة عاشت سنوات من القصف: كنا ننتظر الدولة ثم توقفنا عن الانتظار..في البداية؛ كان الانتظار موقفًا ثم أصبح خطرًا ثم تحوّل إلى قرار "سنحمي أنفسنا"..
هذه الجملة البسيطة التي تتكرّر في أماكن مختلفة من العالم، ليست مجرد رد فعل.. إنّها لحظة تحوّل تاريخي.
- الدولة جدار حماية… حين يتصدّع
في النظرية السياسية الكلاسيكية، الدولة ليست فقط إدارة أو بيروقراطية. هي، قبل كل شيء، جهاز حماية. فمنذ توماس هوبز، ارتبطت شرعية الدولة بقدرتها على حماية مواطنيها من الخطر، خصوصًا الخارجي. في تعريف ماكس فيبر، تحتكر الدولة "العنف المشروع" لضمان هذا الأمن. لكن ماذا يحدث عندما يتصدّع هذا الجدار؟ ماذا يحدث حين تُصبح الحدود مكشوفة، والعدو يتحرّك بلا ردع، والناس يشعرون أنّهم وحدهم في مواجهة الخطر.. هنا، لا تفقد الدولة سيطرتها فقط، بل تفقد معناها، تفقد معنى وجودها..
- من الخوف إلى الفعل: كيف يبدأ التحوّل؟
تشير تحليلات الحركات الاجتماعية، ومنها عند تشارلز كيلي، إلى أنّ الفعل الجماعي يبدأ من إحساس مشترك بالتهديد، لا من أيديولوجيا جاهزة. بمعنى آخر، الناس لا يخطّطون للمقاومة.. هم يُدفعون إليها. تحرّكات وحركات تظهر في البداية من خلال لجان محلّية، أو مجموعات حماية، أو حتى لجان تنسيق بين الجيران.. ثمّ، شيئًا فشيئًا، يتشكّل ما هو أكبر، "نواة مقاومة."
- حين يتراجع الحامي.. لا يختفي الأمان، بل يغيّر عنوانه
لكن، كيف يتحوّل غياب الحماية السيادية إلى طاقة اجتماعية تعيد تشكيل مفهوم القوّة والانتماء والشرعية خارج مؤسّسات الدولة. في لحظةٍ ما؛ لا تُعلن الدولة انسحابها، فهي لا تصدر بيانًا، ولا تعترف بالعجز. لكن الناس يشعرون بذلك. يشعرونه حين تصبح السماء مفتوحةً للعدوان، وحين لا يعود هناك من يردّ، ولا من يردع، ولا من يفسّر حتى لماذا يُترك الجسد الوطني مكشوفًا. هنا؛ يبدأ التحوّل. ليس تحوّلًا عسكريًا فقط، أيضَا باتجاه تحوّل عميق في معنى الدولة، وفي معنى الحماية، وفي معنى "من نحن" حين لا يكون هناك من يحمينا.
- تصدّع فكرة الدولة
من باريس إلى تكساس .. في لحظات انكشاف الدولة، لم يخرج الناس إلى الشوارع لأنّهم ثوريون، ولم يحملوا السلاح لأنهم يبحثون عن مجد. في هذه اللحظات، نستحضر باريس، في العام 1942، عندما طبع شاب منشورات سرّية في قبو مظلم. وفي شمال إيطاليا، كانت امرأة تنقل رسائل خاصّة لمقاومين بين القرى عبر الجبال. وفي الغرب الأمريكي قبل قرنين، وضع مستوطن بندقيته قرب الباب؛ لأنّ لا أحد سيحميه سواه.
صحيح، أنّ المشهد مختلف… لكن الجملة واحدة "لم يعد هناك من يحمينا".. ومن هنا… يبدأ كل شيء.
- لحظات يتغيّر فيها كل شيء
في النظريات السياسية، الدولة هي الحامي. لكن في الواقع، هناك لحظات تفشل فيها، أو تتراجع، أو تصبح عاجزة. وهنا لا يختفي النظام، بل يتغيّر مصدره. يشرح ماكس فيبر احتكار الدولة العنف المشروع. لكن هذا الاحتكار ليس أبديًا، هو مشروط بالقدرة. وحين تفقد الدولة هذه القدرة، تفقد معها احتكار الحماية.
- فرنسا: حين أصبحت المقاومة "الدولة التي لم تُعلن"
في ظل حكومة فيشي، لم تكن المشكلة أنّ الدولة غابت، بل أنّها لم تعد تحمي. في هذا الفراغ، نشأت المقاومة الفرنسية بأوجه متعدّدة، من شبكات سرّية، إلى عمليات تخريب والسعي لحماية مدنيين، إضافة إلى إنتاج خطاب مضاد. الأهم في هذه التجربة، لم تكن المقاومة فقط رد فعل، بل تحوّلت إلى نظام بديل غير معلن للحماية والشرعية.
