خالد بشير/ العربي الجديد
في سنة 1664، وصل القنصل التجاري الفرنسي لوران دارفيو إلى حيفا قادمًا من صيدا، لأداء مهمة قنصلية، تمثلّت في تمكين الرهبان الكرمليين، الذين ينتمون إلى الكنيسة الكاثوليكية، من العودة إلى مقرّهم القديم على جبل الكرمل. لكن هذه الزيارة لم تقف عند حدود المهمة الدبلوماسية الجافة، بل سرعان ما تطوّرت إلى إقامة ممتدة جاوزت خمسة عشر عامًا، استطاع خلالها سبر أحوال تلك النواحي من فلسطين، الواقعة ضمن ما كان يُعرف بسنجق اللجون، في تلك المرحلة الزمنية، كما يوضحه كتاب "الحياة على جبل الكرمل – حيفا: رحلة الفارس لوران دارفيو إلى الإمارة الفلسطينية الحارثية في حيفا سنة 1664" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، بترجمة جمال أبو غيدا، 2025).
اقترب دارفيو من الأمير الحاكم للسُنجق، الأمير الحارثي محمد آل طارباي، وكان السنجق يشمل البلاد الممتدة من سواحل حيفا إلى سهول جنين، وتمكّن من كسب ودّه وثقته فأقام في مضاربه، وأصبح جليسًا له، بل وفي وقت لاحق سكرتيرًا وكاتبًا له. وبقي عنده مستقرًا لأشهر بين عامَيْ 1664 و1665، اختلط فيها مع أهالي البلاد ليخرج بوثيقة تاريخية أصبحت مصدرًا يوفر مادة عن الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لتلك المناطق من نواحي شمال فلسطين خلال النصف الثاني من القرن السابع عشر، وهي فترة لا تتوفر فيها الكثير من المصادر للباحثين في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للبلاد خلالها، ما اكسب الرحلة بالتالي قيمة بحثيّة بالغة.
جاءت رحلات ما بعد الحروب الصليبية، ومع تبلورها وتزايدها خلال العصر العثماني، لتعيد تدشين وتأسيس الوصل والتعرّف على بلاد الشام وجغرافيتها وتركيبة سكانها وطوائفها، ولترتقي وتتطوّر تدريجيًا من ناحية الطابع والمستوى العلمي المنهجي والمحصول المعرفي النقدي، مبتعدةً عن الأساطير المحكية المتناقلة الموروثة من العصور الوسيطة، وكانت رحلة دارفيو حلقة بارزة في هذا التطوّر.
في رحلته هذه، ركّز دارفيو بخاصّة على البدو، من حيث استعراض عاداتهم وعلاقتهم بالأمير المحلي وبالسلطة العثمانية، وهو يفكك بذلك أوصاف "الهمجية" و"البربرية" التي التصقت بالبدو مثلما ترسّخ في منظور وكتابات الأوروبيين حينذاك، ليقدم توصيفًا إثنوغرافيًا تسجيليًا جديدًا متكاملًا عنهم؛ من حيث المأكل، والملبس، والمسكن، وآداب الضيافة، وحليّ نسائهم، وعنايتهم بالخيل، وغير ذلك من تفاصيل شؤون معيشتهم.
هو في ما يدوّنه يبتعد عن طابع التعصّب والتحسّس الذي كانت تتسّم به كتابات الرحالة من الحجاج المسيحيين في تلك الفترة. إنه يكتب بأعين الدبلوماسي والمستكشف الباحث الفضولي، وينتقد التصور النمطي الذي كرسته تلك الصورة النمطية؛ إذ يغوص في أعماق حياة البدو، وفهم منظومتهم الأخلاقية المتكاملة. لقد قدّم دارفيو البدو الأعراب بوصفهم مجتمعًا منظّمًا، يتمسّك بمنظومة قيمية رفيعة تحكمها أخلاق الفروسية والشرف وإغاثة الملهوف المستنجد.
إذا نظرنا لكتابات مثل ما دوّنه الرحال الإنكليزي هنري موندريل، سنجده ينظر إلى خيام البدو من بعيد، ويكتفي بالتعبير عن الدهشة والاستغراب من مظاهرهم وطرائق معيشتهم، أما دارفيو فقد سكَن تلك الخيام وشاركهم في مآدبهم ومجالسهم، وخَبِر كل تفصيلة من تفاصيل معيشتهم. وهذا ما أكسب رحلته قيمة مختلفة.
بينما عجز سائر الرحّالة الأوروبيين عن رؤية المرأة العربية بسبب التقاليد الصارمة، واكتفوا بتخمينات غامضة، استفاد دارفيو من ثقة الأمير طراباي ليدخل المضارب المحرّمة باعتباره صديقًا ومستشارًا مؤتمَن الجانب، وكتب وصفًا إثنوغرافيًا، هو الأول من نوعه، لملابس المرأة وحليّها ودورها داخل المجتمع البدوي ومكانتها فيه.
عن نظام التقاضي لدى البدو وخضوعهم التام له، يقول دارفيو: "كما أن هناك رجال شرطة مكلفين باستدعاء وجلب المتقاضين للمحكمة، وعلى الرغم من كونهم رجال شرطة عزلًا من السلاح، إلّا أن لهم سطوة ونفوذًا شديدَين، لدرجة أنهم عندما يبلغون رجلًا ما بأنه: مطلوب للمثول أمام العدالة الإلهية، يسارع ذلك الرجل من فوره وبلا أي مقاومة للتوجه للمحكمة إلا إن كان عازمًا على يتحول إلى شريد خارج عن القانون ومتهم بعصيان أوامر الدولة وخيانتها".
