صحيفة الأخبار
تكشف المرحلة الممتدة بين انتهاء الحرب الأولى في 27 تشرين الثاني 2024 وبداية الحرب الثانية في 2 آذار 2026 عن مأزق وطني عميق في إدارة ملف السيادة والأمن الوطني في لبنان. فخلال هذه الفترة، لم تكن المشكلة محصورة في استمرار الخروقات الإسرائيلية، بل في الفجوة المتزايدة بين الخطاب الرسمي اللبناني، والمسار الدبلوماسي المعتمد، والواقع الميداني الذي ظلّ يتدهور من دون قدرة الدولة على إنتاج ردع فعلي أو حماية مستدامة للسيادة والناس. فقد سجّل العدو الإسرائيلي، وفق تقارير اليونيفيل والأمم المتحدة والشكاوى الرسمية اللبنانية، ما لا يقل عن 11,500 إلى 12,000 خرق تقديري لوقف إطلاق النار والسيادة اللبنانية، نتج عنها استشهاد أكثر من 400 شخص، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى نسف وتدمير آلاف الوحدات السكنية.
في هذا السياق، كان رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون قد تعهّد في خطاب القسم بتاريخ 9 كانون الثاني 2025 بإطلاق نقاش حول سياسة دفاعية متكاملة كجزء من استراتيجية أمن وطني، قائلاً: «عهدي أن أدعو الى مناقشة سياسة دفاعية متكاملة كجزء من استراتيجية أمن وطني على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية بما يمكّن الدولة اللبنانية، أكرّر الدولة اللبنانية، من إزالة الاحتلال الإسرائيلي ورد عدوانه عن كافة الأراضي اللبنانية.» غير أنّ هذا التعهد لم يتحوّل إلى مسار مؤسساتي واضح أو إلى استراتيجية قابلة للتنفيذ. كما أنّ آخر تناول مباشر للرئيس لهذا الموضوع كان في مقابلة مع قناة الجزيرة في نيسان 2025، حين تحدث عن حاجة لبنان إلى استراتيجية أمن وطني شاملة تنبثق عنها الاستراتيجية الدفاعية، من دون أن يتبع ذلك مسار عملي واضح يترجم هذا الالتزام إلى سياسة وطنية جامعة.
وقد تعمّقت هذه الفجوة بعد حادثة بلدة بليدا الحدودية فجر 30 تشرين الأول 2025، حين توغلت قوة من جيش العدو داخل البلدة ودخلت مبنى البلدية، ما أدى إلى استشهاد الموظف البلدي إبراهيم سلامة. فعقب الحادثة، طلب رئيس الجمهورية، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، من الجيش اللبناني التصدي لأي توغل إسرائيلي في الأراضي الجنوبية المحررة دفاعاً عن الأراضي اللبنانية وسلامة اللبنانيين. إلا أنّ الوقائع اللاحقة أظهرت أن هذا الموقف بقي من دون ترجمة ميدانية رادعة، إذ سُجّل حتى 2 آذار 2026 ما لا يقل عن 12 خرقاً برياً موثقاً، تخللتها 9 عمليات نسف أو تفجير في الخيام، العديسة، ميس الجبل، كفركلا، والمنطقة الواقعة بين مركبا ورب ثلاثين، إضافة إلى عملية خطف موثقة من داخل بلدة الهبارية. وهنا لا تكمن الإشكالية فقط في حجم الاعتداءات الإسرائيلية، بل في غياب الإطار السياسي والعسكري والدبلوماسي الذي يضمن تنفيذ الموقف الرسمي ومحاسبة العدو وردعه.
من الميكانيزم إلى المفاوضات المباشرة
في موازاة ذلك، اعتمدت الدولة اللبنانية مساراً دبلوماسياً وسياسياً هدفه المعلن وقف الخروقات الإسرائيلية، تأمين انسحاب العدو من الأراضي المحتلة، إعادة الإعمار ومعالجة ملف الأسرى. وقد بدأ هذا المسار من خلال التمسك بلجنة الميكانيزم لمراقبة وقف إطلاق النار، ثم تطوّر عبر تبنّي ورقة الموفد الأميركي توم برّاك التي أقرّ مجلس الوزراء أهدافها في 7 آب 2025، بعد قرار 5 آب 2025 بتكليف الجيش وضع خطة لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها. كما كثّف لبنان اتصالاته مع الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة ومجلس الأمن، وطرح خيار المفاوضات باعتباره مدخلاً لوقف الأعمال العدائية، واستعادة الأسرى، وبرمجة الانسحاب الإسرائيلي.
غير أنّ هذا المسار ترافق مع سلسلة تنازلات لبنانية أحادية، من القبول بالانخراط في مسار ورقة برّاك، إلى إقرار أهدافها رسمياً، ثم تكليف الجيش بخطة حصر السلاح، وصولاً إلى إرسال السفير سيمون كرم إلى اجتماعات لجنة الميكانيزم بصفة مدنية لا عسكرية، بما مثّل توسيعاً للطابع السياسي ـ التفاوضي لهذا المسار.