- إيطاليا: حين تحوّلت القرى إلى وحدات سيادية صغيرة
بعد انهيار النظام الفاشي واحتلال الشمال، لم يكن هناك مركز يحكم. في هذه الظروف ظهرت المقاومة الإيطالية، لكنها فعلت شيئًا أعمق؛| فقد أدارت مناطق، ونظّمت الموارد، وفرضت قواعد .. أي إنها لم تملأ الفراغ فقط.. لقد أعادت تعريف معنى الدولة على مستوى محلّي.
- بريطانيا: حين اعترفت الدولة بحدودها
في الحرس الوطني، نحن أمام نموذج مختلف.. الدولة لم تختفِ، لكنها قالت ضمنيًا.. "لسنا كافين وحدنا" .. فبذلك يتم إشراك المجتمع في الحماية. وهنا تتجلّى فكرة مهمّة "المقاومة لا تولد فقط من غياب الدولة.. أيضًا من اعترافها بحدودها".
- الولايات المتّحدة: حين سبق المجتمع الدولة
إذا ما انتقلنا إلى الغرب الأمريكي، حيث لم تكن هناك دولة أصلًا في كثير من المناطق. ما أسفر عن ولادة ميليشيات محلّية وأنظمة حماية ذاتية وسعي لتحقيق العدالة الشعبية. هذه الحال تكشف شيئًا مختلفًا.. فالمقاومة هنا ليست رد فعل، هي شرط تأسيسي لوجود المجتمع نفسه.
- الجزائر: حين يصبح الشعب دولة مؤقّتة
خلال الاستعمار الفرنسي، لم تكن هناك دولة وطنية تحمي الجزائريين. وكان العنف منظّمًا من طرف واحد. في هذا الفراغ، نشأت جبهة التحرير الوطني؛ لم تكن بمثابة دولة؛ بل كانت استجابة. هي لحظة تحوّل وجودي كما يصفها فرانز فانون. المقاومة حينها، لم تكن فقط قتالًا، بل إعادة بناء للذات التي حُرمت من الحماية والكرامة.
- في جنوب لبنان.. المقاومة لملء الفراغ
في سياقات العدوان المتكرّر، لم يكن السؤال نظريًا: من يحمينا؟ وحين يشعر المجتمع أنّ الحماية غير كافية، يبدأ في إنتاج أدواته الخاصّة. في هذا السياق، تُظهر دراسات مثل أعمال أغسطس نورتون أنّ المقاومة في هذا الظرف لم تُفهم فقط على أنها قوة عسكرية، هي كانت ـاستجابة اجتماعية لفراغ أمني. ولكن، ما الذي يتكرّر؟
- المقاومات تفرض نفسها
في النمط العالمي، إذا وضعنا هذه الحالات جنبًا إلى جنب، نلاحظ تكرارًا لافتًا في مجتمعات تحت الاحتلال، كما في الجزائر، كذلك الأمر في دول منهارة، وفي مناطق حدودية مكشوفة، وفي جنوب لبنان. النمط واحد: غياب الدولة فصعود المجتمع، ثمّ تشكّل المقاومة، لكن النتائج تختلف، وهنا تكمن الأهمية.
تُظهر هذه التجارب، من فرنسا وإيطاليا خلال الحرب العالمية الثانية، إلى المجتمعات الحدودية في الولايات المتّحدة، أنّ المقاومة ليست ظاهرة مرتبطة بسياقات الجنوب العالمي فقط، هي استجابة بنيوية لخلل في وظيفة الدولة الأساسية، والمتمثّلة في الحماية. ففي اللحظة التي تفقد فيها الدولة قدرتها أو إرادتها في الدفاع عن مواطنيها، يبدأ المجتمع بإعادة تنظيم ذاته، منتجًا أشكالًا متعدّدة من الحماية البديلة، والتي لا تكتفي بسدّ الفراغ الأمني، بل تعيد تعريف الشرعية السياسية نفسها. وهكذا، لا تمثّل المقاومة مجرد فعل عسكري، بل هي عبارة عن عملية اجتماعية ـــــــــ سياسية تعكس انتقال مركز السلطة من الدولة إلى المجتمع، ولو بشكل مؤقت.
في قراءة تحليلية، إذا جمعنا هذه الحالات، وتابعنا النمط الذي يتكرّر، نصل إلى نموذج واضح، يرسم مراحل، ويحمل عناوين متعدّدة:
- المرحلة الأولى، انكشاف الحماية، تجلّت في فرنسا وإيطاليا في نموذج الاحتلال، وبريطانيا من خلال التهديد، أمّا الوضع في أميركا فتجلّى في غياب الدولة.
- المرحلة الثانية: الصدمة الاجتماعية، وتتجلّى في فقدان الثقة والشعور بالعجز وكذلك إدراك عدم قدرة الدولة على التدخّل.
- المرحلة الثالثة: التعبئة، تمثّلت من خلال شبكات وتنظيم وتنسيق محلي.
