د. ليلى صالح/متخصصة في علم الاجتماع السياسي
تُدرٍج الولايات المتحدة العدوان على لبنان في إطار استراتيجي إقليمي مركّب، يوظف لإدارة التوازنات مع إيران وإعادة تشكيل البنية الأمنية والسياسية في غرب آسيا، حيث انتقلت واشنطن إلى هندسة الصفقات، وإن ظهر كبح جماح إلجام "إسرائيل" في لبنان، قد أتى عبر أوامر سيادية صارمة كنتيجة حتمية لمعادلة الردع التي فرضتها طهران على صانع القرار الأمريكي..
لكن في الحقيقة الراسخة، اليوم، تكمن في أن عُملة القوة قد تغيرت.. وأصبح النظام العالمي الجديد يُصاغ حصرًا بمن يفرض قواعد الاشتباك، ويتحكم بالاقتصاد العالمي. ولم يعد كافيًا لأمريكا بأن تجيد تحويل الخسائر الاستراتيجية إلى انتصار سياسي، ببناء سردية تعزّز موقعها فاعلًا مركزيًا في إدارة توازنات العالم والمنطقة.
إذ إن الإخلال بتوازن الردع الإقليمي الذي كان يقوم على القوة "الإسرائيلية" و"القواعد الأمريكية" قد أصبح أمرًا واقعًا، فقد فُقدت المظلة الأمريكية لدول الخليج بعجز القواعد الأمريكية عن حماية أمنها ووجودها فضلًا عن حماية أمن الدول العربية الإقليمي. كما لم تعد قوّة الردع الإسرائيلية والأمريكية وحدها القادرة على فرض قواعد الاشتباك في الأمن الإقليمي، فقد فرضت استراتيجية وحدة الساحات، في مختلف جبهاتها، واقعًا جديدًا على "إسرائيل" في ميزان الردع، عنوانه معادلة الرعب المستمر، وبات من الصعب على الكيان الغاصب احتواء الرد، بعد الضربات المركزة التي ما يزال يوجهها حزب الله إلى المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتفرض النزوح الكبير للمستوطنين، والذي يُضاف إلى سلسلة من الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، عنوانه الصراعات والتمزق والانقسامات في "إسرائيل"، تعبيرًا عن سقوط منظومة الردع الإسرائيلي الذي لم يعد خافيًا على أحد.
كما تمكنت إيران من تحويل الحرب الأمريكية الصهيونية، من الوجهة العسكرية إلى الوجهة الاقتصادية، باستناد طهران إلى "مضيق هرمز"، الأصل الاستراتيجي الذي أصبح قابلًا لتحويله إلى نفوذ سياسي ومورد مالي مستدام، بتثبيت قواعد اشتباك وملاحة جديدة تتجاوز أمد الحرب الحالية لتستقر واقعًا مفروضًا في المستقبل.
بحسب ما أوردته صحيفة “فاينينشيال تايمز”، فإن الهدف الإيراني لا يتوقف عند إدارة أزمة الملاحة العابرة، يمتد أيضًا نحو صياغة معادلة اقتصادية وأمنية جديدة، مفادها أن حق العبور وضمان الأمان باتا مرتبطين بشروطها الخاصة، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مفاوضات اضطرارية على كلفة المرور في أهم ممرات الطاقة العالمية.
لذلك؛ نرى الولايات المتحدة الأميركية، اليوم، تدير العدوان "الإسرائيلي" على لبنان عبر التحكم بإيقاعه وتطوّراته وتوجيه مساراته لخدمة أهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى، من دون إنهائه، ما قد يضعنا في خضم صياغة "عقد أمني" جديد في لبنان تفرضه أمريكا بمفاوضات تحت النار. إذ إن أمريكا تريد إضعاف حزب الله لتقليص حضور طهران الإقليمي وفك استراتيجية وحدة الساحات ما جعل الساحة اللبنانية جبهة متقدمة في هذا الصراع.