وخلال الحرب، ذهبت السلطة السياسية أبعد من ذلك عبر القبول بمبدأ بدء مفاوضات مباشرة، في محاولة جديدة لوقف الاعتداءات وانتزاع الانسحاب ومعالجة ملف الأسرى. إلا أنّ هذه الخطوة، كسابقاتها، لم تُقابَل بالتزام إسرائيلي فعلي؛ إذ لم يتعامل معها نتنياهو في البداية بجدية، قبل أن يقبل بها لاحقاً وفق توقيته وحساباته، لا استجابةً للحقوق اللبنانية، بل لتخفيف الضغوط السياسية والعسكرية عنه وإدارة كلفة الحرب. وهكذا، تحوّلت أدوات الدبلوماسية اللبنانية، من لجنة الميكانيزم إلى ورقة برّاك فالمفاوضات المباشرة، إلى مسار يستوعب التنازلات اللبنانية أكثر مما ينتج ردعاً أو يفرض ثمناً على إسرائيل.
وبذلك، فإنّ المشكلة لا تكمن فقط في فشل الدبلوماسية اللبنانية في تحقيق نتائج ملموسة، بل في أنّ الدولة قدّمت مساراً كاملاً من الالتزامات والتنازلات السياسية والأمنية والتفاوضية، من دون أن تنجح في انتزاع مقابل فعلي من إسرائيل. وقد تحوّلت لجنة الميكانيزم، وورقة برّاك، وقرارات 5 و7 آب، والحضور المدني في الاجتماعات، والمفاوضات المباشرة، إلى أدوات لإدارة الخروقات أكثر مما كانت أدوات لوقفها، فيما بقيت السيادة اللبنانية منتهكة، والقرى الحدودية مكشوفة، والأسرى من دون حل، والانسحاب الإسرائيلي غير مكتمل. وقد كشفت هذه التجربة أن لبنان الرسمي، بأدواته الحالية، لم يكن قادراً على الدفاع عن السيادة أو تحويل الموقف السياسي إلى حماية ميدانية للحدود والقرى والأسرى، فيما بقيت إسرائيل تتحكم بإيقاع التصعيد والتفاوض معاً.
عودة المقاومة لتثبيت توازن ردعي
أمام هذا الواقع، جاءت عودة المقاومة إلى القتال بعد 2 آذار 2026 في سياق مختلف عن مجرد استئناف المواجهة العسكرية. فخلال مرحلة ما بين الحربين، التزمت المقاومة عملياً بوقف إطلاق النار وأفسحت المجال أمام الدولة اللبنانية والمسار الدبلوماسي لمعالجة ملفات الخروقات والانسحاب والأسرى. غير أنّ فشل هذا المسار في وقف الاعتداءات أو فرض الانسحاب أو حماية القرى الحدودية أظهر أن العدو يسعى إلى تحويل نتائج حرب 2024 إلى واقع سياسي وأمني جديد، يقوم على تكريس الاحتلال في نقاط داخل الأراضي اللبنانية، توسيع هامش الخروقات، إنشاء منطقة أمنية عازلة، منع العودة الكاملة للسكان، والضغط باتجاه نزع سلاح المقاومة أو تفكيكها.
في المقابل، جاءت عودة المقاومة إلى المعركة محاولةً لإعادة فرض المعادلة التي نتجت بعد حرب تموز 2006، أي معادلة الردع ومنع الاحتلال من تثبيت وقائع ميدانية دائمة، وحماية حق السكان في العودة، وربط أي استقرار على الحدود بوقف الاعتداءات الإسرائيلية واحترام السيادة اللبنانية. ومن هنا، فإن حرب 2026 لا يمكن قراءتها فقط كجولة عسكرية جديدة، بل كصراع بين مشروعين: مشروع إسرائيلي يسعى إلى تثبيت نتائج حرب 2024 وتحويلها إلى قواعد سياسية وأمنية دائمة، ومشروع المقاومة الذي يسعى إلى إسقاط هذه النتائج وإعادة إنتاج توازن ردعي شبيه بما فرضته حرب 2006.
وعليه، فإن معادلات ما بعد حرب 2026 تُرسم بين هذين الخطين: إما أن ينجح العدو في تثبيت واقع ما بعد 2024 القائم على الاحتلال والخروقات ومنع العودة والضغط لنزع السلاح، وإما أن تنجح المقاومة في إعادة فرض واقع ما بعد 2006، حيث يصبح أي احتلال أو اعتداء أو محاولة لتغيير قواعد الاشتباك مكلفاً وغير قابل للاستقرار. لذلك، فإن جوهر المواجهة لا يقتصر على الميدان العسكري، بل يتصل بتحديد الإطار السياسي والأمني للمرحلة المقبلة: إما جنوب مكشوف تتحكم به إسرائيل بالنار والتهديد، أو توازن ردعي يمنع العدو من تحويل نتائج الحرب السابقة إلى نظام دائم على حساب السيادة اللبنانية.