- المرحلة الرابعة: تشكّل المقاومة، الناتج عن غياب الدولة، والذي يسفر عنه صعود المجتمع، ثمّ إنتاج الحماية.
- لماذا تظهر المقاومات.. وكيف تصبح ذات معنى؟
يمكن القول، أنّ المقاومات تظهر لأسباب عدّة، نستعرض منها:
أوّلًا، الفراغ لا يدوم، لذلك يأتي المجتمع ليملأ أي فراغ، وخصوصًا الفراغ الأمني.
ثانيًا، الحماية بوصفها حاجة وجودية، فقبل السياسة.. هناك البقاء.
ثالثًا، الشرعية التي تُبنى من الفعل، فمن يحمي.. يكتسب الشرعية.
رابعًا، الخوف الذي يتحوّل إلى طاقة، فالتهديد يولّد الفعل الجماعي.
لذلك، نجد أنّ المقاومة لا تنتج فقط أفعالًا، هي تنتج رموزًا. ووفقًا لــ"بيار بورديو"، هذه الرموز تتحوّل إلى رأسمال رمزي يعيد ترتيب المجتمع. فالمقاتل يصبح رمزًا.. والتضحية تصبح قيمة.. والصمود يصبح معيارًا.. وهنا، تتحوّل المقاومة إلى قوّة تتجاوز الميدان.. إلى الوعي.
من هذا المنطلق، يمكن القول أنّ أهمية المقاومة تكمن في:
- استعادة التوازن: المقاومة تعيد خلق قوّة مضادة، تمنع الانهيار الكامل.
- إعادة إنتاج الكرامة: هي ليست فقط دفاعًا.. بل رفضًا للخضوع.
- خلق شرعية جديدة: المجتمع يعترف بمن يحميه.
- إعادة تعريف الدولة: المقاومة تفرض سؤالًا: هل الدولة هي المؤسّسة… أم الوظيفة؟

- حين يصبح الدفاع هو الهوية
عندما لا تؤمّن الدولة الحماية، لا يتوقّف التاريخ. فالناس لا ينتظرون طويلًا.. هم يتحرّكون، ويتنظّمون، فيقاومون.. لكن هذه اللحظة، رغم قوّتها، ليست لحظة انتصار فقط، هي أيضًا لحظة اختبار، اختبار لمعنى الدولة، ولقدرة المجتمع على التحوّل من ردّ الفعل… إلى مشروع. أمّا أخطر ما في غياب الحماية هو التحوّل الداخلي الذي يحدث بعدها. وحين يبدأ الناس بحماية أنفسهم، فإنّهم لا يغيّرون ميزان القوّة فقط، بل يعيدون كتابة القصّة كلّها: من يحمي؟ ومن يقرّر؟ ومن يملك الحق في أن يقول: هذا الوطن… لنا..
وهنا.. لا بدّ من العودة إلى المرأة التي بدأنا معها قصّتنا .. حيث قالت "لم نعد نسأل متى ستأتينا الحماية… بل كيف نصنعها".. هذه الجملة تختصر رحلة كاملة من الاعتماد إلى الفعل.. فإلى إعادة تعريف العالم. وحين تغيب الدولة، لا يختفي المجتمع، بل يتقدّم. لكن هذا التقدّم ليس مجرد مقاومة، بل لحظة تأسيس لشرعية جديدة،و لهوية جديدة، كما لمعادلة قوّة جديدة.
في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي ليس، لماذا تظهر المقاومة؟ بل: ماذا نفعل حين لا تحمي الدولة أبناءها.. بالتأكيد، يتحوّل أبناء الوطن إلى حرّاس.. لكن الحارس، مع الوقت، قد يسأل سؤالًا لا يمكن تجاهله، إذا كنت أنا من يحمي.. فمن هي الدولة؟
- المصادر والمراجع
- Weber, M. (1978). Economy and society. University of California Press.
- Scott, J. C. (1985). Weapons of the weak. Yale University Press.
- Bourdieu, P. (1991). Language and symbolic power. Harvard University Press.
- Hobbes, T. (1996). Leviathan. Cambridge University Press. (Original work published 1651)
- Migdal, J. S. (2001). State in society: Studying how states and societies transform and constitute one another. Cambridge University Press.
- Tilly, C. (2003). The politics of collective violence. Cambridge University Press.
- Fanon, F. (2004). The wretched of the earth (R. Philcox, Trans.). Grove Press.
- Rotberg, R. I. (2004). When states fail: Causes and consequences. Princeton University Press.
- Kalyvas, S. N. (2006). The logic of violence in civil war. Cambridge University Press.
- Menkhaus, K. (2007). Governance without government in Somalia. International Security, 31(3), 74–106.
- Norton, A. R. (2007). Hezbollah: A short history. Princeton University Press.
- Gupta, A. (2012). Red tape: Bureaucracy, structural violence, and poverty in India. Duke University Press.