تجلّى ذلك في الهدن المؤقتة التي أفشلتها الخروقات "الإسرائيلية" ورد المقاومة عليها؛ على الرغم من الحضور الأمريكي في مسار الوساطة. تاليًا؛ نحن أمام إعادة تعريف مفهوم السيادة اللبنانية والتأثير في توزيع موازين القوى داخل الدولة، لإنتاج واقع سياسي وأمني جديد يتماشى والرؤية الأمريكية لإعادة تنظيم الإقليم.
لقد أتى "الحزام الأمني الأصفر" من ضمن عملية "تغيير الجغرافيا والديموغرافيا" وتوظيفها لإعادة تشكيل الخريطة السياسية والعسكرية/ ليس في لبنان فحسب، في شرق غرب آسيا، أيضًا، حيث يعمل العدو على فرض هذا الحزام الأمني وتثبيه أمرًا واقعًا، على الرغم من أنه ما يزال عاجزًا عن الاستقرار في النقاط التي احتلها. لقد حولت "معركة العصف المأكول" وقواعد الاشتباك من مواجهة تقليدية إلى نموذج معقّد من "حرب الاستنزاف متعددة الأبعاد"، ما يعكس استنفاد "إسرائيل" لخياراتها العسكرية الحاسمة، وتحوّل المعركة إلى سباق طويل على قياس "قوة التحمّل".
حتى لا تكون القوة هي الحَكم الوحيد في جبهة لبنان تحديدًا، تتخذ أمريكا في المفاوضات المباشرة، دورًا مركّبًا ومتعدّد الأبعاد، يجمع بين الإدارة العسكرية غير المباشرة التي تتحكّم بمستوى التصعيد، والوساطة القسرية التي تفرض مسارات تفاوضية محدّدة، إلى جانب توظيف أدوات الضغط الاقتصادي والمالي والتأثير السياسي الداخلي على لبنان، باستخدام التهدئة لتكون أداة مرحلية لإعادة ضبط الإيقاع، وليس لإنجاز سلام مزعوم.
فرض الحزام الأمني يضع المقاومة في لبنان أمام "حرب وجودية"، من خلال سعي الكيان الغاصب إلى تغيير قواعد الاشتباك التقليدية الردعية، إلى هندسة حرب استنزاف طويلة في مجال جغرافي أمني محدود. بذلك؛ يعطي الوقت الكافي للسلطة اللبنانية المتموضعة تحت السقف الأمريكي- الصهيوني في نزع شرعية المقاومة، وتجفيف مواردها المالية لحصارها اقتصاديًا ونزع سلاحها ليتمكّن العدو من استكمال تنفيذ مشروعه التوسعي "إسرائيل الكبرى" من دون عوائق أو تهديدات من لبنان.
إذ نجد أن المعطيات السابقة حاضرة بقوة في بعض ما جاء في هندسة نص البيان الذي صدر في أعقاب المحادثات المباشرة بين السلطة اللبنانية والكيان المؤقت، والذي تحدث عن صيغة تفاهم يعمل الطرفان فيها على تهيئة الظروف المواتية لتحقيق سلام عادل دائم بين البلدين، مع الاعتراف الكامل بسيادة كل منهما وسلامة أراضيه، وإرساء أمن فعلي على حدودهما المشتركة، مع تأكيد الحفاظ على حق "إسرائيل" الأصيل في الدفاع عن النفس، من دون تعرض البيان لحق لبنان بمقاومة الاحتلال.
ما يؤكد بأننا لسنا أمام صيغة ملتبسة، بل أمام قرار سياسي اتخذته السلطة اللبنانية، فهي لا تجد في المفاوضات المباشرة نمطًا بديلًا عن المقاومة، تلزم العدو بالانسحاب من الأراضي التي احتلها، وتعيد سكان أكثر من 55 قرية أمامية نزحوا نتيجة العدوان الإسرائيلي، وتلزم العدو بالتعويضات.. إنما جوهر المسألة يكمن في السردية التي تبني فيها السلطة رفض فكرة مواجهة العدو أصلًا.