يمكن القول بأن دارفيو دشّن نمطًا جديدًا في الكتابات عن البدو، ساهمت في تغيير نظرة الأوروبيين عن هذا المكوّن، من "قُطاع طريق" إلى مجتمع له قِيّم وتقاليد وأعراف، ونظام فروسيّة صارم. ولقد تطوّرت هذه الكتابات لاحقًا إلى دراسات موضوعيّة بلغت ذروتها مع أعمال مثل موسوعة ماكس فون أوبنهايم، "البدو"، و"عرب الصحراء" لهارولد ديكسون.
إن كان دارفيو قد ركّز على وصف الرُحّل، فهو يعطينا أيضًا تفصيلات مهمة عن حياة الفلاحين في القرى، من تقديم تفاصيل دقيقة عن المطبخ لديهم في تلك الفترة، مثل تقديم النبيذ مع الطعام في القرى المسيحية في شمال فلسطين. إلى ذكر حوادث قاسية تعرض لها الفلاحون، منها "الحملة التأديبية" التي شنها الأمير طراباي على فلاحي مرج ابن عامر وقرى نابلس في خريف 1664، إثر عجز الفلاحين عن دفع الضرائب بعد أن اجتاح الجراد محاصيلهم.
في المقابل، لم تكن كتابات دارفيو مبرّأة تمامًا من النظرة الاستعلائية الأوروبية، التي ترى في نفسها ذاتًا متحضّرة مقابل آخر بدائي، لكنها كانت أكثر إنصافًا وأمانةً وتفصيلًا في تقديم رصد تأملي مُنصِف لحياة البداوة في فلسطين في القرن السابع عشر، بالمقارنة مع ما كان سائدًا في كتابات رحالة تلك الحقبة.
كان دارفيو متقنًا للعربية والتركية بطلاقة، لم يحتج مترجمًا وسيطًا كما كان حال معظم الرحالة الآخرين في عصره، وبينما كان مقيمًا في المنطقة لسنوات ممتدة، بسبب عمله قنصلًا تجاريًا فرنسيًا في موانئ المدن الساحلية من بلاد الشام (منذ 1653)، كان رحّالة آخرون، من المعاصرين له، كالإنكليزيَّين؛ هنري موندريل مؤلف "رحلة من حلب إلى القدس"، وريتشارد بوكوك مؤلف "وصف الشرق وبعض البلدان الأخرى"، عابرين، مرّوا بالمنطقة لأشهر في طريقهم للحج أو لجمع وتدوين وصفٍ للآثار. كتب دارفيو بدافع الفضول لفهم الثقافة والمجتمعات، بينما رحّالة آخرون كان دافعهم الأول توثيق المقدسات المسيحية والبحث والتقصّي عن آثار المدن التوراتية المذكورة في "العهد القديم".
استفاض دارفيو في عرض الحوارات بين الناس وتفاصيل الأطعمة والملابس والمساكن وشؤون الحياة اليومية، بينما كان الرحالة الآخرون يركزون على إعداد الخرائط ووصف الطرق والمسالك والأماكن المقدسة وتوثيق الآثار والخرائب.
تعدّ كتابات الرحالة الغربيين في تلك الفترة مصدرًا مهمًا لدراسة فلسطين وأحوال الناس والإدارة العثمانية فيها، خلال العصر العثماني، وخصوصًا ما قبل سياسات تعزيز المركزية والتنظيمات التي تسارعت وتطوّرت في القرن التاسع عشر، وهذا هو ما تقدّمه رحلة دارفيو، إذ إنها تعطينا فكرة جيدة عن آليات وتفاصيل ممارسة الحكم، حيث الأسَر المحليّة (الأمراء) المفوّضة من السلطنة، تتولى إدارة شؤون الناس وجمع الضرائب وفرض الأمن، في المناطق الواقعة ضمن نطاق سيطرتها.
بينما كان رحّالة مثل قسطنطين فولني، صاحب المؤلّف "رحلة إلى سوريا ومصر"، يكتب بعد نحو قرن من رحلة دارفيو، ويكشف ويرصد ضعف الدولة العثمانية، ويقدم تحليلًا عميقًا للاقتصاد والزراعة والتركيبة السكانية في مرحلة ضعف الدولة العثمانية قُبيل حملة نابليون، مقدمًا ما اعتبر "دليلًا استخباراتيًا" غير مباشر لنابليون بونابرت خلال حملته على مصر والشام، كان دارفيو يكتب قبله بقرن شارحًا كيف أنّ الإمارات المحليّة والقبائل البدوية في بلاد الشام كانت تشكّل قوة سياسية موازية لسلطات الدولة في أماكن وجودها.
أسس دارفيو لأسلوب ونهج بحثي جديد في زمنه، قائم على المعاينة والفهم من الداخل، عوضًا عن الاكتفاء بالحكم من الخارج، وهو الأسلوب الذي سينضج ويسير عليه لاحقًا كبار رحّالة القرن التاسع عشر، من يوهان بوركهارت إلى وليم بلغريف وتشارلز دورتي.