كلفة سيادية مفتوحة!
من هنا يُطرح السؤال الجوهري: أيهما مكلف أكثر: المسار الدبلوماسي للسلطة السياسية أم المقاومة العسكرية؟
لا يمكن التقليل من الكلفة البشرية والمادية لأي خيار عسكري. فالمقاومة، حين تعود إلى المواجهة، تدفع ثمناً باهظاً من دماء الشهداء، ومن دمار القرى والمنازل والبنى التحتية، ومن تهجير الناس وتعطيل الحياة اليومية في الجنوب وسائر لبنان. وهذه كلفة مؤلمة لا يجوز التعامل معها بخفة أو تحويلها إلى تفصيل ثانوي في أي نقاش وطني مسؤول.
لكن السؤال الأعمق ليس فقط: أي خيار يكلّف أكثر مادياً وبشرياً؟ بل: أي خيار يكلّف لبنان أكثر على مستوى السيادة والقدرة على البقاء كدولة قادرة على حماية أرضها وشعبها؟ هنا تظهر المفارقة الأساسية. فالمسار الدبلوماسي الذي اعتمدته السلطة السياسية بين الحربين بدا، ظاهرياً، أقل كلفة لأنه يتجنب المواجهة المباشرة. غير أن التجربة أثبتت أن هذا المسار، حين لا يستند إلى استراتيجية أمن وطني واضحة ولا إلى قوة ردع فعلية، يتحول إلى مسار مكلف جداً على مستوى السيادة.
بهذا المعنى، كانت كلفة الدبلوماسية الرسمية أخطر من كلفتها الظاهرة. فهي لم توقف العدوان، ولم تمنع الاحتلال، ولم تحمِ السكان، ولم تفرض على العدو ثمناً فعلياً لانتهاكاته، بل سمحت له بإدارة الوقت وتثبيت نتائج حرب 2024 تدريجياً. وعندما تتحول الدبلوماسية إلى إدارة للانتهاكات لا إلى وقفها، فإنها تصبح كلفة سيادية مفتوحة، لأنها تعطي العدو فرصة تحويل الوقائع العسكرية إلى قواعد سياسية دائمة.
في المقابل، تبدو الكلفة العسكرية للمقاومة باهظة وفورية ومرئية: شهداء، جرحى، دمار، نزوح وخسائر اقتصادية واجتماعية. لكنها، من زاوية السيادة، جاءت لمحاولة منع كلفة أكبر وأطول أثراً: كلفة تثبيت الاحتلال، وتحويل الجنوب إلى منطقة مكشوفة، ومنع السكان من العودة، وإسقاط معادلة الردع التي نشأت بعد حرب 2006. فعودة المقاومة بعد 2 آذار 2026 لم تكن مجرد قرار بالتصعيد، بل محاولة لإعادة إدخال عنصر الكلفة على الحسابات الإسرائيلية، بعدما فشل المسار الرسمي في إنتاج أي ردع أو ضمانة أو انسحاب.
لذلك، فإن المقارنة لا تكون بين دبلوماسية سلمية ومقاومة مكلفة فقط، بل بين دبلوماسية بلا قوة تتحول إلى تنازل متراكم، ومقاومة عسكرية تدفع ثمناً دموياً لكنها تمنع العدو من تثبيت أمر واقع دائم على حساب السيادة. الأولى قد تبدو أقل ألماً في اللحظة المباشرة، لكنها قد تكون أكثر خطورة إذا انتهت إلى شرعنة الاحتلال والخروقات ومنع العودة. أما الثانية، فرغم كلفتها الإنسانية والمادية الكبيرة، تبقى أقل كلفة على معنى الوطن إذا نجحت في منع العدو من تحويل نتائج الحرب إلى نظام دائم يتحكم بالجنوب وبقرار الدولة وبمستقبل السيادة اللبنانية.
وعليه، فإن الدرس الأهم هو أن لبنان لا يستطيع حماية سيادته بدبلوماسية منفصلة عن الردع، ولا يستطيع أيضاً إدارة الردع من دون رؤية وطنية جامعة. المطلوب ليس الاختيار السطحي بين الدبلوماسية والمقاومة، بل الاعتراف بأن الدبلوماسية التي لا تستند إلى قوة تصبح استجداءً، وأن القوة التي لا تُترجم في استراتيجية وطنية تبقى عرضة للاستنزاف. لكن في تجربة ما بين الحربين، أثبت المسار الرسمي أنه الأعلى كلفة على السيادة، لأنه قدّم التنازلات ولم ينتزع الحقوق، فيما جاءت المقاومة، رغم كلفتها الباهظة، لتمنع سقوط ما تبقى من معادلة الردع، ولتفرض مجدداً أن الاحتلال والخروقات ومنع العودة ليست وقائع مجانية يمكن للعدو أن يثبتها بلا ثمن.