معتز منصور/ كاتب وباحث سياسي
قبل أن يصل دونالد ترامب إلى بكين؛ كان شيء أعمق يتشكل في خلفية المشهد الدولي. لم تعد المسألة مرتبطة بزيارة رئيس أمريكي إلى خصم استراتيجي صاعد؛ بل بلحظة انكشاف تدريجي لنظام عالمي بدأ يفقد توازنه القديم. الرد الإيراني على المقترحات الأمريكية جاء في توقيت شديد الدلالة، ليس لأغلاقه باب التفاوض، إنما لكشفه حدود القدرة الأمريكية على فرض الإيقاع كما كانت تفعل طوال العقود الماضية. واشنطن، والتي اعتادت إدارة الجبهات منفصلة، تبدو اليوم أمام ساحة مترابطة؛ حيث يتحول أي ضغط في الخليج إلى ارتدادات في آسيا، وأي توتر مع الصين إلى ارتباك في الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد.
هذه هي المعضلة التي تسبق وصول ترامب إلى الصين، لا الرسوم الجمركية ولا الملفات التجارية وحدها. الولايات المتحدة تذهب إلى بكين، وهي تحمل معها نتائج مرحلة كاملة من الاستنزاف المفتوح، من أوكرانيا إلى غرب آسيا، ومن الحرب الاقتصادية إلى أزمة إعادة بناء قاعدتها الصناعية. للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة؛ تبدو القوة الأمريكية وكأنها مضطرة لإدارة التراجع لا التوسع واحتواء التشققات داخل النظام الذي صنعته بنفسها، لا إعادة هندسة العالم وفقًا لشروطها فقط.
في العمق؛ لا تكمن خطورة الصين في حجم اقتصادها وحده، أيضًا في طبيعة الموقع الذي نجحت في احتلاله داخل البنية المادية للعالم الحديث. الغرب اكتشف متأخرًا أن بكين لم تكن تبني مجرد فائض تجاري، لقد كانت تبني السيطرة على الطبقات العميقة للإنتاج العالمي: المعادن النادرة، التكرير، المكونات الوسيطة وسلاسل الإمداد التي تقوم عليها الصناعات العسكرية والتكنولوجية والطاقة الجديدة. هنا؛ بالتحديد تكمن أزمة واشنطن الحقيقية. إذ إن التفوق العسكري الأمريكي لا يصبح كافيًا عندما تكون المواد التي يقوم عليها هذا التفوق تمر عبر خصمه الاستراتيجي.
لهذا؛ تبدو الصين مختلفة عن الاتحاد السوفياتي القديم. موسكو نافست واشنطن، عسكريًا وأيديولوجيًا، لكنها لم تتغلغل داخل شرايين النظام الغربي الاقتصادي نفسه. أما الصين؛ فقد صعدت من داخل العولمة الأمريكية ذاتها؛ مستخدمة الأسواق الغربية ورأس المال الغربي والتكنولوجيا الغربية لإعادة تشكيل ميزان القوة العالمي من الداخل. هذا؛ ما يجعل الصراع الحالي أكثر تعقيدًا من حرب باردة تقليدية؛ لأنه ليس صراعًا بين نظامين منفصلين، هو صراع داخل نظام اقتصادي واحد، بات يهدد بابتلاع مركزه التاريخي.
الأخطر أن بكين لا تستخدم قوتها بمنطق الصدام المباشر. هي لا تدفع العالم إلى القطيعة، إنما إلى الاعتماد المتزايد عليها. لا تلوّح بالحرب بقدر ما تلوّح بإمكان التعطيل. هذا ما يمنحها شكلًا جديدًا من الردع، أقل ضجيجًا وأكثر فاعلية. إذ حين تصبح الصناعات الغربية، من الرقائق إلى الطائرات المسيّرة، مرتبطة بمعادن تمر عبر الصين، يتحول الاقتصاد نفسه إلى ساحة اشتباك جيوسياسي.
في المقابل؛ تبدو الولايات المتحدة وكأنها تحاول متأخرة إعادة اكتشاف الدولة الصناعية. إذ فجأة لم تعد السوق الحرة كافية، ولم تعد العولمة انتصارًا مطلقًا، ولم يعد نقل المصانع إلى آسيا قرارًا اقتصاديًا بريئًا. ما تفعله واشنطن، اليوم، من حروب تجارية ودعم حكومي ومحاولات إعادة توطين الإنتاج، ليس سوى اعتراف متأخر بأن النموذج الذي قادته على مدى عقود أنتج خصمًا يهدد مركزيتها العالمية.
لكن الأزمة الأمريكية لا تتوقف عند الصين. إذ إن إيران نفسها تتحرك داخل هذا التحول الدولي، بثقة أعلى بكثير مما كانت عليه قبل سنوات. ليس لأنها أصبحت أقوى من الولايات المتحدة بالمعنى التقليدي، بل باتت تدرك أن واشنطن لم تعد قادرة على إدارة المواجهات بالطريقة القديمة؛ أي أن التصعيد مع طهران لم يعد ملفًا شرق أوسطيًا معزولًا، لقد أصبح عقدة تمس الطاقة العالمية والأسواق والصين والممرات البحرية؛ وحتى مستقبل الاستقرار الاقتصادي الغربي نفسه.
لهذا؛ لم يكن الرد الإيراني مجرد موقف تفاوضي، أضحى رسالة بأن زمن الإخضاع السريع قد انتهى. إذ تراهن طهران على بيئة دولية مختلفة؛ حيث تتداخل الجبهات وتتشابك الأزمات. من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن جنوب لبنان حتى العراق، لم تعد واشنطن تواجه ساحات منفصلة، بل شبكة استنزاف مترابطة، كل ضغط فيها ينتج ضغطًا مضادًا في مكان آخر.
هذه تحديدًا هي المشكلة التي تجعل زيارة ترامب إلى الصين أكثر من مجرد قمة سياسية. الرجل لا يذهب إلى بكين من موقع الهيمنة الواثقة، إنما من موقع القوة التي تحاول منع العالم من الانفلات الكامل من مركزها. واشنطن تعرف أن الانفصال عن الصين مكلف، والاستمرار في الاعتماد عليها أكثر خطورة، والحرب المفتوحة معها قد تدفع الاقتصاد العالمي إلى حافة الانهيار. لذلك؛ تبدو الإدارة الأمريكية وكأنها تحاول شراء الوقت، لا حسم الصراع.
في هذا المشهد، يتغير معنى القوة نفسه. إذ لم تعد حاملات الطائرات وحدها كافية لصناعة الهيمنة، ولم تعد العقوبات قادرة وحدها على إخضاع الدول. القوة باتت في التحكم بالتدفقات: الطاقة، المعادن، التكنولوجيا، الممرات البحرية وسلاسل التوريد. من يسيطر على هذه العقد يستطع أن يعيد تشكيل العالم بصمت، من دون الحاجة إلى احتلال مباشر أو حرب شاملة.
لهذا؛ يبدو الكباش الحالي أعمق من مجرد تنافس بين واشنطن وبكين. نحن أمام صراع على شكل النظام الدولي القادم نفسه. الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على عالم صممته وفقًا لشروطها بعد الحرب الباردة(الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق)، بينما تعمل الصين على إعادة هندسة هذا العالم من داخله؛ مستفيدة من التناقضات كلها التي أنتجتها العولمة الأمريكية ذاتها. بينهما تتحرك قوى إقليمية، مثل إيران ومحور المقاومة، مستثمرة لحظة التصدع الكبرى لإعادة تثبيت مواقعها، داخل نظام دولي، لم يعد أحادي القطبية كما كان.