في التفاصيل: تهيئة الظروف المواتية تقع على عاتق الطرفين، أي إن السلطة اللبنانية المشار إليها بالأجهزة الأمنية وفقًا للبيان: "الجيش اللبناني، قوى الأمن الداخلي، المديرية العامة للأمن العام، المديرية العامة لأمن الدولة، الجمارك اللبنانية، والشرطة البلدية"، عليها كبح أنشطة الجماعات (المقصود منها المقاومة)، ولم تسمها بالمقاومة وفقًا لما جاء في البيانات الوزارية لتنزع عنها شرعية المواطنة والحقوق ووصفتها بالتي تقوّض سيادة لبنان وتهدد الاستقرار الإقليمي، فهي بذلك تسلب المقاومة حقها المشروع في مقاومة الاحتلال وفقًأ للقوانين الدولية كلها، لتشرعن حصارها اقتصاديًا لتجفيف موارد دعمها بحصار مالي يمنعها من إعادة بناء وترميم قدراتها الدفاعية العسكرية.
كما أن الاعتراف بالكيان المؤقت "دولة" لها سيادة وأمن، ينفي عنه صفة العدو للبنان، والذي وثقها " اتفاق الطائف" في الدستور اللبناني، كما ينفي حق الشعب اللبناني بالتعويضات عن الاعتداءات الإسرائيلية لأكثر من نصف قرن.. وهو يوميًا يقوم بمواصلة تدمير البنى التحتية وعمليات التفجير والتجريف للمباني المدنية في المنطقة الأمنية، كما لم يأتِ البيان على ذكر سيادة الحد البحري لهذه المنطقة، وهو ما يتضمن حقل غاز قانا الذي ضُمنت حقوق التنقيب فيه للبنان بموجب اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، في العام 2022، كل ما سبق مقدمات تجعل هذه السلطة تنخرط في منظومة إقليمية تجرم أي فعل مقاوم للعدو الإسرائيلي، لتكتمل السردية في تقديم منطق سياسي لتموضعها في المعسكر الأمريكي- الصهيوني في هندسة أمن الإقليم الجديدة.
الاّ أن بيان المقاومة الصريح على لسان رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد قال فيه: "بأن كلُّ هدنةٍ مفترضة تمنح العدو المحتل في لبنان، استثناءً خاصًا لإطلاقه النار أو القيام بأي تحرك أو إجراء ميداني في مناطق المواجهة وضمن الأراضي اللبنانية، سواء كان ذلك لتثبيت موقع أو زرع لغم أو تنفيذ اغتيالٍ أو تفجير منزلٍ أو منشأة أو تجريف أرضٍ أو ما شابه ذلك، فهي ليست هدنة على الإطلاق، وإنما هي خداع ماكر واستغباء للآخرين ينطوي على تغطية العدوانية الإسرائيلية وغضّ الطرف عن مواصلة العدو خروقاته وانتهاكاته". داعيًا السلطة أن تخجل من شعبها، وتنسحب من ما يسميَّ "مفاوضات مباشرة" مع العدو الصهيوني، مؤكدًا خشيته من أن الإصرار على هذه الخطيئة سيوقع البلاد في أسوأ مما أوقِعت به في 17 أيار المشؤوم في مطلع الثمانينات.

كما ألمح رئيس كتلة الوفاء للمقاومة إلى أن أي تواصل رسمي أو لقاء يجمع بين طرف لبناني وإسرائيلي، في حال الحرب القائمة بين لبنان وكيان الاحتلال الصهيوني، لن يحظى بتوافق وطني لبناني على الإطلاق وسيشكل مخالفة دستورية موصوفة لن تغفرها ذريعةٌ ولا مصلحةٌ مُدَّعاة.
هذا الخطاب الحاسم للمقاومة، والمنسجم مع قواعد الاشتباك التي يفرضها الميدان وحق المقاومة الشرعي والدولي بدحر الاحتلال، لا يؤكد تنصل المقاومة من أي التزام للسلطة بمفاوضات غير ميثاقية فحسب، بل قد يفرض سيناريوهات تُخرج الحرب على لبنان عن ضبط إيقاع التصعيد المضبوط الذي تستخدمه أمريكا استراتيجية لإعادة تشكيل البيئة السياسية اللبنانية، وهندسة توزيع موازين القوى داخل الدولة، فالخداع والمكر الأمريكي لن ينطلي على المقاومة القادرة على تغيير مخرجات الصراع خلافًا لما يريده الأمريكية في إعادة هندسة أمن الإقليم.